الافرو ـ الامريكيّون لديهم ما يعلّموننا

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو حبّذا لو أن الدول العربية لا تولّي وجهها نحو النظام السياسي الحاكم الامريكي لتتعلّم منه وتقتدي بمسيرته. فهذا النظام يقوم على الإنغلاق الأناني الأعمى لمصالح أمريكا حتى ولو كان على حساب الاّخرين، على المساومات الفاسدة اللا أخلاقية التي تنخر عظام مجلسي النواب والشيوخ، على خضوعه الشبه تام لإملاءات الثالوث المالي الصناعي العسكري الجشع النّرجسي، أي على كل ما هو غير قيمي وغير أخلاقي وغير إنساني نبيل. وليس هذا تحاملا طائشا، فهو حكم موضوعي مبثوث في مئات الكتب وآلاف التقارير التي كتبها مفكرّون وباحثون أمريكيون بموضوعية ويوحي من حبهم وغيرتهم على بلادهم.

لكن حبّذا لو أن الدول العربية، وعلى الأخص مجتمعاتها المدنية، تولّي وجهها نحو المجتمع الامريكي لتتعلّم منه، إذ فيه الكثير ممّا يسّر الناظرين. ولما كانت الفترة الحالية هي فترة اضطرابات سياسية وأمنّية وصراعات طائفية ظالمة حقيرة وعمىً في القلوب والبصائر في كل الأقطار العربية، بأشكال ودرجات متفاوتة، فانّ من أفضل التجارب التي يمكن أن يتعلّم منها قادة السياسة ومواطنو النضال الحقوقي المدني هي تجربة نضال الامريكيين السوّد بقيادة القسّ الامريكي الشهيد مارتن لوثركنغ. مسيرة ذلك النضال المدني السلمي الإنساني المشعّ يمكن رؤية أحداثها ومسيرتها من خلال أقوال وأحزان وآمال قائدها. بالطبع هناك أمثلة أخرى في مجتمعات أخرى، من مثل النضال السلمي العظيم الذي قاده المهاتما غاندي في الهند، ولكنّ هذا الأخير كان نضالا ضدّ المستعمر المحتل، أمّا نحن فبصدد الحديث عن نضال مجتمعي ضدّ قوى إذلال الآخرين وسلبهم الكرامة الإنسانية دون مبرّر.

في قلب أقوال القسّ كنغ قوله: ‘عدم العدالة في أيّ مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان’. من هنا فانّ منطق كل الحراك المدني العربي يجب أن يكون العدالة، مفهوماً وضمانات وأدوات فاعلة. وإذا كان الدين الإسلامي هو دين الحق والقسط والميزان فهو محفّز ثقافي أخلاقي هائل لإشراك أعداد كبيرة من المواطنين في مسيرة ذلك الحراك. مطلب العدالة، باطلاقه ووضوحه وحيويّته، قادر على أن يبعد الجميع عن المطالب الفرعية المنطلقة من المذهب أو الدّين أو الإثنيّة أو الطبقية التي تقود إلى الصّراعات العبثية والإستغلال البشع من قبل الزّبانية الانتهازية.

يقول القسّ الشهيد: ‘إذا لم يكتشف الإنسان قضية يموت في سبيلها فأنّه لا يستحق الحياة’. في أيامنا الحالية ليست الكارثة في عدم وجود الملايين من المواطنين العرب لممارسة سموّ الموت سبيل القضايا العادلة، وإنما في وجود الملايين المتفرّجين الخائفين من فقدان وظيفة أو مكانة اجتماعية أو امتيازات مبتذلة من مجرّد اشتراكهم المتواضع في مسيرة النضال ضد المستبيحين لروح العدالة في مجتمعاتهم.

يقول مارتن لوثركنغ: ‘يجب أن نتعلّم العيش كإخوة أو نتذمّر ونزول معاً كمجانين’. إذا كان السنّة أو الشيعة أو الأقباط أو الأكراد أو القبائل أو عائلات الحكم أو المتنفذون في العساكر أو الأحزاب يحلمون بالعيش في بحبوحة وسلام على حساب الآخرين، وخارج الأخوة الإنسانية، فعليهم الاستيقاظ من ذلك الحلم البليد. فإما أن نحارب كاخوة ضدّ هذا الظلم أو ذاك أو أن نمارس الإنتهازية الضّيقة ونموت كمجتمعات معتوهة. لن يسلم أحد لوحده.

وبعقل نافذ حكيم يقول معلقاً على ما تقوله مؤسسات السلطة في أمريكا بشأن مسيرة نضال السّود: ‘الاضطرابات المدنية هي في نهاية الأمر لغة الذين لا يستمع إليهم أحد’. وفي بلاد العرب، مع الأسف، تمارس غالبية أنظمة الحكم موقفا سلبيا من مطالب الناس: ‘دعهم يقولون ما يشاؤون، فلن نستمع لهم، وسنفعل ما نريد’. ما قاله ذلك المناضل المغدور قبل أن يحتفل بعيد ميلاده الأربعين يجب أن يعيه ويفهمه جيّداً المسؤولون عن إدارة أمور العباد في أرض العرب وهو أن وصول الناس والمجتمعات إلى درجات الإحباط والغليان، ثم الانفجار المفجع، هو إغلاق مسامعهم عمّا يقوله الناس، فالتحقّق الموضوعي العادل من صدق ومعقولية ما يقولون، ثم العمل من أجل إصلاح أمور البلاد والعباد.

مسيرة نضال السّود التي قادها ذلك الرجل الطيّب فيها الف عبرة وألف قول حكيم. يحتاج حكام العرب وتحتاج مجتمعاتهم أن يتعلّموا منها الكثير قبل فوات الأوان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية