الديمقراطية فلسفة للحياة وليست فقط صناديق اقتراع

حجم الخط
0

المصطفى المرادا قديما خطب ‘أبو العباس السفاح’ مؤسس الدولة العباسية في الناس، ‘اعلموا أننا ماسكو هذا الأمر، أي السلطة، حتى نسلمه لعيسى بن مريم، أي حتى يوم القيامة’، قال خطابه الشهير هذا في أواخر القرن الأول للهجرة، واليوم وعلى بعد أربعة عشر قرنا، نسمع رئيس الوزارء المصري يقدم مبررات تمديد حالة الطوارئ، لمنع منافسة آل مبارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأيضا رئيس الوزراء العراقي يهدد بالحرب الأهلية لكونه انهزم في الانتخابات البرلمانية، لنخرج بنتيجة واحدة هي أن الحاكم العربي هو نسخة واحدة لم تخضع لأي تنقيح.. فزياد بن أبيه والحجاج ويزيد بن معاوية لاتزال أرواحهم مستنسخة في أجساد بربطات عنق.. فعندما ألح الدكتور الجابري رحمه الله، في مشروعه الفكري على أن كل دروب المعرفة والديمقراطية والتنمية والتعليم والتخطيط الاستراتيجي لدى العرب تؤدي إلى أزمة العقل السياسي العربي، اعتبر أغلبنا أن الأمر لا يعدو أن يكون تنظيرا لا غير، لكن ما يجري الآن في الساحة العربية يعطي الدليل القاطع على مصداقية هذا التحليل، فوراء كل مظاهر التعددية الحزبية وصناديق الاقتراع والمجالس النيابية والاستفتاءات الشعبية والطفرة التقنية وثقافة الاستهلاك، يغفو في الحاكم العربي وحش كامن متعطش للسلطة ما فتئ يصحو ليذكره بطبع أسلافه المماليك.. ولنقيم الحجة على صدق هذا التحليل، سنجري مقارنتين، الأولى بين العراق وبريطانيا، والثانية بين مصر والولايات المتحدة، فقد شارك أكثر من ثمانين في المائة من الشعب العراقي في الانتخابات الأخيرة، في خطوة نادرة في بلد اجتر قرونا من الاستبداد منذ الأمير الأموي القوي ‘زياد بن أبيه’، وبدل أن يجني هذا الشعب العظيم ثمار اختياره الحر، ها هم ساسته يدقون طبول الحرب الأهلية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، إلى زمن العباسيين والأمويين، وعندما قلنا انها أزمة عقل، فلأن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع ومترشحين متعددين، بل الديمقراطية هي فلسفة حياة، والدليل والحجة والإمارة الساطعة جاءت من بلاد ما وراء البحار، فقد انهزم الحزب العمالي البريطاني هزيمة تاريخية، ولم يخرج زعيمه ‘غوردن بروان’ ليشكك في الانتخابات ويدعو إلى إعادة فرز الأصوات، أو يهدد بحمل السلاح، فالتحضر والتمدن لايزالان يتكلمان لغة لاتينية حتى ان، إذ أعلن استقالته وهنأ في مؤتمر صحافي منافسه المحافظ دفيد كاميرون، بل وأعلن استقالته النهائية من السياسة، وانتهت القصة، بينما قصة انتخابات العراق لاتزال في فصولها الأولى، والفصول السوداء القاتمة قادمة، لأن المشكلة وكما أشرنا في البداية، مشكلة عقل.. المقارنة الثانية، مدد البرلمان المصري والمكون في غالبيته من نواب الحزب الحاكم، حالة الطوارئ التي عمرت نفس المدة التي قضاها مبارك في الحكم، أي 29 سنة، وهي حالة تستند لدستور معدل على مقاس، يطلق يد السلطة البوليسية والاستخباراتية في الملاحقات والاستجوابات وطبخ محاضر الاتهام لرموز المعارضة السياسية والمتعاطفين معها، ويعتبر أي سلوك سياسي مهما كان سلميا جريمة ‘أمن دولة’، يتابع صاحبه من طرف محكمة عسكرية، والمبرر هذه المرة هو محاربة الارهاب، وإذا قارنا هذا المصوغ بما وقع في بلاد ما وراء بحر الظلمات، الولايات المتحدة، فعندما شاءت الأقدار وحدها أن يكتشف بائع جوال السيارة الملغومة في ساحة ‘تايمز سكوير’ بنيويورك، لم يخرج ‘أوباما’، ويعلن حالة الطوارئ لأن الإرهاب يتربص بالبلد، بل تم القبض في الحين على المتهم، وانتهت القصة، فلنتصور أن لعبة متفجرة كالتي يلعب بها الأطفال في عاشوراء في بلاد المغرب الأقصى، انفجرت في القاهرة، لكانت جواز مرور رسمي لمبارك نحو ولاية أخرى، أو لتوريث عرشه لأحد آله وصحبه.. ولأن المشكلة موجودة في العقل العربي وليست في أي شيء آخر، فإن السلوك السياسي للحاكم العربي لا يمر من دون مفارقات، فالمالكي الذي خبر سجون ومنافي صدام، أعاد إنتاجها هو أيضا، عندما كشفت تقارير دولية متعددة سجنا سريا في ضواحي بغداد تابعا له شخصيا، يضم المئات من المواطنين العراقيين المختطفين، والذي يلقون معاملات أسوأ من التي قام بها المحتل في أبو غريب أو التي كان يقوم بها أعوان صدام حسين في سجون ‘نقرة السلمان’ و’رقم واحد’ و’قصر النهاية’ الدائعة الصيت.. والدرس المستفاد هنا هو أن استبداد الحكام العرب تماما كنيكوتين السجائر، إدمان وهوس، وقد يحصل لحاكم أن يقضي على طاغية، لكن سيرتدي عباءته وبردته.. أما مفارقات النظام المصري فكثيرة، أولاها أن نظاما سياسيا أعلن حالة الطوارئ سنة 1981 ولايزال يحتاج لهذه الحالة ليعيش، فهذا يطرح سؤالا حول مشروعيته، وذلك لأن مفهوم الطوارئ يعني ظرفا طارئا وعارضا واستثنائيا، وهل اذا احتاج نظام لثلاثة عقود لإزالة هذا الظرف الطارئ يستحق الاستمرارية؟

ثانيا؛ حالة الطوارئ تم تمديدها عامين وهي فترة تغطي الانتخابات الرئاسية والتي من المتوقع أن يشارك فيها جمال مبارك، بحكم تدهور الحالة الصحية لأبيه، أما الثمن الذي اشترى به هذا النظام صمت العالم، فهو لعب دور الدركي الذي يحمي الحدود الصحراوية لإسرائيل، من المقاومة وأيضا من الهجرة السرية، والأخطر هو المساهمة في تشديد الخناق على غزة، ثم ترويض محترفي السلام في الضفة الغربية، يكفي أن نستشهد على هذا باحتضان مصر للمفاوضات المباشرة، رغم كل أشكال التعنت الصهيوني، واستمرار هذا الكيان العنصري في صهينة القدس، والقدرة الفائقة التي أقنع بها النظام المصري أبو مازن ورهطه بقبول الدخول في المفاوضات، وهو ‘استعراض قوة’ من طرف مبارك ليظهر قدرته على إنجاز ما عجز عنه أوباما، وبالتالي فهو شريك سلام لا مندوحة عنه.. ثالثا؛ أن الإرهاب ليس مبررا للاجهاز على دمقرطة النظام السياسي، فالدولة الحديثة الحقيقية حولت الديمقراطية إلى سلاح في حد ذاته، والقانون تتم حمايته بالقانون وليس بحالة الطوارئ، فالديمقراطية مفتاح التقدم والتنمية والاستقرار.. والأمل، أما الطوارئ فهي التي تصنع الإرهاب والعنف.. واليأس، فعندما تقوم قوات الشرطة باقتحام المنازل واحتجاز الناس واختطافهم لكونهم لم يشاركوا في الانتخابات أو لكونهم حضروا مظاهرة للمعارضة، كما يقع في مصر فإن هذا يعتبر شرطا موضوعيا لتولد النزوع نحو العنف لدى المواطنين.’ باحث من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية