اندرو ستروهلين الاصلاح الامني في الضفة الغربية يعد من اهم انجازات السلطة الوطنية في رام الله ولكنه ايضا من اخطر نقاط ضعفها في آن واحد. التدمير الذي لحق بالسلطة واجهزتها الامنية خلال انتفاضة الاقصى اطاح بقدرة الفلسطينيين على مباشرة شؤون الحكم ولم يتم احتواء الفوضى والفلتان الامني الا بعد تعيين سلام فياض رئيسا للوزراء في عام 2007. من هذه الزاوية وجدت خطته الامنية القبول لدى معظم الفلسطينيين. ولكن على الجانب الاخر يبدو ان النظام العام الذي توفره الاجهزة الامنية في السلطة الوطنية الفلسطينية له نكهة خاصة، حيث ان حماس والفصائل الاسلامية الاخرى ليس لها دور فيه، ونقد سياسات الحكومة يواجه بقيود حادة بينما يظل المواطن الفلسطيني عاجزا عن مواجهة الجيش الاسرائيلي من جهة وتعديات المستوطنين من الجهة الاخرى. بالطبع يمكن معالجة بعض نقاط الضعف في اداء الاجهزة الامنية هنا وهناك ولكن تبقى الحقيقة والمعضلة الاكبر وهي انه بدون تقدم حقيقي وملموس نحو انهاء الاحتلال والسمو فوق الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية فان شرعية السلطة الوطنية، التي هي ضعيفة في الاساس سوف تتآكل وبمرور الوقت سينفد صبر الناس وبالتالي سيصبح من العسير المحافظة على استمرارية عملية الاصلاح. لقد استطاعت السلطة الوطنية في الاعوام القليلة الماضية ان تستعيد النظام وتوفر الى حد كبير الاحساس بالامن الفردي في الضفة الغربية، وهو امر كان صعبا تصوره خلال الانتفاضة وحالة الفوضى والفلتان الامني التي اعقبتها. وتمكنت السلطة في الوقت نفسه من استرداد احتكار مركز الحكم في رام الله لاستخدام السلاح ـ الفلسطيني على الاقل ـ وذلك من خلال مصادرة اسلحة الميليشيات وتهميش العشـــائرية، وهو ما يعد حجر الزاوية في اجندة سلام فياض لبناء الدولة وهدفها الاساسي. ان الاصلاح الامني يعتمد على اصلاحات هيكلية مهمة يجب التنويه اليها، مثل القدرة على تقليل العمالة الزائدة واعطاء المزيد من الدعم للرقابة المدنية على اداء الاجهزة الامنية التي استطاعت من خلال حرفيتها ان تكسب المؤسسة العسكرية الاسرائيلية الى صفها، على الرغم من استمرار الاخيرة في شكوكها حول النوايا الحقيقية للاجهزة الامنية الفلسطينية، وتضمن مساندة الولايات المتحدة واوروبا لها. ولكن في المقابل ادت هذه المساندة، وتصدرها من قبل شخص مثل المنسق الامني الامريكي الجنرال كيث دايتون الى اثارة الاتهام، بالذات من قبل حركة حماس واخرين من داخل حركة فتح نفسها، بان اجندة السلطة الوطنية الامنية هي بالاساس اجندة خارجية. هذا الاتهام الى جانب مظاهر اخرى من عدم الرضا على السلطة الوطنية لا ينبع فقط من وجود هذا او ذاك الجنرال الامريكي وانما يبدو ان مصدره عوامل اكثر تعقيدا اولها التنسيق الامني الاسرائيلي الفلسطيني. هذا التنسيق الذي التزم به الفلسطينيون منذ البدء في اتفاقاتهم مع الجانب الاسرائيلي، اي انه ليس من ابتكار الحكومة الحالية، على الرغم من انه يمكن القول انه وصل الى ذروته في عهدها، ولكن مع الاخذ في الاعتبار ان الاجهزة الامنية لا تزال تعمل تحت معوقات شديدة تفرضها عليها اسرائيل، مما يجعلها غير قادرة على حماية المواطنين من عنف المستوطنين ويوجب عليها ترك الميدان خاليا اثناء الاقتحامات الاسرائيلية المتكررة لمدن الضفة الغربية. ان المشكلة هنا تتعدى الاجهزة الامنية حيث ان الفلسطينيين بوجه عام يشعرون بالسخط والغضب وهم يرون تعاون حكومتهم الوثيق مع محتليهم في اي مجال. ترد رام الله على لسان حال سلام فياض بان عمل الحكومة جنبا الى جنب مع اسرائيل يُمكن الفلسطينيين من كسب ثقة المجتمع الدولي وتفنيد اعتراضات اسرائيل على فكرة اقامة الدولة بما يساعد بقدر كبير على تمهيد الطريق نحو الاستقلال، قد يكون هذا صحيحا ولكنه يصبح رأيا اكثر اقناعا لو انه توجد بين يدينا عملية سلمية تبشر بأي نجاح، وهو امر لا ينطبق على المفاوضات المباشرة الحالية كما يراها معظم الفلسطينيين. العامل الثاني الذي يؤدي الى عدم الرضا عن السلطة الوطنية بوجه عام وعن اجهزتها الامنية بوجه خاص، هو سلوك تلك الاجهزة الذي يثير العديد من التساؤلات حول مدى التزام حكومة رام الله بمبدأ التعددية السياسية في ظل الحملة غير المسبوقة ضد حركة حماس تحديدا، وكذلك القيود التي تفرضها احيانا على عناصر المعارضة الاخرى وطنية كانت ام اسلامية. بعد استيلاء حماس على غزة عام 2007 ساد اعتقاد في رام الله ان التضييق على حركة المقاومة الاسلامية في الضفة الغربية ضروري للاحتفاظ بالسلطة الوطنية هناك. الان وبعد مضي ثلاث سنوات تظل حماس الهدف الاول لدى اجهزة السلطة الامنية، على الرغم من ان قدرتها العسكرية في الضفة تم تحييدها الى حد كبير. قد يكون التزام حماس بالمقاومة المسلحة ومعارضة السلطة لها، حاليا على الاقل، من احد اسباب توسيع دائرة القمع عليها لتشمل ليس فقط جناحها العسكري، بل ايضا انشطتها السياسية والاجتماعية الاخرى. والى جانب هذا طالت يد الحكومة الثقيلة قطاعا عريضا من المعارضة التي لا تتعاطف ولا تتقاطع مع اجندة حماس الاسلامية بما يسيء الى السلطة ويطعن في وطنيتها ويدمر فرص المصالحة ويؤدي الى التساؤل من قبل محللين فلسطينيين ودوليين حول طبيعة الدولة والمجتمع اللذين يجري بناؤهما الان في رام الله وفي انحاء الضفة الغربية. هناك العديد من الاجراءات التي يمكن اتخاذها لتصحيح الاوضاع على المدى القصير فمثلا يتعين على اسرائيل ان تسمح للاجهزة الامنية ان تعمل بشكل اوسع في الضفة الغربية وان تحد من اقتحاماتها لمدنها وان تتخذ مواقف اكثر صرامة ضد عنف المستوطنين. ومن ناحيتها يجب على السلطة الوطنية ان تعمق احترامها لحقوق الانسان ولمعارضيها وان تسمح لحماس ان تــمارس نشاطها كحزب سياسي وان تمتنع عن اغلاق منظماتها المدنية. واما الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي فعليهما ان يصمما على احترام مبادئ حقوق الانسان من قبل اسرائيل والسلطة الوطنية على حد سواء ويضمنا ان عملية الاصلاح القضائي تلحــــق بالاصلاح الامني من اجل توفير درجة ارفع من الحماية للحريات الخاصة والعامة.
هذه الاجراءات بالطبع لن تحل المعضلات الجوهرية التي تجابه عملية الاصلاح الامني في الضفة الغربية والسلطة الوطنية بشكل عام، بل يمكن القول انه في الوقت الحالي قد يراها العديد من الفلسطينيين وكأنها تهدف الى تجميل وجه الاحتلال وليس انهاءه والالتفاف حول حقيقة تعاون الاجهزة الامنية مع هؤلاء الذين يجب على تلك الاجهزة ان تقاومهم. بدون عملية سلام ذات مصداقية وعملية مصالحة فلسطينية داخلية حقيقية سيظل الفلسطينيون منهمكون في محاولاتهم اليائسة لتكعيب الدائرة: محاولة بناء دولة تحت الاحتلال، محاولة تعميق التعاون مع المحتل في المجال الامني ومقاومته في المجالات الاخرى ومحاولة الوصول الى السلام مع عدوهم التاريخي بينما هم غير قادرين على تحقيق السلام بين بعضهم البعض.’ مدير العلاقات في مجموعة الازمات الدولية