ضُيوفُ الأُمَّة

حجم الخط
0

عبد اللطيف البوزيدي كانت تجلّيا ملائكيا للبراءة الخالصة التي لم تشُبْها قطُّ شُبْهةٌ أو تعكّرْ صفاءها تُهَمٌ أو ظنون، فقد كانت بالكاد في صيفها الخامس، مرحة ومفعمة بالحيوية، وكانت عيناها الزرقاوان زرقة تميل إلى الرمادي تشِعّان ذكاءً وتعكسان سعادةً تبدو حقيقية في أغلب الأحيان قبل أن ترتسم على محياها، بين الفينة والأخرى، نظرات تضفي على ملامحها الجرمانية مَسحة حزينة، تزيدها بريقا وجاذبية أفقدَت أحدَ أبناء العم يونس ريادته في جلب اهتمام الجميع، كما أفقدته رزانته التي تميزه عن إخوته وهو الذي لم يتجاوز السابعة من عمره. لاحظ أن ابنه كان مهتما بتلك الصبية حدّ الشغف طيلة الثلاثة أيام التي قضتها أسرته العربية ‘النامية’ لدى أصهاره الأمازيغ، فسرَّه كثيرا أن يتجاوز ابنه مشكلته النفسية الطارئة ويبدو سعيدا لأول مرة منذ ولادة أخيه قبل بضعة أشهر.

والحق أن أسرة العم يونس العربيةَ حظيت دائما بمعاملة متميزة من الأصهار الأمازيغ ولم تكن من جهتها تتأخر في مشاطرتهم مشاعر الودّ تلك، فقد اعتبرهم العم يونس دائما، حتى قبل أن يصاهرهم، إخوانه في الدين والوطن، وزاد من حبهم واحترامهم لديه أن معظم الأمازيغيين المغاربة لم يتأثروا بحملات تغرير متصاعدة ما فتئت تقودها عصابات ‘ناشطين جدا’ تحولوا من التهريب وتجارة المخدّرات إلى التجارة في الدعوة العلنية إلى التطبيع مع إسرائيل ‘البلطجية’ المغتصِبة الظالمة، والولاء لإسبانيا التي لا تقل عن الكيان الصهيوني ‘بلطجة’ واغتصابا وظلما. لقد ساء العمَّ يونسَ كثيرا ما تسعى إليه تلك الشرذمة الضالة من المغاربة، أمازيغيين وعربا، جمعويين وفناني رصيف وشبه حكوميين وأقرباء وزراء ونافذين، وهالَهُ سعيهم الدؤوب إلى تجميل وجه الاحتلال الإسباني القبيح ووجه الصهيونية الأكثر قبحاً، ضدا عن رغبة وتطلعات وإجماع المغاربة قيادة وشعبا، فقد كان لفترة طويلة يظن أنهم يفعلون ذلك من أجل جلب انتباه الغرب إليهم، أملا في لعب دور مستقبلي محتمل كسلطة بديلة عن النظام في حال ما إذا صار مغضوبا عليه غربيا، على غرار جهوزية عرائس الدبابات بالعراق الذين وجدتهم أمريكا في خدمتها حتى قبل سقوط نظام الشهيد صدام حسين، لكن دهشة العم يونس وحسرته كانتا أكبر عندما تسرب خبر رصد إسرائيل مليارات الدولارات للترويج للتطبيع وتمويل ‘الدعاة إليه’ المحليين بالدول العربية. أخيرا اتضح كل شيء، إنه المال وبريقه الذي يجيد الصهاينة استعماله لتسخير أوضَعِ وأخس العرب كعملاء وجواسيس يسهلون عليها اختراق الوطن العربي وفرض التطبيع على شعوبه تمهيدا لإتمام تصفية القضية الفلسطينية على مَهَلٍ انطلاقا من المفاوضات العبثية الحالية، عملاء وجواسيس ثبت تجنيدهم وتسخيرهم بلبنان ويأمل بل ويتوقع العم يونس أن يُكشفوا بإذن الواحد الأحد إن وُجدوا بالمغرب أو بكافة الدول العربية. عاد التفكير في الأجانب به إلى موضوع الصبية ذات الملامح الجرمانية، لا شك أنها في وضعية اجتماعية لا تحسد عليها، فهي من أم مغربية أمازيغية وأب هولندي مسيحي من أصل تركي، وهي الآن في ضيافة جدها الأمازيغي الذي يستضيف أيضا ابنته وزوجها وأبناءها العرب، لقد ظلت المسكينة طيلة أيام وكأنها تحضر اجتماعا لا ينتهي للجمعية العامة للأمم المتحدة حيث لا أحد يفهم أحدا بدون وساطة تُرجُمانٍ، وكثيرا ما رددت بالهولندية نفس الجملة مرات ومرات إلى أن يحفظها الجميع دون أن يفهمها أحد، فتدخل في نوبة ضحك هستيري أشبه بالبكاء، تنقذ الموقف وترفع الحرج لكنها تفضح مشاعر إحباط تغالِبُه ويأس تُقاومه. استهوى العمَّ يونسَ موضوعُ الصبية الهولندية، وحرّكت فيه خصوصيةُ حالتِها الاجتماعية مشاعرَ إنسانيةً عميقة رغم أنه لم يكن يحب الهولنديين على الإطلاق، فهم بالنسبة إليه على قِلّتهم وتواضع شأنهم بين أمم الغرب، معظمهم داعمون لامشروطون للصهاينة، وكارهون للمسلمين ومشاركون في غزوهم وقتلهم وترويع وتيتيم وتشريد عوائلهم وأطفالهم بغير ذنب جنَوه، فما الذي يرغمه على الاهتمام بالمعاناة النفسية لصَبيّة منهم ‘لا ودِّت ولا جابت’ وهم فوق كل هذا وذاك مسيئون دائمون إلى الرسول الكريم (ص) بأسلوب شيطاني’فانغوخي – فيلدرزي’ خسيس؟ ولماذا أيقظ موضوع تلك الصبية لديه الرغبة الجامحة في الكتابة التي ابتلي بها على كِبَرٍ؟ أهي خصوصية الإسلام الذي يدعو إلى دفع الشر بالخير إلى أن يدْمَغَه؟ أهو نفس ردّ الفعل ‘الإسلامي’ الذي أوحى إليه أنّ أنسب ردّ على القس ‘مجنونس’ الذي عزم على إحراق المصحف الشريف، هو تنظيم حملة إسلامية عالمية لتكريم المسيح عيسى عليه السلام وتنزيهه وتنزيه المسيحيين الأسوياء عن أفعال وجرائم أمثال ذلك المعتوه بشهادة الجميع بمن فيهم ابنته؟ كان العم يونس يعلم أنه لا يمكن لمفكّرٍ أو كاتب أن يتحاشى تكسّر حبل الكتابة أو انطفاء شمعتها، وهو يلغي من مواضيع كتاباته شأنه اليومي أو شأن محيطه القريب والمباشر، ولو على سبيل استلهام الأعم من الأخصّ، ليستفيد من كمّ المشاعر الهائل التي تفيضها وتحرّكها بعض الأحداث اليومية على بساطتها، أملا في استدامة جدوة القدرة على البوْح وسبر أغوار الحقائق والاستزادة من الإبداع، كما أنّ الأحداث الكونية أو الجهوية أو الوطنية على كثرتها وتشعّبها لا تكفي وحدها لاستجلاء الحقائق واستخلاص العبر والقواعد العامة ما لم ترافقها دراسات تشرّح تفاصيل ودقائق أوضاع ومشاكل الجنس البشري في أبعادها الأنثروبولوجية والعرقية والدينية والمذهبية وغيرها، لذلك اعتقد العمُّ يونسُ دائما أنّ على الكتاب والمفكرين أن يُولوا بعضَ تفاصيل حياة البشر أهمية أكبر وأن يلتفتوا إلى أوضاع الفرد والأسرة باعتبار هذه الأخيرة الخلية الأساسية لأي مجتمع إنساني، ولذلك قرّر أن يخصص جزءا من كتاباته مستقبلا لمن أسماهم ‘ضيوف الأمة’ أو بعبارة أخرى أرادها أدقّ ‘ضيوف الأمتين العربية والإسلامية’، وهم دينيا معتنقو الإسلام الجدد، وعرقيا الأشخاص (وخصوصا الأطفال منهم) من أمهات غير عربيات أو من أمهات عربيات وآباء غير عرب، أو حتى الأشخاص من آباء مسيحيين أو يهود على اعتبار أن العديد من العربيات المسلمات صرن لا يتورعن عن الزواج بغير المسلمين ولا يتهيّبن منه، في أحسن الأحوال مقابل وعد من أزواجهم باعتناق الإسلام.

بذل العم يونس أقصى ما يستطيع لمساعدة الصبية الهولندية من أم مغربية، على الأقل خلال الأيام الثلاثة التي قضاها في ضيافة أصهاره، فهي قبل وبعد كل شيء ابنة خالة أبنائه، فكان يحث الصغار على مشاركتها اللعب ويثير انتباه الكبار وضمنهم أمها إلى خصوصية وضعيتها ويشرح لهم بعضا من أسباب معاناتها في محيطها الجديد المؤقت، خصوصا في غياب والدها الذي لم يتمكن من مرافقتها وأمَّها إلى المغرب، والذي كان يمكن أن يخفف عنها عزلتها ويساعدها بمعية أمها على التواصل مع أهلها من الأمازيغيين والعرب. لكنه كان يدرك أن مساعدة أمثال تلك الصبية من ‘ضيوف الأمة’ ليست في متناول أيٍّ كان ولا حتى شأن أفراد بقدر ما هي شأن مؤسسات وأنظمة، كما أنها شأن دولي يتعين الانكباب عليه وعلى ما شابهه من مشاكل البشر بالأمم المتحدة ذاتها عوض اكتفائها بلعب دور النادل الخاص للقوى المهيمنة، لأن مســاعدة ‘ضـــيوف الأمم’ تقتضي معالجة شمولية وحلولا جذرية وأخرى استباقية، كما تتطلب مقاربة تجمع بين النفسي والاجتماعي واللغوي والقانوني… ذكَر العمَّ يونسَ استحضارُ ‘المقاربة التشريعية’ بالقانون الذي سنّه المشرِّعُ المغربي مؤخرا، أي بعد ولادة الصبية الهولندية بسنوات، والقاضي بمنح الجنسية المغربية لأبناء المغربيات المتزوجات من أجانب، فخاطب نفسه: ‘ليت باقي الدول العربية تحذو حذو المغرب في هذا المجال، مع أنه أضعف الإيمان’. ثم تدارك: ‘ولكن، لِمَ نسعى نحن العرب دائما إلى أضعف الإيمان؟ وهل من ساع من قادتنا يوما ما إلى أوسطِ الإيمان أو أقواهُ’؟’ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية