مهدي نصير’1986′ هي المجموعة الخامسة للقاص سعود قبيلات بعد ‘ في البدء، ثُمَّ في البدء أيضاً’ و ‘ مشي’ و ‘ بعد خراب الحافلة’ و ‘ الطيران على عصا مكنسة’ والتي صدرت عام 2009 عن ‘ دار أزمنة للنشر’ وبدعم من أمانة عمان الكبرى.
في مجموعته هذه يُعيد سعود قبيلات ترتيب أوراقه ويواصل بناء فضائه الإبداعي الحار والواقعي والمُتخيَّل ويؤرِّخ للتشظي الكبير الذي عاشه المثقف الجذري العربي والخيارات المغلقة أمامه والأنفاق التي سار فيها والتي ما زال يسير فيها أو بصورة أوضح يُدفع دفعاً للسير فيها. واقع مهزوم، متخلف، بائس ( حوار المرأة والفتاة في قصة الطريق إلى مليح)، الواقع السياسي من خلال استعراض وتضمين عناوين بعض الصحف في متن بعض القصص كمؤشِّر على الهزيمة والنكوص والبؤس الذي نعيشه ونسير باتجاهه من دون أية محاولات للتوقف عن هذا الانحدار المرعب.
في قصصه الإثنتي عشرة في هذه المجموعة والتي ينتظمها خيطٌ واحدٌ وبطل واحد وكأنَّها قصة طويلة واحدة يعيد سعود قبيلات قراءة التغيُّرات السياسية والاجتماعية والفكرية والشخصية الكبرى التي وقعت خلال الفترة الماضية ويؤشِّر إلى تغير المكان كمؤشِّر على هذا التغير ( كانت عمان ووسط البلد بطلاً رئيسياً من أبطال قصص المجموعة حيث شكَّلت الإطار المكاني الأهم والأكثر حميمية فيها) . في هذه المجموعة يُعيد سعود قراءة تجربة السجن من خلال محاولة الانفصال عن محددات تلك التجربة والتي حبسته بعد خروجه في إطارها / يحاول ذلك من خلال الفصل بين شخصيتين في قصص المجموعة، ‘ ماجد’ بطل القصص كافة وسعود قبيلات الذي يمثل سعود القديم حيث يدير القاص حوارات عميقة ومؤلمة وقاسية بين الظلين لشخصيته، شخصية المثقف الجذري وشخصية الإنسان العربي الواعي لشروط وظروف تخلفه والذي توقف عند محطة معينة ورفض السير ورفض الواقع ورفض التأقلم ورفض البحث عن مسارات جديدة بعيداً عن الكهف الذي دُفعَ إليه.
المجموعة تتحدث عن تجربة السجن من خلال بناء واقعي يوظِّف حركة بطله ( ماجد / سعود ) توظيفاً واقعياً عالياً ضمن بيئته الثقافية والمكانية والسياسية والشخصية، حيث شكَّل المكان ‘ عمان / وسط البلد’ الفضاء الذي تحرَّك فيه البطل بالإضافة إلى أماكن أخرى تؤدي نفس المدلول ‘ مليح / العقبة’، حيث ترى وتشم المكان القديم بأبنيته ومطاعمه وطرقه وناسه وتكسياته وسيارات إسعافه التي تتحرك في نفس المكان وبنفس التوصيف في أكثر من قصة من قصص المجموعة في دلالة على أن هذا المكان يزدحم بما يحتاج إلى إسعاف!
تحضر عمان قوية وكثيفة وحميمية في هذه المجموعة ويحضر ‘ ماجد’ ليملأ هذه الأمكنة ويقرأ البؤس العميق الذي يُجلِّلها.
تقنياً هناك ذكاء سردي عال ٍ عند القاص من خلال التداخل في السرد والانتقال من لحظة وواقع السارد في مكانٍ ما من أماكن المجموعة إلى لحظة قديمة وكثيفة ومؤلمة / السجن والبُرش وأصدقاء السجن هاشم غرايبة وعماد الملحم إلى تلك الماريَّا التي تشكِّل عمقاً آخر للقصص وتشكِّل بُعداً غائراً وعميقاً. تستعيد القصص كثيراً وبتوتر عال ٍ تلك اللحظة التي اختفت فيها ماريَّا والتي اصطكَّت لأجلها أسنان السجن وأسنان الأرض / كان هذا التداخل السردي طبيعياً وليس مفتعلاً حيث كان نوعاً من الحلم ونوعاً من السرحان أو نوعاً من سيطرة تلك اللحظات الكثيفة والعميقة على لحظات أخرى أقل كثافة بما يجعل إمكانية إزاحتها عن صدارة اللحظة مُبرَّراً.
في المجموعة توظيف واقعي للحياة السياسية والثقافية والحزبية والفكرية ونقاشات كانت تدور في فترات من الحياة السياسية والحزبية في الأردن وبنفس الوتيرة والتوتر الذي وردت به في المجموعة.
في قصة ‘ إيماءات أهل الكهف’ يقرأ السارد في إحدى الصحف عن الشيخ فلان الفلاني عضو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي أخرج جنيَّاً من جسد فتاة ثُمَّ قام هذا الجِنيّ بإعلان إسلامه ونطق بالشهادتين أمام ابن باز.. الخ ‘ سخرية مُرَّة وسوداء يقتطفها القاص من هذا البيدر الذي يتحرك من خلاله ويحلم بتغييره.
في القصة الأخيرة في المجموعة ‘ يوم جمعة عادي من العام 1986 ‘ يستعيد القاص تلك اللحظة المتوترة ‘ ماريَّا’ / المرأة الحُلم والمرأة الرفيقة والمرأة الخصب والمرأة الواقعية التي لا تستطيع التغلب على واقعها البائس والقاسي: ‘ قالت وهي تُنشبُ أظفارها في قُفازها الجلديّ: أتعرف؟ أريد أن أتزوج. قلتُ: حسن تزوجي، أستطيع تحمَّل ذلك، ترين مقدار هدوئي كنبضِ جثّة ‘. ثُمَّ يُتابعُ بعد ذلك وبعد أن تماسك وسيطر على تعثره وسقوطه عن الجدار الاستنادي وأمسك بالزاوية المطاطية وواصل الانفصال عن الجدار وهوى متدرجاً للأسفل، يقول: ‘ بينما أنا كذلك نظرتُ إلى الواقفين في الأعلى وقلتُ لهم بعينيَّ فقط: ها أنا قد حللتُ مشكلتي من دونِ مساعدتكم ‘ ( ص109 ). في قصة ‘ مجرد انطباعات عادية جداً’ يُعلِّق ماجد على سعود الذي جلس على شاطىء العقبة والناس من حوله يضحكون ويمرحون وهو يكتب حزنه وتأملاته العميقة عن الحياة والموت وكافكا وفئرانه يقول: ‘ رحتُ أفكر حائراً في أمر ذلك النوع الغريب من المزاج الذي يجعل صاحبه يفكِّرُ على هذا النحو، بينما هو جالسٌ بجوار البحر، وبينما الناسُ من حوله يتنزهون ويمرحون. ‘ ( ص 64 ). وفي مقطع مؤثر وعميق من قصة ‘ إيماءات أهل الكهف’: ‘ ومددتُ يدي نحو أرض الكهف، ورحتُ أحفنُ ماءً وأحاول الارتفاع به شيئاً فشيئاً إلى مستوى رأسي، لكنه كان يتسرَّب من بين أصابعي بسرعة، فأعود للمحاولة من جديد ومرةً تلو مرّة، إلا أن الماء كان لا يكفُّ عن التسرُّب من بين أصابعي، ثُمَّ أخذتْ دموعي تنسابُ على خدي، وبينما كان سعود وماريَّا ( شخصيتان شكلتا تاريخ السارد / ماجد) ينظران إليَّ صامتين، كنتُ قد أصبحتُ على يقين بأنهما كانا يفهمان جيداً ما كنتُ أريد قوله ‘ ( ص 83 ). سعود قبيلات في مجموعته الفذَّة والحارَّة والعميقة والمؤلمة هذه يُقيم مراجعة لذلك التاريخ وذلك النمط من المثقفين الجذريين الذين توقفوا عند نقطة معينة وانغلقوا في مداراتهم تاركين الحياة تسير بعيداً عنهم. انه نقد ذاتي / جمعي ثقافي عميق ودعوة ومحاولة للخروج من الشرنقة.
سعود قبيلات في مجموعته السابقة والرائعة ‘ بعد خراب الحافلة’ الذي كانَ واقفاً في المحطة كالتماثيل والأصنام وتتحرك كل الأشياء من حوله وهو واقف ينتظر، يُقرِّر أن يتحرك هو ويترك كل تلك النُّصُب والتماثيل. سعود قبيلات يصعد في هذه المجموعة إلى الحافلة. ‘ شاعر من الأردن