أمير المفرجيلاشك أن بقاء هذا التقارب بين إيران وسورية ونشاطهما الواضح حول قضايا المنطقة، له علاقة مباشرة بنوعية الرؤية التي يتبناها الهرمان الإيراني والسوري، كل حسب مصلحته القطرية وتطلعاته القومية التوسعية في ما يتعلق بملفات فلسطين والعراق، لاسيما ان إيران وبوجود حليفتها سورية تتفاعل في قضايا المنطقة سياسياً واثنياً مستفيدة من التغيرات الكبيرة التي جاءت بها جريمة تدمير العراق وإضعاف الدور العربي في منطقة الشرق الأوسط، بتهميش الدول العربية ومن ضمنها سورية لصالح بروز قوة مُختلقة من الغرب كإيران للعب دور (الدفاع عن الحقوق العربية والإسلامية) في قضايا الأمة المصيرية، من خلال إنهاء منافسيها في العراق وحركة طالبان في أفغانستان، ليتسنى لها الانفراد (في الدفاع) عن قضايا العرب والمسلمين في الشرق الأوسط. وهكذا يتجه ميزان القوى لصالح إيران إلى درجة التأثير اقتصاديا وسياسيا، من خلال دعمها لبعض أنظمة وأحزاب المنطقة القريبة منها، كسورية انطلاقا من فكرة (إحياء الهلال الشيعي) العزيزة على قلوب الزعماء في إيران، والعمل على جعل سورية بلدا تابعا يعمل ويدور في مدارها الفلكي. وقد عززت الجمهورية الإسلامية هذه العلاقة لتأخذ بعدا اقتصاديا واستثمارياً في قطاعات الاقتصاد السوري، كالنفط والزراعة والصناعات المختلفة وبأرقام قاربت الأربعة مليارات دولار في السنوات الأخيرة.
وعلى الرغم من الاختلاف العقائدي الواضح في الايديولوجية السياسية بين نظام البعث العربي السوري العلماني للدكتور بشار الأسد عن حليفه الثيوقراطي في الجمهورية الإسلامية، فان مصالح إستراتيجيتهما المشتركة في المساهمة في التشكيل القادم لمنطقة الشرق الأوسط، والدعم الاقتصادي الإيراني قربتهم الواحد من الآخر. النقطة المهمة والجديرة بالاهتمام، هي المطالب السورية والإيرانية للإدارة الأمريكية لتأمين دور إقليمي مهم لهما في حسابات قضية الشرق الأوسط المحورية ومشروع الدولة الفلسطينية، ناهيك عن الرغبة في المشاركة في ترتيب الوضع الجديد للعراق المغلوب على أمره بعد بدء القوات الأمريكية في الانسحاب من أرضه. فما بين إيران الطامحة والطامعة لمد نفوذها في المحيط الجغرافي العراقي، وبين تركيا ودورها التاريخي في المنطقة، تحاول سورية لعب دور الطرف العربي مستغلة المعطيات القديمة كطرف مشارك وحيوي في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لاسترجاع أراضيها المحتلة في الجولان وحل القضية الفلسطينية، وما بين المعطيات الأخرى الجديدة التي أولدتها مأساة العراق وتوافقها مع القوى العراقية الوطنية العلمانية التي تناضل للحفاظ على وحدة العراق، والانتماء الوطني والتي تحتضنها وتقدم لها التسهيلات على التراب السوري، في الوقت الذي تسعى إيران الى تأجيج التوتر الطائفي وبالتالي ربط العراق اثنيا وسياسيا بنظام ولاية الفقيه. ففي الوقت الذي تسعى إيران لجعل العراق بلدا تابعا يسير في فلكها عن طريق العزف على أوتار الاثنية والتفريق، تأمل سورية في اعادة وتقوية اسس القومية العربية التي دمرها الاحتلال الأمريكي.
بين سورية والعراق العديد من النقاط المشتركة، ففي إيديولوجية حزب البعث العربي الاشتراكي تأخذ (القومية العربية والعلمانية) مكانا رئيسياً في الفكر السياسي والاجتماعي. وعلى الرغم من وقوف الرئيس الراحل حافظ الأسد بجانب الكويت ومن قبلها مع إيران في حربها في نشر الاسلام السياسي ضد العراق، رفضت سورية توفير الدعم اللوجستي إلى قوات التحالف الاجنبي في قصف العراق واعترضت على مشاركة الجيش السوري في قتل العراقيين. في الوقت نفسه، كان للصراع والاختلاف الشخصي الناتج عن انقسام البعث في بغـداد ودمشق، نتائجه على العلاقات بين البلدين، فقد حرص النظامان السوري والعراقي في صراعهما الشخصي المتبادل في عدم التأثير سلبيا على القاعدة الشعبية الموجودة في كلا البلدين. ففي الوقت الذي حظي فيه الرئيس الراحل صدام حسين بشعبية واضحة من طرف أغلبية الشعب السوري، سمح النظام السوري للعديد من معارضي الرئيس العراقي السابق باللجوء إلى سورية تطبيقا لإيديولوجية البعث القومية العربية، التي عززتها المواقف السورية الأخيرة غداة احتلال العراق، بعد أن فتحت السلطات السورية حدودها وسمحت لملايين العراقيين بالعثور على ملجأ على أراضيها، في الوقت الذي عمدت بعض البلدان المجاورة الأخرى الى إغلاق حدودها ورفض تأمين المساعدة لهذا الشعب المبتلى.
وفي الوقت الذي تتداخل فيه المصالح الإيرانية الإستراتيجية بتلك التركية والسورية والأمريكية في بلاد الرافدين، تحاول سورية تفعيل نشاطاتها، بإعادة بناء عراق سياسي قريب منها، أي أن تتولى شخصيات تحت تأثيرها الحقائب الرئيسة في النظام العراقي الجديد، بما يضمن في أن تكون لها كلمة في القرار السياسي، وهذا ما يفسر قبول سورية أخيراً لشخصيات كأياد علاوي وعادل عبد المهدي في حكم العراق، حيث يرتبط هؤلاء بعلاقات قديمة وقوية بالمسؤولين السوريين وخط حزب البعث السوري، لاسيما ان التأثير على العراق سياسياً يعني سهولة التأثير عليه على المستوى الاقتصادي، وهنا يبدو لنا بجلاء الاهتمام الرئيسي لسورية بالاقتصاد العراقي ولما يوفره من العملة الصعبة للخزينة السورية. فجولات المالكي ووفوده المتعددة وتلويحه بمعادلة النفط مقابل تسليم المعارضة الوطنية لم تكن إلا إشارات واضحة بفهم النظام الطائفي العراقي الحاكم بالمطالب والنوايا السورية واهتمامات دمشق التكتيكية على المستويين الاقتصادي والسياسي في الكعكة العراقية، بما يخدم الهدف الإستراتيجي الذي وضعه الرئيس الأسد للاستحواذ على أكبر ما يمكن من النفوذ في العراق عشية انسحاب القوات الأمريكية. وقد يكون هذا هو ثمن وإغراءات سياسية تدفعها الإدارة الأمريكية الجديدة لدمشق في العراق عبر إهدائها أوراقا سياسية رابحة عززتها نتائج انتخابات نيسان/ابريل العراقية التشريعية. من هذا المنطق يميل السوريون للتدخل في شؤون العراق دفاعاً عن مصالحهم الوطنية والقومية بعد أن تعاملت الولايات المتحدة معهم كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها في إطار التفاوض مع إسرائيل والقضية الفلسطينية، ناهيك عن مسألة احتلال الجولان وأهمية استرجاعها بالنسبة للجانب السوري.
وعلى الرغم من وجود رغبة سورية وقومية صادقة للامتداد في المحيط الإنساني العراقي نتيجة لأهمية حجم العلاقات الإنسانية التي تربط الشعبين السوري والعراقي، فقد أثار الاحتلال الأمريكي للعراق مخاوف حقيقية من أن يكون النظام السوري الهدف القادم للولايات المتحدة، على الرغم من تبدد هذا الخوف في الوقت الحاضر نتيجة لمقاومة العراقيين للوجود الأجنبي لبلادهم، وفشله في تثبيت أقدامه في التراب العراقي، ومع ذلك لا تزال سورية تشعر بالقلق من خطر انهيار العراق وتقسيمه بإقامة دولة كردية قد تعزز مطالب الأكراد في سورية مما يفرض عليها التحرك في اتجاه الحفاظ على وحدة العراق ونحو خط واضح ومستقل يهدف إلى المصالحة الوطنية والسياسية في بغداد، في الوقت الذي حاولت وتحاول إيران اللعب على أوتار الاختلافات العرقية والدينية. النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا السياق هو انه رغم الاختلاف الكبير بين الجانبين ووجود رغبة سورية صادقة في الدفاع عن وحدة العراق لظروف خاصة تمس مكونات المجتمع السوري، ورغم أهمية الفكر العقائدي لحزب البعث السوري الهادف الى تعزيز القومية العربية خلافا للجارة إيران، تتلاقى المصلحة السورية والإيرانية في إبقاء العراق ضعيفا ومهمشاً انطلاقا من نتائج الصراع الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي التي تخضع إلى توازنات معادلة التأثر والتأثير في الجغرافية السياسية.
ان ترتيب ملفات المنطقة من قبل دول الجوار العراقي لمصالحهم القومية والقطرية يجب أن لا يوقف جهود النخبة الوطنية العراقية في توحيد جهودها لإعادة بناء دولة وطنية مستقلة غير متأثرة باستراتجيات دول الجوار. كما ان للعراق العربي موقفا وحقوقا تاريخية شرعية في هذا الجزء المهم من العالم يتوافق مع ثقله الاقتصادي والبشري والحضاري. لقد كان وسيكون للعراق دور مؤثر مهم وحضاري وعامل للاستقرار الحضاري والاجتماعي في إحلال السلام العادل في هذه المنطقة من العالم. ‘ كاتب عراقي