بين بابا الفاتيكان و’بابا كيم’ في كوريا: تأملات في الحالة الإنسانية

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي(1) خلال الأسبوع الماضي أكمل البابا بندكت السادس عشر زيارة هي أول زيارة رسمية للحبر الأعظم استضافته فيها الملكة وريثة هنري الثامن الذي تمرد على الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر. (كان البابا السابق زار بريطانيا زيارة غير رسمية قبل حوالي ثلاثة عقود). ولا شك أن مجرد تفكير البابا في مثل هذه الزيارة يرمز إلى التحول الكبير في علاقة الكنيستين بعد تاريخ عاصف. (2)تجلت رمزية الزيارة في أعلى صورها في جانبين من برنامج الزيارة، الأولى في الاجتماع الذي خاطبه البابا في قاعة وستنمستر في البرلمان البريطاني، وهي نفس القاعة التي حكم فيها توماس مور بالإعدام لرفضه قبول قرار البرلمان البريطاني تسمية هنري الثامن رئيساً لكنيسة انكلترا، وإصراره على الولاء للبابا. أما الواقعة الأخرى فكانت طقوس تطويب الكاردينال نيومان، أحد أبرز قساوسة الكنيسة الأنجليكانية الذي تحول إلى الكاثوليكية في نهايات القرن التاسع عشر، وأصبح رمزاً من رموزها وعلماً من أعلامها. وهو بهذا التطويب في يوشك أن يتوج قديساً من قديسي الكنيسة على خطى توماس مور.(3)في ظل الخلاف التاريخي بين الكنيستين، كان من الممكن اعتبار استضافة البابا في قاعة محاكمة رجل أعدم لولائه للفاتيكان، وقيامه هو بإعلاء شأن قس بروتستانتي ‘مرتد’، استفزازاً متبادلاً ونكأً للجروح، خاصة في ظل احتداد التنافس بين الطرفين بعد أن عرض البابا ضم القساوسة الرافضين لتعيين قساوسة من النساء إلى الكنيسة الكاثوليكية. ولكن زيارة البابا لبريطانيا كانت زيارة عاصفة لأسباب لا علاقة لها بهذه الخلافات التاريخية أو الحادثة.(4)العاصفة حول زيارة البابا أثارتها ثلاث جهات: المحتجون على موقف الكنيسة من تحرش قساوستها بالأطفال وتسترها على أفعالهم لعقود، والعلمانيون والإلحاديون الذين هاجمهم البابا في خطبه، وأخيراً الناشطون الناقمون على مواقف الفاتيكان من الحرية الجنسية وأساليب منع الحمل.(5)إذا كانت لهذه التحولات دلالة فإنها تشير إلى تراجع العامل الديني في الحياة الغربية، وهو تحديداً ما كان يشكو منه البابا. فالخلافات الدينية غابت عن السجال العلني الذي صاحب الزيارة، بينما كانت النقمة الأكبر على البابا وكنيسته تستند إلى تنكر الكنيسة لقيمها الدينية أكثر منها لتمسكها بها (كما في حالة التحرش بالأطفال).(6)أن تثور هذه العاصفة حول البابا خلال زيارته لبريطانيا لها رمزية أخرى حول مركزيات العالم وهوامشه. فالبابا موجود في قلب أوروبا، ويقوم باستمرار بزيارات رسمية وغير رسمية لشتى بقاع العالم، فلماذا تثور كل هذه الضجة فقط حين يزور بريطانيا؟ والإجابة تتلخص في كلمة واحدة: الإعلام! فبريطانيا تأتي بعد أمريكا مباشرة باعتبارها عاصمة العالم الإعلامية، فكأن البابا حين زارها خرج من معتكفه الفاتيكاني على العالم. بل إن زيارته الحالية لبريطانيا فاقت في تغطيتها وما أثارته من صخب ما أثارته زيارته السابقة لأمريكا، واضطر هنا لتقديم أكثر من اعتذار علني عن فضائح التحرش بالأطفال، رغم ندرة هذه الحالات في بريطانيا في مقابل ما حدث في أمريكا وأيرلندا.(7)كان ممن تولى كبر الضجة ضد البابا كما أسلفنا طائفة من العلمانيين والإلحاديين، طالب بعضهم باعتقاله بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ورأى آخرون فيه رمزية لدور الدين السالب في الحياة العامة. ولكن هذا الأسبوع نقل لنا الأخبار من بلد آخر، أبعد ما تكون عن الدين، إلا وهي كوريا الشمالية الشيوعية العقيدة. وبحسب هذه الأنباء، فإن هذا البلد الشيوعي الإلحادي يعتزم عقد مؤتمر نادر للحزب الشيوعي الحاكم يتوج فيه الابن الأصغر لرئيسه الحالي (الذي ورث بدوره الحكم عن أبيه ‘الزعيم المحترم المحبوب’) كيم جونغ إيل وريثاً للسلطة.(8)إذا أردنا أن نلخص إذن الحالة الإنسانية في عصرنا الحاضر فإنه يمكن أن نقول باختصار إن مصيبة الإنسان هي الإنسان، متديناً كان أم ملحداً. وأكبر هذه المصائب تأتي من تناقض الأقوال والأفعال. فنحن تجاه الكنيسة الكاثوليكية أمام مؤسسة تزعم أن قساوستها يتورعون عما أحل الله من علاقات إنسانية، ولكن الفضيحة الحالية تتعلق بارتكاب ما حرمته كل شرائع الأرض والسماء من عدوان على الأطفال الأبرياء. أما الزملاء في كوريا الشمالية فهم يتشدقون بأيديولوجية تنادي بتحرير الإنسان من العبودية الخفية لطبقة أصحاب المال، ولا تقنع بما تمنحه الديمقراطية الليبرالية من حرية يرونها شكلية، ولكنها تنتهي باستبعاد الأمة كلها لأهواء شخص واحد وبطانته الفاسدة، بحيث تتوارث هذه الفئة الأمة صاغراً عن صاغر.(9)العبرة ليست فقط بوجود الطغاة والفاسدين، ولكن بقابلية البشر للاستعباد والانسياق وراء كل ناعق. فكم من مفكر ناقد بصير يدافع عن الأيديولوجيات التي تستعبد الناس، بل ويروج لها على أنها قمة التحرر، وكم من ملايين العقلاء يعتقدون بعصمة انسان خطاء يتبعونه ويتأولون أخطاءه وكبائره. فليس هناك مستبعد إلا وهو مساهم بقدر ما في المصيبة التي حلت به. ولسبب ما فإن الكتب السماوية حفلت بالهجوم على ‘رجال الدين’ بقدر ما هاجمت منكريه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية