ناجي ظاهر
يعبق اريجها في فضاء ليلي، اكثر من خمسة اعوام، مضت كأنما هي خمسة قرون، لم ارها فيها ولو مرة واحدة. يومها قررت ان تبعدني عنها دون سبب يذكر. ساعدها في جنونها هذا، الاتكاء على قانون جائر*، كان بإمكانه الحكم عليّ قبل الاستماع الى ما لديّ من ذرائع توضيحية، وان يبعدني بالتالي عن بيتي وعمن احببت فيه، حتى دون ان يسأل عما اذا كان من اراد بعدي هو ذاته قريبا من نفسه ويعرف ما يريد بتفهم ودِقة، ام انه يمارس جنونا مكنه منه ظرف قانوني غريب!! شعور غامر يهتف بي ان اللعبة لما تنته بعد، وان تلك المدة الزمنية الفاصلة بيننا، ما هي الا ليل عشته من اعماقي الى اعماقي، خلال زمن مديد لا اكاد ادركه، واننا، انا وهي، انما نعود لمواصلة حلم انبتت اواصره للتو، وللتو عاد للالتئام والاتصال، متغنيا بزمان الوصل في الاندلس*. افهم هذا من تعمدها ان يلمس نهدها صدري ليشعل نارا، طالما حاولت اخمادها في سنوات البعد، لكن دون جدوى، يزيد في فهمي هذا تغنج اتقنت معايشته وعرف طريقه الى متاهاتي الخفية في عالم اللاوعي.
انظر الى فمها اراها تـُسرّب الكلمات من بين اسنانها المصفرة المغروسة في لثتها مثل اعمدة وحيدة في خلاء بعيد، تهمس في اذني قائلة:- ألا تريد ان تعود للبيت؟
فأبتسم وامضي الى جانبها. اقول غامزا لها بعيني:- أعود للبيت؟ بالطبع سأعود، شوقي اليه لا يوصف.
خلال سيرنا تستوقفني وترسل نظرة سريعة الى اسناني، اسناني انا ايضا لا تكاد تختلف عن اسنانها، ألسنا من دهر واحد؟ اشعر بما ستقوله عن اسنانها قبل ان تقوله، هي هكذا كانت وهكذا ستبقى، قبل ان تتقدم بطلبها تحاول ان تكون عادلة، الا انها سرعان ما تتراجع منطوية على ذاتها ومتحددة فيها، تقول بدلع نسوان، وهي تحاول اخفاء اسنانها، انها قامت منذ فترة بزيارة طبيب الاسنان، فاقترح عليها قلع كل اسنانها وزرع بديل آخر لها. تضيف بعد لحظة صمت ‘هذه العملية تتطلب نحو الثلاثين الف شاقل، ترى هل يمكنني ان اطلب من الطبيب تنفيذها في يوم ما؟’. أبقى صامتا ازاء طلبها المضمر، أرسل يدي الى فمي محاولا اخفاء اسناني الخربة، احاول ان ألعب لعبتها ذاتها، تلتقط الرسالة بسرعة غير متوقعة كعادتها منذ جمعنا الله، تنتابني حالة من الحيرة، انا لا اريد ان ابتعد عنها وعن البيت خمسة اعوام اخرى، ثم كم خمسات من الاعوام بقي لي في هذه الحياة، وما تدري نفس بأي ارض تموت*. تأتيني من زاوية اخرى طالما اتقنت الدخول منها لتحقق مأربها، تقول:- ألا ترى أنني كبرت قليلا؟
احاول ان اقول لها انني انا ايضا كبرت قليلا، وان الكبر هو قدر كل انسان، سواء كان رجلا او امرأة، الا انني ابقي ما اريد قوله في سري.
تعود الى مناكدتها لي، تهمس في اذني:- انت من بدأ الملالة*، كان عليك ان تحترم وجودي الى جانبك والا تلعب بذيلك كما يفعل القط اليهودي.
قبل ان اؤكد لها للمرة الخامسة بعد المليون انها انما تبني افكارها على تخيلات وأوهام فرضتها الاجواء الطارئة الغريبة في البلاد، وانني لن ارفض لها طلبا ابتداءً من اليوم، يوم العودة الى البيت، حتى لو كلفتني الاستجابة لطلبها العودة الى سجن’ ابناء العمومة’ من احفاد يتسحق.
قبل هذا كله تبتعد عني.. لتستوقف بلمحة عين، سيارة فورد ترانزيت تعبر من الشارع المحاذي لنا، تجري مرخية شعرها مع هوائه. تدخل الى السيارة وسط انشداهي وحيرتي. ترى هل ستذهب في السيارة وتولي قبل ان اخبرها انني موافق على طلبها اعادة الحياة الى بيتها والى فمها. سرعان ما يأتي الجواب. أرى سائق الترانزيت يعد الطعام لشخصين اثنين، اعتقد انهما هي وانا، من اين عرفت ابنة الحرام انني جائع؟ اهكذا يفعل الغياب في الناس، ايجعلهم اكثر رقة وتفهما؟ ارتاح لفكرة طلبها للطعام، هي لم تسقطني من حسابها هذه المرة، الحمد لله. من صميم قلقي اراها تغيب في زاوية غير ظاهرة في الترانزيت. تغيب للحظات اطول من قرون، تعود اليّ بعدها خالية الوفاض، ترتب شعرها بعد تشوش باد ٍ، تفعل هذا متعمدة ان تلامس اطراف شعرها مسامات وجهي العطش الصديّ مثل صحراء العرب، اسألها بغضب مفتعل يتداخل فيه ليلي بغنجها ودلالها، اسألها عما فعلته خلال غيبتها المديدة في الترانزيت، فترد: مثلما فعلت انت في غيبتك المديدة. وتجري، فأجري في صحرائي وراءها، كما جرى امرؤ القيس وراء ليله*.. ليدركه.. لكن دون ان يكون له ما اراده.’ كاتب من فلسطين* لقب الشاعر الجاهلي البارز امرئ القيس.* اشارة الى قول للشاعر الاندلسي ابن زيدون، ورد في قصيدة ‘اضحى التنائي عن تدانينا / وناب عن طيب لقيانا تجافينا، حين يقول: جادك الغيث اذا الغيث همى يا زمان الوصل في الاندلسلم يـكـن وصـلك الا حـلما في الكرى او خلسة المختلس.* قانون حماية المرأة المعمول به في اسرائيل منذ عام 1987.* وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأيّ ارض تموت- قرآن كريم.* إشارة إلى قول الشاعر الجاهلي امرئ القيس، في بيته الشعري المشهور: فإنك كالليل الذي هو مدركي / وإن خلت أن المنتأى عنك واسع.* من اغنية ام كلثوم ‘قصة الأمس’ – شعر أحمد فتحي، الاشارة الى: أنا لن أعود إليك مهما اسْتَرْحَمَتْ دقات قلبي أنت الذي بدأ الملالة والصدود وخان حبي فإذا دعوت اليوم قلبي للتصافي لن يلبي.