القصيدة العربية بعد محمود درويش

حجم الخط
0

د. يحيى عمارةيعد التاسع من آب ( أغسطس) من عام 2008 بداية إعلان موت نصف جمال القصيدة العربية، وبداية ولوجها حياة اليتم الملحمي والفني، لأن مؤسسة ديوان العرب تعيش وجودها المعاصر من كتابات الشعراء من أمثال الراحل عبد الوهاب البياتي ومحمد الماغوط ومحمد عفيفي مطر ومن أمثال المستمرين في هذا العناق الوجودي والتأملي نجد الشاعر أدونيس والشاعر سعدي يوسف والشاعر أمجد ناصر والشاعر سليم بركات والشاعر محمد بنيس والشاعر محمد علي شمس الدين وآخرين. هؤلاء قدموا حبهم للقصيدة دون التخلي عنها، وفكروا من خلالها، وعبروا عن سرها وجهرها دون هوادة، وقالوا للعالم إن عاشقتنا من حروف، بها نغني غناء الثوار، وننشد أناشيد الأحرار، ونسافر في حيوات المنفى والألم والجرح والضياع، نمثل بها أحلام جلجاميش وطبقات دانتي وتواجدات ابن عربي وغزليات عمرالخيام وخمريات أبي نواس وما شابه ذلك، ولتأكيد هوانا وهويتنا وعنادنا.

تأسيسا على ذلك، هناك إحساس ينتاب متتبعي المشهد الشعري المعاصر، وأنا واحد منهم طبعا، يتحدث هذا الإحساس عن وضعية القصيدة بعد رحيل الشاعر العربي محمود درويش. أكيد أن الجميع يؤمن إيمانا مطلقا بان الإبداع الشعري لا ينتهي، وبأن القصيدة لا تنتهي كما أراد لها هدهد الشعر العربي قبل رحيله، ما دام أصدقاء الشعر والشاعر ملتزمون بكل القضايا والإشكاليات الموجودة في عالم الإبداع والكتابة الأدبية التي منذ نعومة سليقتهم الإبداعية وهم مصرون على التعبير عنها، هذه الفكرة لا نقاش فيها. بيد أن الشيء الذي يحير المتتبع هو السؤال المنبثق من التراكمات الإبداعية التي أبدعها الشاعر محمود درويش طوال حياته عامة وفي العقدين الأخيرين خاصة. ألم تكن القصيدة في أزهى أيامها مع درويش.. ؟ كان المبدع الفلسطيني حين يكتب قصيدة جديدة، وينشرها عبر جريدة ‘القدس العربي’ التي نعتز بمنبرها الإعلامي العربي مثلا، أو ينشر ديوانا شعريا أو نثريا عبر منشورات رياض الريس للكتاب والنشر، وتتوزع هذه الأعمال الإبداعية المتميزة عبر أرجاء المعمورة، يتلقاها المتتبع العربي والعالمي بلهفة وحبور، متحدثا عنها في كل المجالس الاجتماعية والثقافية والسياسية واليوميات قائلا: إن القصيدة العربية بإبداعات درويش هي الآن في عز وجودها وجمالها ومقصديتها، وبالتالي كان يهتز عرش الشعر العربي بها ولها، والسبب كامن في قريحة درويش المنفتحة على المرجعي المختلف والكوني المِِِؤتلف والشعري الملحمي المتوتر جماليا ودراميا، وعلى القراءة الشعرية المتفردة في إنشادها، وتكامل نسقها من ولادتها إلى نشرها، والتي تشكل حالة شعرية وحدها على حد تعبير الناقد الدكتور صلاح فضل. ونحن نتحدث عن الشاعر بهذه الصيغة، لا بد من الإشارة إلى أن لكل شاعر عربي مميزاته وخصائصه، تتحدد أساسا من تجربته في الحياة ومن مفهومه للكون الشعري، وفي الحياة الشعرية العربية دروس في هذا السياق. ومن ثمة، شاركت قصيدة ‘جدارية’ درويش في تعميق السؤال الشعري العربي المنطلق من الأنا المتصارعة مع الخطابات المتناقضة التي تصب كلها في صراع الإنسان العربي مع الموت، الذي هو تلك الثمرة التي تحدث عنها ريلكه عندما قال: ‘الموت هنا.

الموت العظيم الذي يحمله كل واحد في ذاته. الموت هو الثمرة التي من حولها يتم كل شيء ‘كما ورد في كتاب الناقد العربي عبده وازن ‘محمود درويش، الغريب على نفسه’ ( ص47)، وقصيدة ‘حالة حصار’ التي زادت في لهيب الحلم الفلسطيني العربي المتشبث بالحرية والتحدي قائلا للمحتل الإسرائيلي بلسان واحد ونضال واحد وتاريخ واحد وهوية واحدة: ‘واقفون هنا، قاعدون هنا، دائمون هنا. خالدون هنا. ولنا هدف واحد واحد: أن نكون’. وقصيدة ‘على محطة قطار سقط عن الخريطة’ التي يتحدث فيها الشاعر عن فلسفة الرحلة الوجودية في الحياة المفعمة بالرحيل القسري وبالذكريات الجريحة الآتية من الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في الوطن العربي، وقصيدة ‘لاعب النرد’ التي ناقش فيها مقامر دوستوفسكي هذه المرة – عربيا – عشقه للقصيدة التي جاءت مصادفة مثل مصادفات العدد الكبير من المواقف الحياتية والذكريات والتأملات، ليصبح اللقاء مع المعشوقة فرصة سعادة العاشق التي كان يحلم بها طول عمره أثناء لعبة النرد، لكنه لم يتمكن من الحفاظ على تلك الفرصة، لأنه لم يقدر على مقاومة الموت والعدم معا، ليبقى رهان المقامر متشبثا بالوهم الجميل.

إذا، أسهمت هذه القصائد الدرويشية، على سبيل التمثيل لا الحصر في الرفع من وتيرة القصيدة العربية على المستويات جميعها، وأصبحت نفس المتتبع العربي مطمئنة على حياة الشاعر من جهة، وعلى حياة القصيدة العربية من جهة أخرى، هذه القصيدة تنادي بالقول المختلف عن العادي، ولا تنسَ أن الشعر متعة، وصنعة، وجمال وأن الشعر فرح غامض بالتغلب على الصعوبة والخسارة، وأنه رحلة لا تنتهي إلى البحث عن نفسه في المجهول كما قال محمود درويش في كلمته أثناء حفل التوقيع على ديوان ‘كزهر اللوز أو أبعد’ في رام الله، وهي منشورة ضمن مجلة ‘الكرمل’ العدد 85 خريف 2005 ، وأنها مشاكسة للذات وللواقع وللمحتل كيفما كان نوعه، ولا تهادن المألوف والمعرفة المقيدة لكل تحليق جمالي جديد. ويحط البيت الشعري العربي الشهير للمتنبي نار معناه الحكمي في عملية تماهي المتتبع العربي للشعر الممتع والجميل، متمنيا له الاستمرارية على هذا المنهج المتجدد: ما كل ما يتمنى المرء يدركه / تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فيسقط نصف جمال القصيدة العربية بعد رحيل رئيس تحرير مجلة ‘الكرمل’، التي كانت قريبة من التنظير الحقيقي للشعر العربي، وكانت مجمل افتتاحياتها تعبر عن الأسس الكبرى التي ينبغي للشعر والشعراء اتباعها غب الإبداع، وكل عدد من هذه المجلة هو بمثابة كتاب نقدي عميق للثقافة الشعرية الجديدة.

لقد رحل درويش لترحل معه طريقته التي لا اعتقد أن الأيام المقبلة ستقدم لنا الطريقة نفسها، لان الشاعر الفلسطيني العربي كان نسخة أصيلة يستعصى استنساخها في الرؤية والممارسة وفي الطريقة التي كان يسلكها الراحل في علاقته بعالمه الشعري، من الصعب أن تجمع مثل درويش في القصيدة الواحدة بين العمق الفلسفي والديني وبين العمق الدنيوي والمستقبلي، وبين البعد التعبيري والجمالي وبين البعد الإلقائي والإيحائي والبعد الثوري المتجدد. لقد كانت القصيدة العربية معه تعيش أزهى عمرها وأسمى لحظاتها، لتصبح بعد رحيله تفتش عن ظلاله، مثل المتتبع العربي تماما، لعل الظلال تعيد لهما أمل النصف الباقي..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية