حوار مع عربي درويش!

حجم الخط
0

ميشيل كيلو كان الراحل الكبير، المناضل المغربي محمد البصري، يزور دمشق بين حين وآخر: للاستراحة من عناء السياسة أو للقاء أصدقاء، فكان منزله يتحول إلى ملتقى مثقفين وساسة يناقشون، منفصلين طبعا، شؤون وشجون الأمة ودولها ومجتمعاتها، لعلمهم أنه يعرف كما لا يعرف كثيرون أحوال المنطقة بين آغادير والموصل، واللاذقية وجوبا. ذات يوم، حدثته عن وضع المشرق، وعندما انتهيت، توقعت أن يحدثني هو عن وضع المغرب، لكنه ابتسم بكياسته المحببة وقال: أنت كنت تتحدث عنه منذ قليل!. لم يعد هناك شك لدى معظم العرب في أن لدولهم ومجتمعاتهم السمات والمشكلات عينها، وأن الحديث عن أي واحدة هو حديث عن كل واحدة منها، ما دامت حكوماتها تتبنى سلوكا موحدا حيال شعوبها يقوم من جهة على استخدام الكرباج لسوقهم إلى حيث تشاء، ومن جهة أخرى على إدارة شؤونهم بواسطة أزمات متنوعة تمكنها من جعل مواطنيها الجهة التي تدفع ثمنها، بعد تضخيمها بصورة مدروسة وخبطها على رؤوسهم، فإن حدث وتخلصوا من إحداها وجدوا بانتظارهم أزمات أشد وأعقد منها، حتى ليمكن القول: إن السياسة العربية تدور بين استخدام السوط لإرعاب المواطنين وإخراجهم من الحياة العامة، وبين إغراقهم في أزمات شاملة تقوض وجودهم الخاص، بينما غدت المجتمعات العربية رهينة العيش بين حدي الخوف اليومي من السياط، والعجز الدائم عن التخلص من أزمات تحرص حكوماتها على إدامتها وتجديدها، وعلى منعها من التغلب عليها. لا أعتقد أن هناك مواطنا عربيا لا يعرف هذا الواقع، أو لا يقر بوجوده. عندما كان حديث الإصلاح راهنا خلال السنوات القليلة الماضية، كنت أحرص على سؤال بسطاء الناس عن معناه وطرق تطبيقه. ذات مساء، جلست عند بائع بطيخ في أحد شوارع دمشق أسأله إن كان يتابع حوارات الإصلاح الدائرة على قدم وساق في الصحف والمنتديات والبيوت، فقال إنه لا يتابعها، لأنه ليس بحاجة إلى من يحدثه عن الإصلاح، فالقضية واضحة وصريحة: الإصلاح يعني تخليص البلد من الأشخاص والعقليات والسياسات التي تعوق حسن سير الأمور فيها، واستبدالها بما يناسب أيامنا (حدث هذا عام 2001)، أو بلغة أخرى: التمسك بالصحيح والتخلص من الفاسد، أو العمل على سد الثغرات والنواقص الموجودة في حياتنا، أو باختصار شديد: بدنا شوية حرية وشوية خبز وتكون الناس متل بعضها. (شيء من الحرية وشيء من الخبز وأن تكون الناس متساوية أمام القانون). سألته إن كان معارضا، أو على علاقة بأدبيات معارضة، قال باستغراب: شو يعني معارضة، وشو يعني أدبيات؟

أخي أنا أمي لا أقرأ ولا أكتب. والقصة أبسط من أن تجد حاجة إلى أن يخبرك أحد ما بأحوالك، أليس كذلك. أنا لا أريد من يخبرني كيف أعيش، وأين هي مشكلاتي. أنا مشكلتي هي التالية: أريد قدرا من الحرية يمكنني من الدفاع عن نفسي ولقمة أطفالي وآنا آمن، وأريد قدرا كافيا من الخبز، كي أشبع ولا أحتاج إلى أحد، أو أرى عيالي جياعا أو بحاجة إلى لباس وعلم، وأريد أن لا أنتظر سيارة النقل العام (الباص) ساعة كاملة، تمر أمامي خلالها سيارات فاخرة لا أرى ما بداخلها، أعرف أن ثمنها من جيبي وأن راكبها يتنزه على حسابي، وأن أي شيء أفعله قد ينقلب إلى جريمة، وأي شيء يفعله يكون بردا وسلاما عليه، حتى إن دهس طفلا أو اختطف فتاة من الشارع أمام الشرطة وخلق الله. لا أحتاج إلى من يحرضني على الحكومة، فأنا أعلم أن حل مشكلاتي مستحيل بدونها، وأنها لن تحل إن هي واصلت سياساتها الحالية، التي تتنكر لحقي في حد أدنى من الحرية ورغيف الخبز والقانون. هل هذه بحاجة إلى من يعلمني إياها؟ سألته إن كان يريد الديموقراطية، فرد بسؤال: شو يعني الديموقراطية؟ يعني كل مين إيدو إلو؟. إذا كانت الديموقراطية هيك، ما بدي اياها. إذا الديمقراطية بدها تاخد ناس وتجيب ناس رايدين يصيروا متلهن، ما بدي ياها. سألته من جديد: كم مرة انتخبت في حياتك، فقال: مرة واحدة. قالوا نواب يمثلون الشعب، فانتخبت واحدا من المرشحين أتى إلى حينا ووعدنا بالسمن والعسل، لكنه ما ان نجح حتى غاب عن أعيننا، ولم نر وجهه ولو مرة واحدة. منذ تلك الحادثة عرفت أن القصة ضحك على الذقون، وأنا ذقني صارت غالية علي لكثرة ما انضحك عليها. سألته أخيرا: إن كان يضع آماله في شخص ما، فأشار إلى صورة يضعها على باب خيمة صغيرة وقال: ليش فيه غيرو نحط أملنا فيه؟. ينطق هذا الحوار بحقيقته دون تزويق أو كذب، لذلك لا يحتاج إلى كلام كثير يشرحه، وإن كان يستدعي تعليقين سريعين: ـ أولهما أن المواطنين العرب يمتلكون وعيا مطابقا ومتقاربا حول واقعهم، لم تنقلهم إليهم طليعة ما، ولم يأتهم من خارجهم، بل احتل رؤوسهم نتيجة ممارسات الحكومات تجاههم وفشلها في تنمية بلدانهم داخليا، وحماية أمنهم ووطنهم خارجيا. أنه وعي صار وعيا عاما لكثرة ما لاحظه المواطنون من عيوب ونواقص في حياتهم الشخصية أنتجها النظام السياسي القائم، الذي فشل في إخراجهم من تأخر متفاقم، وهزائم متلاحقة، وتمزق وطني وقومي، وتفاوت اجتماعي، وعرضهم له من سياسات قامت إرهاقهم وتخويفهم، وتقييد حريتهم، والاستيلاء على حصة متزايدة من رغيفهم اليومي، والتنكر لحقوقهم، وخاصة منها حقهم في حماية القانون والمساواة أمامه. ـ وثانيهما أن وعي النخب النظري، بما في ذلك الطليعية منها، بقي قريبا على العموم في مضمونه ومستواه من وعي المواطنين الناتج عن خبرتهم الشخصية المباشرة، الأمر الذي أبقى الأحزاب المعارضة بعيدة عنهم، وجعلهم يتبنون في أحاديثهم لغتها دون مواقفها، لذلك بقيت هي معزولة عنهم، وظلوا هم تحت مستوى السياسة، وتمكنت السلطة من تقرير مصيرهما كليهما: كقوى منظمة وكجماهير مفتتة. كيف يمكن نقل الوعي التجريبي إلى مستوى نظري، وإنزال الوعي النظري إلى الشارع، كي يعين المواطن على تخطي احتجاز سياسي عملي يحيده ويمكن السلطة من التعامل معه بوصفه أداة يمكن لتحكم بسلوكها، تخدم أغراضها وتظهرها بمظهر سلطة ذات عمق وتأثير شعبيين، فلا يكون لوعيه أي دور عملي في حياته ومواقفه، بل يطفو على سطح لسانه، مع أنه يصف الواقع بدقة ويتخذ موقفا نقديا منه، على الصعيد الفردي، الذي يجعله وعيا مثلوما هو حبيس كل فرد من حملته، لا يفضي نمط امتلاكه إلى انخراط حامله في تواصل تفاعلي مع سواه، ولا ينزع عنه طابعه الكمي، الكموني والشخصي، ويحوله إلى وعي نوعي، متحرك وجمعي، يدفعه إلى القطع مع وضعه القائم، حيث تنعدم فاعليته فلا يقدم فيها ولا يؤخر، بينما تحار النخب كيف تجعله يقوم بهذه النقلة، وتخلصه من تناقضاته، التي تتجسد في وجوده وعجزه، فرديته التي لا تبلغ العمومية والعلنية، ولا تنعكس على الواقع أو تؤثر بصورة ملموسة في علاقاته وتشابكاته… الخ. لا مبالغة في القول: إن المعارضات العربية تقف حائرة أمام هذه الظاهرة المعقدة والمربكة، التي تشطر المواطن العربي إلى شخصين: واحد لنفسه، ناقم وواع وراغب في التغيير، وآخر للسلطة: خائف وخانع وراضخ وطالب سلامة وسترة، كما يقال، شعاره مهما تعرض له من ظلم واضطهاد: الحمد لله، كان يمكن للأمور أن تكون أسوأ!. الارتقاء بمستوى وعي المواطن وإخراجه من سجنه الفردي إلى صعيد عمومية علنية، وتقييد قدرة السلطة على اللعب بعقله وتحديد سلوكه، باسم قضايا الوطن تارة، والتضامن الشعبي تارة أخرى، هما أكثر مهام العمل العام إلحاحا ومركزية، وهذا لن ينجز أي اختراق فيه دون خروج النخب السياسية المعارضة من محدوديتها وطابعها الشللي، وقلة عقل قادتها، وطابعها العصبوي، وسياساتها التي أحلت التكتيك محل الإستراتيجية، والتكتكة محل التكتيك، وانتهت إلى وضع أدنى بكثير من وضع من ينتظر منها مد يد العون إليهم!. أيها المأزق العربي، الذي نعرف جميعنا سبل ومتطلبات الخروج منه، لكننا رغم ذلك نغرق فيه أكثر فأكثر، كم أنت قاتل!. ‘ كاتب وسياسي من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية