منح جائزة ‘اللوحة الذهبية’ للمغربي عفيف بناني:
الطاهر الطويلالرباط ـ ‘القدس العربي’ حصل الفنان التشكيلي المغربي عفيف بناني مؤخرا على جائزة ‘اللوحة الذهبية’ التي تمنحها ‘الجامعة الوطنية للثقافة الفرنسية’ سنويا لأحد الأعمال الإبداعية المتميزة على الصعيد الدولي.
والعمل الفائز، هذه السنة، بالجائزة المذكورة هو لوحة ‘المدرسة البوعنانية’ المستلهِمة لهذه المعلمة الأثرية المشهورة في مدينة فاس والتي أنشئت أواسط القرن الرابع عشر خلال فترة حكم ‘المرينيين’. وأكدت لجنة تحكيم المسابقة أن عمل عفيف بناني يكاد يكون استثنائيا من خلال صفاته وتقنيته المكتسبة عبر سنين طويلة وهو يحاور الألوان بأداته الخاصة: الملعقة الفنية. وعبّر بناني عن سروره لحصوله على الجائزة التي اعتبرها تتويجا لكل المغاربة، لأنها تحمل جزءا من تراثهم الحضاري والثقافي المشترك، كما تعكس عبقرية الهندسة المعمارية المغربية.
وإذا كان هذا الفنان التشكيلي يرسم مشاهد من المدن المغربية العريقة ومناظر طبيعية ويوميات من حياة الناس، فإنه اشتهر أيضا برسم ‘القصبات’، وهي مجموعة مبان عتيقة تحيط بها أسوار، وتعد الكلمة مرادفة للقلاع. ويفسر عفيف بناني هذا الاختيار بكون القصبات شاهدة على جزء من تاريخ المغرب وحضارته العريقة، ومن ثم يرسم القصبات كنوع من التأريخ لها، خاصة وأنها تنقرض شيئا فشيئا ولم يعد الناس يبنون القصبات بالأساليب المستعملة من قبل، بل أصبحوا يدخلون عليها أبوابا من حديد وإسمنت وغيرها من المواد الحديثة.
إذن، فأعمال بناني تستلهم روحها قصبة ‘تينزولين’ في وادي درعة، المتجلية في لوحة حصل من خلالها على الجائزة الأوروبية للفنون في سان تروبيز في فرنسا سنة 2004، وقصبة ‘الأوداية’ في الرباط التي تمزج بين الانطباعية والتجريد، إلى جانب قصبة ‘آيت بنحدو’ في ورزازات، وهي لوحة حازت ميدالية فضية في منافسة دولية في فرنسا سنة 2005، فضلا عن قصبة ‘إيركوزن’ في دادس… وعن هذه الأعمال وغيرها استحق عفيف بناني لقب ‘أمير القصبات’. الفنان التشكيلي ـ في نظر بناني ـ لا يضع مخططا ينتقل في ضوئه من تجربة إلى أخرى، بل يقوم بتطوير نفسه تلقائيا خلال عملية الاشتغال على اللوحات، مما يمكنه من خلق أسلوب جديد، وهذا ينطبق على تجربته ككل، فمن قبل كان يرسم في نطاق الواقعية، حيث كانت أعماله تُفهم بسهولة ومن دون أدنى جهد، أما لوحاته الجديدة فتبدو مزيجا من الألوان، ولكن المشاهد وملامح الأشخاص فيها لا تتضح للمتلقي إلا حين يبتعد شيئا ما عن اللوحة.
وبحسب تعبير الناقد الفني والكاتب الصحافي المغربي خالد المنوري، يتبدى عفيف بناني في مشهده التشكيلي كـرَاءٍ لا يترك الضوء الهارب ينفلت من بين أنامله، رحيم بأدواته التشكيلية وبمفرداته البصرية، يتابع كل جديد على الساحة الفنية والثقافية، وكل جديد في المدارس الفنية المختلفة. بناني يرتاح وهو يردد لازمته المعروفة، التي التقطتها أذناه ذات يوم من حكم والدته، مفادها أن ‘قيمة العالم قد تساوي عود كبريت خمدت ناره’. ويضيف المنوري قوله: ‘من جوف القلب والروح، تنهض أعمال بناني لترصد بحرفية مواضيع ملتصقة بالأرض، بالناس، بالمغرب، في كل تجلياته الصغيرة والكبيرة، وفي كل تعبيراته الفنية المختلفة. ألم تكن مناظر المغرب، وأناسه الطيبين، فيضا من العرفان، الذي ألهم كبار الفنانين العالميين من أمثال دولاكروا، وماتيس… ؟’ويقول الكاتب والناقد الفني والفرنسي دانييل كوتيري حول أعمال عفيف بناني: ‘اللون، اللون الخالص الجريء منفصل بشكل واسع في أعماق اللوحة متوحدا ومحايدا، يشكل دائما عنصر قوة وجمال، لأنه يستحضر أجمل الأفراح الطبيعية: أزرق سماوي، حقول الأزهار، عصافير مختلفة الألوان؟ لا أعرف، لكنّ هناك شيئا مقدسا ومفرحا كتبه ذات يوم الأكاديمي، أندري مرواس، سنة 1948 ‘المغرب يبقى بالنسبة لي مثال عمل فني كبير. فثمة ذكريات بروح الألوان…’. ويضيف كوتيري: ‘من هنا يمكن القول لماذا أغرم فنانون عالميون مشهورون من دولاكروا إلى ماتيس، ماجوريل، وقريبا منا كاويا توميك، التي تعمل في طنجة، بجمالية المغرب. ولا غرو أن يكون عفيف بناني واحدا من هؤلاء. عفيف المغربي افتتن بدوره بخيوط شمس الخريف وهي تستعد للانفلات من نهار شبه قائظ، بعدما مالت على أسوار قصر من قصور الجنوب، ذات اللون الأحمر الفاتح، كما التقطت عيناه بحرفية مشهد أمواج متلألئة تتلاطم على صخور جزيرة ( سيدي عبد الرحمان) في الدار البيضاء’. والجدير بالذكر أن مؤسسة ‘بريد المغرب’ كرمت عفيف بناني مرتين حيث أصدرت طوابع بريدية تحمل بعض لوحاته التشكيلية. وسبق للفنان نفسه أن أقام معارض تشكيلية في المغرب والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وسويسرا وألمانيا والإمارات العربية المتحدة والعراق وموريتانيا، وأصدر سنة 2006 كتابا بعنوان ‘التشكيل من القرن 19 إلى سنة 1945’، وهو عضو مؤسس لتيار ‘الإحساسية’ في فرنسا وعضو في ‘الهوز هو’ ‘Whos who’ الدولي في لوزان في سويسرا ويشغل منصب أمين عام النقابة المغربية للفنون التشكيلية، كما يعمل حاليا مدرسا في المدرسة العليا للتجارة والإعلاميات في الدار البيضاء.