دبي ـ ‘القدس العربي’ ـ التقاه: خالد الظنحاني صدرت مؤخراً الرواية الجديدة ‘أبناء السماء’ للروائي والصحافي الأردني المقيم في الإمارات يحيى القيسي، وذلك عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وهي الرواية الثانية بعد ‘باب الحيرة’ 2006، ومجموعتين قصصيتين ‘رغبات مشروخة’ 1997، و’ الولوج في الزمن الماء’ 1990، والكتاب الحواري للأدباء ‘حمّى الكتابة’ 2004 إضافة إلى انجازه نحو 25 فيلما وثائقيا تلفزيونيا، وانشغاله بالعمل الصحافي الثقافي على مدار الخمسة عشر عاما الماضية في الصحف الأردنية، ومراسلا لـ ‘القدس العربي’ من عمان على مدار عشر سنوات، والعمل أيضا في وزارة الثقافة، وفي إدارة تحرير المجلات الثقافية، والكتابة للمقالات والنقد السينمائي وغيرها.
توصف رواية ‘أبناء السماء’ كما يرى الناشر من خلال ما كتب على ظهر غلافها بأنها ‘تنشغل بشخصيات إشكالية يخوضون رحلتهم الخاصة بحثا عن تفسير للظواهر الخارقة في هذا الكون، والعوالم المخفية التي تؤثر بنا دون أن نراها، وذلك من خلال إعادة النظر في المسلمات التاريخية التي توارثناها، وتوظيف مختلف لمنجزات العلوم الحديثة، وقراءة مغايرة للنصوص الدينية،… كما تحضر الطقوس الصوفية والحكايات الشعبية والحفريات الأثرية والنظريات العلمية كمعارف أساسية لكي تقود بعض هذه الشخصيات إلى الإيمان بالله، وبعضها الآخر إلى اكتشاف حضارات متطورة في هذا الكون الواسع تحلم بالتواصل معها..’. هنا حوار عن تجربته الروائية الجديدة هذه والأسئلة التي تطرحها، وخصوصيتها:* تبحث روايتك ‘أبناء السماء’ عن تفسير للظواهر الخارقة والعوالم المخفية في الكون، فهل وجدت تفسيرا لها أم هي تستند إلى الخيال فحسب؟
أعتقد أن أجواء الرواية غريبة بعض الشيء على القارئ العربي عموماً، فهي تتناول قضايا غير مطروقة كثيراً تتعلق بالعوالم اللامنظورة أو المخفية التي تحيط بنا. هذا من جهة، وهي إعادة قراءة أو تفسير لبعض الظواهر المحيرة، استنادا إلى الموروث الديني والعلوم الحديثة، وأيضاً العلوم السرية أو الروحانية من جهة أخرى، فـ ‘أبناء السماء’ في هذا الاتجاه هم الذين ساهموا في الحضارة البشرية سواء من الكائنات الأخرى الأكثر تطوراً، أو من الأنبياء والقديسين المرسلين لخدمة البشر وتعليمهم وتهذيب أخلاقهم حسب رأي شخصيات الرواية، وعموما فإن الاختصار يخلّ بالعمل الروائي فهي معمار كامل، يجب أن يقرأ كله لتصل الرسالة.
والقارئ طبعا حر في اعتبار هذا العمل ينتمي إلى الفانتازيا والخيال الجامح، أو التفكر في بعض الإشارات الواردة فيه وأخذها على محمل الجد، ففي النهاية تبدو الرواية الغربية قد تجاوزتنا كثيرا في هذا الاتجاه، مثل أعمال باولو كويلو، ودان براون وغيرهما.* وهل هناك علاقة ما تربط بين عالمي ‘ما وراء الطبيعة’ والإبداعي الأدبي بمختلف أنواعه؟* دائماً هناك علاقة خاصة بين الأدب وعالم الإلهام والخيال، فالشاعر أو المبدع يكون أكثر شفافية من غيره، ولديه قدرة على التقاط الإشارات في الكون غالبا، والتفكر في كلّ ما حوله، والنتيجة تكون على شكل كتابة نصّ أو لوحة أو أي عمل فني لديه تحليق خاص، وقديما تحدث العرب عن ‘وادي عبقر’ حيث يستقي الشعراء منه قصائدهم، لا بل إن هناك شاعرا شهيرا اسمه ديك الجن الحمصي، وبعض كبار المتصوفة تحدثوا عن فكرة ‘الإملاء’ أي ان الكتابة أمليت عليهم من قوى أخرى أو أرواح سامية، وهو فقط الناقل أو الناسخ لها، وأكبر مثال على ذلك شيخ المتصوفة ابن عربي في مجلداته التي تجاوزت الأربعمئة، والذي اعترف فيها بهذه الفكرة، إضافة إلى أن هذه الفكرة تم تناولها كثيرا في المدونات الروحية عند الغربيين.* تزخر روايتك أيضا بالأمكنة، فماذا يشكل لك المكان في نصّ الرواية؟ ولم كل هذا التعدد ما بين المكان الأردني والدول الأخرى مثل مصر وسورية وغيرها؟* تتعرض شخصيات الرواية هنا إلى تجارب وجودية مهمة تحاول أن تجد لها تفسيراً، وبما أن الموضوعات كبيرة، وذات بعد كوني فإنّ الالتجاء إلى بعض التجارب والخبرات الروحية من بلاد شتى قريبة او بعيدة عن الأردن تبدو خيارا معقولا، لا سيما أننا في الأردن نكاد لا نهتم بالروحانيات أو التصوف، فزوايا التصوف قليلة، والجماعات الباحثة في الروحانيات والباراسايكولوجي نشطت كثيرا في مصر والعراق في السبعينيات والستينيات وليس عندنا، وهناك خبرات كثيرة في التصوف في مدن مثل حلب، وهكذا فإن رحلة الشخصية الرئيسية الأردنية للمعرفة قادت إلى تشرب تجارب أخرى والتكامل معها، لكن التنوع في شخصيات الرواية واهتماماتها تجعلها تتحرك ضمن العديد من الأمكنة كما أشرت، وتبدو الجغرافيا الأردنية الغنية هنا بديلاً أو تعويضاً ما عن الخبرات الشخصية العميقة لأبنائها في الاتجاهات التي أشرت إليها.* في روايتك السابقة ‘باب الحيرة’ أدخلت القارئ أيضاً في أجواء غريبة فيها التاريخ والتصوف فهل الرواية الجديدة تعد امتداداً لها؟* يمكن القول بأنّ ‘باب الحيرة’ أوصلت القارئ بعد ولوجه 99 باباً من أبواب المعرفة إلى الحيرة، فلم تكن هناك إجابات شافية أو وافية تشفي غليل الشخصية الرئيسية الباحثة عن الحقيقة، وربما في ‘أبناء السماء’ مواصلة لتلك الأجواء لكن بشخصيات أخرى، وبتقنيات سردية ولغة مغايرة، والبعض قد يرى فيها حلاً ما أو طمأنينة يستند إليها، والبعض الآخر يرى العكس، أما التصوف والأجواء الغرائبية كما ترى فهي من ضمن موروثنا الفاعل في نسيجنا الحياتي، وثقافتنا التي تربينا عليها، لكننا نتجاهلها غالباً، ونضعها تحت خانة الخرافات، والتهميش بكل أسف، في حين نتقبل الواقعية السحرية القادمة من كتاب أميركا اللاتينية مثلاً، ونرحب بكتابات غيرنا في هذا الاتجاه في حين ننظر لكتاباتنا العربية بعين الشك!* وماذا عن البحث الذي قمت به من أجل وضع كل هذه المعارف في رواية؟* الجهد المبذول هنا هو حصيلة عشر سنوات على الأقل من رحلتي الروحية وقراءاتي ولقاءاتي مع العديد من المتخصصين والمعلمين الكبار، إضافة إلى تجاربي الشخصية، غير أن المسألة المهمة برأيي هنا هي أنني لأول مرة في كتاباتي الإبداعية أستفيق على وعي خطورة الكلمة، وأن للكلمات أرواحاً مثل البشر أو طاقات نورانية خاصة بها، وقد تحدث الشيخ الأكبر ابن عربي عن هذا الأمر كثيراً، ولهذا انتبهت إلى ضرورة أن تكون الكتابة ذات دور إيجابي في الحياة، وتساهم في نشر النور وسط العتمة، لا أن تضيف إلى الكون كآبات جديدة أو تنشر عوامل محبطة وسلبية، فالذي يزرع الشوك لا يحصد غير الشوك!
وبرأيي أن الرواية الجديدة لم تعد تعتمد على الحكاية فقط بل لا بد من أن تتضمن معارف مصاغة بطريقة سلسة وتضيف للقارىء شيئا جديداً، فالمعاني مرمية على قارعة الطرق كما قال الجاحظ، والمهم الاتيان بما هو جديد، والطريقة التي يتم تقديمه بها.* الأردن بلد التراث والتاريخ وحضارة الأنباط، فلماذا لم يعل صوت روائي أو أديب في الساحة الأدبية العربية مقارنة بأدباء دول عربية أخرى؟ * دائما يتم ظلم الدول الواقعة في الأطراف، لأسباب تتعلق بصالح المركز، ولفترة طويلة ظلت مصر ولبنان والعراق في صدارة المشهد الأدبي، لكن الحال تغيرت الآن، وأصبح هناك كتاب معروفون من دول المغرب العربي والخليج وبلاد الشام، يتم الانتباه لكتابتهم، وبالنسبة للأردن فقد ظهرت أسماء روائية مهمة مثل غالب هلسا، و مؤنس الرزاز، وتيسير سبول وهؤلاء جميعا عاجلهم الموت مبكرا، وهناك أسماء لافتة الآن في المشهد أيضا على المستوى الشعري والروائي، لكن لدينا مشكلة في صناعة النجوم من الأدباء للأسف، وتوزيع نتاجاتهم عربيا وترجمتهم أيضا الى اللغات الحية، وفي الدورات السابقة لجائزة البوكر مثلا كان هناك مرشحون من الأردن، إضافة إلى فوزهم بجوائز عربية مرموقة.* ما مدى استفادة الروائيين العرب برأيك من التراث العربي القديم؟* التراث العربي بحر زاخر، يحتاج إلى غواصين مهرة، وكما أن فيه الكثير من الكنوز فإنه يحتوي أيضا على الغث، فهو لا يتملك القداسة لأنه تراث، ولذلك فإن بعض الروائيين فقط دخلوا إلى هذا البحر واستخرجوا منه الكثير، ووظفوه بطريقتهم، لا بل إن بعضهم قد نسخه كما هو، أو نسج على منواله، والبعض الآخر خلص الى روحه، وهناك من الأدباء من يرفض التراث جملة وتفصيلا على أساس أنه من الماضي، ولا يفيد الحاضر، وأنه قد مات في مهده، وأنا أقول هنا بأن الشعوب التي لا تعرف ماضيها لا مستقبل لها، وأن علينا أن ندرس هذا التراث وننشره وننقده في الوقت نفسه.* أخيرا، بماذا تحلم كروائي؟* الكتابة بالنسبة لي رسالة سامية، لها دور كبير في إضفاء مسحة من الجمال على هذا العالم، ويجب أن لا يتم تحبير الأوراق وبثها على الناس بشكل مجاني، ولهذا فإنني آمل أن تصل رسالتي عبر هذه الرواية إلى العالم العربي أولا، وأن تتم ترجمتها أيضا إلى لغات أخرى، وأن أواصل الكتابة الروائية لمشاريع أخرى قادمة ان شاء الله.