نصر شمالي
الكيان الإسرائيلي كيان محارب، يتنفس ويعيش في أجواء الحرب، ويختنق ويموت في أجواء السلام. وهو سيواصل حروبه ضد العرب (وضد المسلمين والأفارقة والآسيويين عموماً) سواء ألقى العرب أسلحتهم، وأعلنوا قبولهم الاستسلام (لا السلام) أم واصلوا المقاومة المسلحة. واليوم ينبغي تذكر ذلك، والتأكيد عليه، بينما نحن نعيش ما يحدث في فلسطين ولبنان والعراق من تحضيرات، حيث الاستعدادات الأمريكية/الأطلسية/الإسرائيلية لجولة حربية جديدة، وحيث استغلال الاختراقات في صفوف العرب لتضليلهم وإنهاكهم، ولضمان عزل مقاومتهم وانهيارها في الجولة الحربية القادمة.
لقد عبر موشي دايان عن هذه الحقيقة الثابتة (حقيقة الكيان الإسرائيلي المحارب في ركاب الأطلسي) منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، أي منذ البدايات. قال دايان حينئذ: في الحقيقة، نحن لا نواجه أي خطر من القوة العسكرية العربية (النظامية) ولكن، من ناحية أخرى، فإن أعمالنا الانتقامية هي سائلنا اللمفاوي. إننا من دون ممارسة هذه الأعمال (الإرهابية الحربية) سوف نتوقف عن كوننا شعباً محارباً، وقد يترك المستوطنون المستوطنات. يجب أن نخبر المستوطنين أن الولايات المتحدة وبريطانيا ترغبان في أخذ النقب منا. من الضروري إقناع شعبنا أننا في خطر’ (أنظر كتاب ‘الإرهاب الإسرائيلي’ ـ دراسة ليوميات موشي شاريت ـ إعداد ليفيا روكاش). وهكذا يبدو واضحاً، من أقوال دايان وجميع من سبقه وعايشه وتلاه، أن الإسرائيليين، ومن خلفهم الأمريكيون خصوصاً، والأطلسيون عموماً، لا يترددون في افتعال ما يؤكد وجود الخطر عندما لا يكون موجوداً، وذلك كي يمارسوا ما أطلق عليه دايان صفة ‘العمليات الانتقامية’، التي هي سائلهم اللمفاوي الحيوي حسب اعترافه، وبالتالي فإن الوظيفة التي أقيم الكيان الإسرائيلي من أجلها، والتي تبرر وجوده وتجعله ضرورياً، هي خوض حرب مفتوحة على اللانهاية. إن بذور الجولة الحربية القادمة تزرع على الفور في نتائج الجولة الحربية المنتهية، قبل أن يتوقف إطلاق النار، بغض النظر عما إذا كانت النتائج قد حققت الأهداف المطلوبة أم لم تحققها، وهو ما يتكرر منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا.
في معرض فبركة الأسباب التي تغطي عملياتهم الحربية القادمة يتذرع الأمريكيون والإسرائيليون (ومن يجاريهم من الحكام العرب وجماعاتهم) بالخطر الإمبراطوري الفارسي إنها الذريعة ذاتها، طبق الأصل، التي استخدمت ضد الخطر الإمبراطوري المصري (الفرعوني!) في الخمسينيات، والتي قبلها ‘عقلاء’ العرب حينئذ، وأخذوها على محمل الجد، وعملوا على أساسها! فليس مهماً أن يتوفر سبب حقيقي مقنع لشن الحرب أو لا يتوفر، والتلفيقات جاهزة في جميع الأزمنة والأمكنة، والذين سيقبلونها من العرب، ويأخذونها على محمل الجد ويعملون على أساسها، ضد مصر أو ضد إيران، وضد حزب البعث أو الحزب الشيوعي أو حزب الله أو حركة حماس لا فرق، لا يزالون على عهدهم، بل أشد من ذي قبل بعد صمود المقاومة في مواقعها ودحرها للهجمات الإسرائيلية في لبنان وفلسطين. لقد كان معروفاً تماماً لقادة الكيان الصهيوني، في منتصف الخمسينيات الماضية، أن نظام عبد الناصر في مصر لم يكن يشكل بعد أي تهديد للوجود الإسرائيلي، ومع ذلك حاول ديفيد بن غوريون في اجتماع وزاري (إسرائيلي) بتاريخ 29/7/1955 أن يثبت أن مصر تطمح إلى السيطرة على أفريقيا كلها، حتى على جنوب أفريقيا، حيث سيقوم السود يوماً بذبح البيض، ثم يخضعون أنفسهم للسلطة المصرية الإمبراطورية! هذا ما جاء في يوميات موشي شاريت. ويقول شاريت أن واشنطن هي من كان يقف وراء عنف واتقاد موقف بن غوريون الداعي إلى شن الحرب ضد مصر (بسبب صفقة الأسلحة التشيكية تحديداً). كانت الحكومة الامريكية مرتبكة أشد الارتباك في تعاملها مع القيادة الثورية المصرية، خاصة بعد صفقة الأسلحة التشيكية. وقد أرسلت وكالة المخابرات المركزية برقية إلى الإسرائيليين، وقعها المدعو كرميت روزفلت، جاء فيها: ‘إننا مندهشون لصمتكم’! وكانت ترجمة ذلك هي: إذا كنتم ستضربون مصر حين تصلها الأسلحة السوفييتية فلن يحتج أحد! وبالفعل أعلن بن غوريون أمام اجتماع وزاري قائلاً: إذا حصلوا على طائرات ميغ فسوف ندمرها، وباستطاعتنا فعل ذلك.
لقد استنتج رئيس الاستخبارات الإسرائيلية عزرا هاريل من برقية الاستخبارات الامريكية ما يلي: البرقية تقول لنا ان يدنا مطلقة، وان الرب سيباركنا إذا تصرفنا بجرأة، وان الولايات المتحدة معنية بالإطاحة بنظام عبد الناصر، لكنها لا تستطيع الآن استخدام الأساليب التي استخدمتها للإطاحة بحكومة مصدق في إيران (عام 1953) وهي تفضل أن تقوم ‘إسرائيل’ بعملها كلياً! وبعد سنة بالضبط احتلت القوات الإسرائيلية قطاع غزة، وسيناء، ومضائق تيران، وانتشرت على طول شاطئ قناة السويس، تتابع القاذفات الجوية البريطانية والفرنسية وهي تقصف المدن المصرية الساحلية.
في لحظة الهجوم الثلاثي تلك ضد مصر (عام 1956) تظاهرت واشنطن بالدهشة وبالسخط، لكنها ميزت بوضوح بين موقفها من البريطانيين والفرنسيين، الذين تريد إخراجهم من المنطقة والحلول محلهم، وبين موقفها من الإسرائيليين الذين سيصبحون في خدمتها وحدها، والذين تركتهم يحققون المكاسب التي توخوها من وراء اشتراكهم في العدوان الثلاثي، وخصوصاً الحصول على ميناء في البحر الأحمر.
إن الحرب مفتوحة ومستمرة، وهي حقاً حرب وجود، وظيفتها أن لا يسترد العرب أوطانهم المحتلة والتابعة، وأن لا يحققوا أي حضور مستقل كريم. وهذه الحرب العدوانية، التي تتكرر جولاتها كل بضع سنوات، تردد الاتهامات ذاتها بالضبط ضد المتمردين والمقاومين. ولو عدنا إلى ما اتهموا به حكومة عبد الناصر، وحكومة صدام حسين، وغيرهما، لوجدنا أنها الاتهامات نفسها التي يوجهونها اليوم إلى حكومة طهران، وغداً إلى حكومة أنقرة. كما أن الأساليب والوسائل هي ذاتها في جوهرها وليس في مظهرها، وأهمها الاستفادة من الاختراقات العميقة، فالاصطفاف اليوم، في لبنان مثلاً، هو صورة عن اصطفاف الخمسينيات، وما تغير هو أن طهران متهمة اليوم، بدلاً من القاهرة، بالتهم ذاتها لا أكثر ولا أقل.
الحل لهذا المأزق التاريخي؟ إنه القضاء على الاختراقات، واستقلال الإرادة العربية، واعتماد إستراتيجية المقاومة. وإذا كان أوان تحقيق ذلك قد آن فذلك يعني أن خلاص الأمة التاريخي أصبح ممكناً.’ كاتب سوري [email protected]