لم يكد القس الأمريكي تيري جونز يعلن تراجعه عن حرق نسخ من القرآن الكريم في الذكرى السنوية التاسعة لأحداث أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة بشكل نهائي، بعد أن حقق من الشهرة والضجة الإعلامية حول شخصه المغمور وأفكاره العنصرية من خلال ‘دغدغة’ مشاعر الأمريكيين واللعب على الوتر الأمني المشدود لديهم، حتى أعلنت كنيسة أمريكية جديدة عزمها القيام بما تراجع عنه جونز، عسى أن يكتب لها من الشهرة وتسليط الأضواء ما كتب للقس ‘المجنون’ بحسب تعبير ابنته التي فارقته واعتزلت أفكاره مهاجرة إلى ألمانيا.
ودخلت كنيسة أمريكية جديدة إلى ‘موضة’ حرق نسخ من مصاحف القرآن، وأعلنت أنها ستشعل النار بنسخ من القرآن في فناء مقرها بريف مدينة توبيكا في ولاية كنساس. وتعد كنيسة ‘وستبورو ببتيست’ خارجة على القانون الكنسي العام، ومتمردة على أي طائفة مسيحية معروفة، وتفخر هذه الكنيسة بأنها تكره كل شيء تقريباً، من يهود ومسلمين ومسيحيين تقليديين، حتى الجنود الأمريكيين، إذ يشارك أعضاؤها في جنازاتهم وهم يحملون لافتات بشعارات للتذكير بأن الله يكره معهم الجنود القتلى أيضاً. وسبق أن قامت في منتصف 2008 بإحراق نسخ من المصاحف، ولكن من دون أي ضجة إعلامية.
وعلى الرغم من أن خطاب الرئيس الأمريكي أوباما بمناسبة ذكرى أحداث أيلول/سبتمبر، أكد أن الولايات المتحدة لن تكون ‘أبداً في حرب ضد الإسلام’، داعياً مواطنيه إلى تجنب الجنوح إلى الانقسام والحقد، إلا أن سياقات الحملة الانتخابية للكونغرس في الخريف القادم، وتخلف الديمقراطيين الكبير في هذا السباق، أسهما في إعادة إحياء روح تلك الهجمات الحاقدة في الولايات المتحدة.
وأكدت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ أن أعضاء بارزين في الحزب الجمهوري يؤيدون دعوة حرق المصحف في ذكرى هجمات أيلول. وأوضحت أن هذا ‘التعصب الأعمى، الذي ظهر من قبل القس الذي دعا إلى حرق المصحف هو الذي يغذي المتطرفين، مشيرة إلى وجود أشخاص في مواقع السلطة الحقيقية، بمن فيهم أعضاء بارزون في الحزب الجمهوري، يؤيدون دعوة جونز، من دون أن تحدد أسماءهم. ووجهت الصحيفة انتقادات شديدة لتيري جونز، واعتبرت أن ما أقدم عليه جونز يهدد بتقويض قرنين من التسامح الديني في أمريكا.
في الذكرى التاسعة لأحداث أيلول/سبتمبر تبدو الولايات المتحدة بعيدة عن المبادئ والأسس التي نشأت عليها قبل أكثر من قرنين من الزمن، وتبدو مصالح نخبها السياسية مسيرة لوجهة واحدة من أهم دول العالم وأقواها، فقد تأسست الولايات المتحدة الأمريكية على مبادئ أخلاقية وقانونية واضحة، من ضمنها حرية العبادة. ولم يكن الإسلام بعيداً عن أجواء الحرية والتعددية الدينية، بل وردت إشارات تؤكد اتساع الفضاء الأمريكي للإسلام والمسلمين في وثائق دستورية مهمة في التاريخ الأمريكي، ومن هذه الوثائق ‘قانون فرجينيا المؤسس لحرية الديانة’ الصادر عام 1786، و’معاهدة طرابلس’ التي تم توقيعها عام 1797 بين الولايات المتحدة وطرابس الغرب حينما كانت الأخيرة ولاية عثمانية، فهل تستلهم الذكرى الحالية قواعد التأسيس المبكر، أم تبقى أمريكا ‘فريسة’ الحقد والتجاذب السياسي المقيت؟.
هشام منوّر