تعــاويذ علــى جســور التطبيع

حجم الخط
0

خليل قانصو ما أن يهدأ التشنج في مكان حتى تظهر عوارضه في مكان آخر، وكأن بلاد العرب تحولت إلى ساحة تغطيها برك ُ ومستنقعات، تفصل بينها جدران، ويغلى ماؤها بما يحتويه، تحت أشعة شمس حارقة. كما لو أن الظروف، وهي كثيرة، أفقدت الإنسان القدرة على التفكير وامتلاك الإرادة، أو أن ارادته صـُودرت، وحريته قـُيـِّدت، فصار كنقطة الماء التي تسقط من السماء، ما يلبث أن يندمج بالاخرين، لا يتميز من غيره في القبيلة التي باتت تسمى اعتباطيا، حزبا أو مذهبا أو طائفة دينية. كيانات هي كتل مائعة تسيل تبعا لانحناءات الأرض، من دون توقف، إلى أن تنسرب إلى باطنها أو تتبخر وتتلاشى. وليس مستبعدا، في بعض الأحيان، أن يتحجر الإنسان الفاقد الإرادة، فلا يتبدل موقعه ألا إذا شقته مطرقة، او أصابته ضربة قدم، أو رفعته يدُ وجعلته لبنة في سـد، بقصد حبس سيلان الكتل المائعة ومنع جريانها حتى لا تلتقي ولا تتجدد. ما كاد ينسدل الستار بعد مسرحية القس الأمريكي وما كان لها من أصداء غطت أرجاء المعمورة، حتى طلع علينا رجل دين من لندن ليعلن مثل صاحبه الأمريكي، عن نيته في إقامة حفل للإساءة إلى زوجة النبي التي كان لها دور بارز في صراع المسلمين على الخلافة في المرحلة التي أعقبت مقتل ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان، أي أن هذا الرجل’وجد أن الوقت مناسب لكي ينبش صراعا نشأ بين المسلمين، في سنة 35 للهجرة ـ 655 ميلادية. أغلب الظن أن العصبية القبلية التي عادت إلى الظهور، منذ يوم السقيفة هي التي مدته بأسبابها. ما يهم هنا، ليس ما قاله هذا الرجل، ولكن لماذا كان قوله مسموعا، فتلقفه بعض الناشطين والجهات الحزبية والرسمية؟ وبكلام أوضح، أن الضجة التي أحدثها دليل على أن الفكر المذهبي أدى إلى استشراء الأمور في ديار العرب، استشراء بلغ حد الخطر الكبير، إذ من المحتمل أنه لو اشتعلت الفتنة التي وقعت بعد مقتل عثمان، من جديد، في هذا الزمان وفي ظل الظروف السائدة في بلاد العرب، لكانت نتائجها على العرب وعلى تراثهم، بالقطع، محقا وهلاكا. ‘الإنسان حيوان سياسي’ حسب مقولة أرسطو الشهيرة. بمعنى أن على الإنسان المتحضر أن يقوم بواجباته في المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه وعليه أن يحرص بالمقابل على الاستفادة من حقوقه كاملة. وفي هذا السياق يجب عليه أن يكون أهلا للقيادة، إذا ما أوكلت إليه مهام السلطة، وأن يقبل بمقرارات الحكم إذا ما تم اختيار غيره للقيام بأعبائه، استنادا إلى مبدأ ترتكز عليه دعائم الدولة، يقضي بأن للمواطن دوره في تحديد المسار الذي يلتزم الجميع بسلوكه، بعد نقاشه وإقراره. غني عن البيان أن هذا التصور بعيد كل البعد عن الدولة العربية. لعل السمة البارزة لهذه الدولة، هي عدم المساواة بين الناس الذين يعيشون في ظلها، وتمايزهم ليس بحسب كفاءاتهم، وأخلاقهم، ولكن اعتمادا على نـَسبـِهم وحسبهم، اللذين يتستران في بعض الأقطار بالدين، فتظهر بلون هذا المذهب أو ذاك. ولكن فشل هذه الدولة العربية وانحلالها في بعض الأقطار، انحلالا بلغ حدا لا بـُراء منه، إنما بدأت تظهر نذرهما، بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967 حيث تـَجلـى عجز الأنظمة الوطنية العربية، في مصر وسورية والعراق، عن مواصلة التصدي للمستعمرين الطامعين بثروات البلاد العربية وبسط نفوذهم وهيمنتهم على شعوبها. ومهما يكن فان هذه الأنظمة، ورغم قصورها عن انجاز ما وعدت به عندما استولت على الحكم، في مجال بناء الدولة الحديثة وتأهيل المواطن المسؤول، قادت حركة مناهضة للاستعمار تحت عنوان العروبة والمصير المشترك وضرورة التضامن بين الشعوب العربية. ولا شك أن الأنظمة الوطنية، على الأقل في بدايات ممارستها السلطة في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، استوحت خطابها من أدبيات حركات النهضة العربية، التي تباينت مواقف مكوناتها بين الدعوة إلى اصلاح نظام الدولة العثمانية، والدعوة إلى الانفصال عنها وبعث روح وكينونة الهوية العربية. علما بأن حركات النهضة تأثرت بدورها بما أنجزته بعض الدول الأوروبية في ميدان الفكر والعلم، فتمكنت، بناء عليه، من تحقيق اصلاحات سياسية كبيرة وتطوير الإنتاج الزراعي والصناعي، وبناء جيوش قوية. خلاصة القول، ان حركات النهضة العربية جعلت، هي أيضا، اتحاد الشعوب العربية هدفا رئيسا في سلم أهدافها وغلـّبت المشترك الثقافي والجغرافي الذي يتسع للجميع على أساس الأخوة العربية، على الفرقة والنعرات التي تحتوي عليها ضمنيا الطروحات الطائفية والمذهبية. تمظهر ذلك بصورة جلية في لبنان حيث شكلت الناصرية، وحزب البعث معا، المحور الذي دار في فلكه التيار السياسي العروبي في لبنان، في مقابل محور آخر مـثـّـل نقطة الارتكاز بالنسبة للذين ظلوا حريصين على علاقاتهم بدول الغرب الاستعمارية. لقد اتخذ هؤلاء من الطائفية السياسية، وتحديدا من الزعم بوجود خطر يتهدد الوجود المسيحي، أو بخصوصية الوضع اللبناني، غطاء لتبرير ميولهم نحو الاستقواء بالنفوذ الغربي. يلزم القول هنا توخيا للدقة، ان من الخطأ الاعتقاد بأنهم كانوا يمثلون المسيحيين جميعا، وأن زعماء مسلمين، عرفوا بولائهم للأنظمة الرجعية العربية التي وقفت بوجه الناصرية، لم يصطفوا خلف الواجهة الطائفية السياسية المسيحية ولم يقدموا لها الدعم المعنوي والمادي.

وقصدا للاقتضاب، يمكن القطع بأن المشهد لم يتبدل على الساحة اللبنانية كثيرا بعد وفاة جمال عبد الناصر، ودخول فصائل المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، نتيجة لهزيمتها أمام الجيش الأردني، في أيلول/سبتمبر 1970. غير أن النهج الذي سلكه الرئيس المصري أنور السادات، منذ أن أمسك بالسلطة، وخلال حرب تشرين 1973، وما تبعها، قاد إلى منعطف كبير، واستهل مرحلة من التراجعات والتنازلات عن المبادئ والثوابت والحقوق، بلغت حدا لم يكن في الحسبان، تبعا لأسوأ التوقعات. لقد أطلق الرئيس المصري أنور السادات يد الولايات المتحدة الأمريكية في تطبيع العلاقة بين بلاده من جهة وبين اسرائيل، فأوكل هذا الأمر الى مندوبي الإدارة الأمريكية، الذين سارعوا إلى مد الجسور بين الطرفين، المصري والإسرائيلي، وإلى خلق علاقات بينهما، تدعمها المعاهدات والاتفاقيات، منها ما أعلن عنه ومنها مازال طي الكتمان. وبكلام أوضح، انسحب النظام المصري من جبهة التصدي العربي للمشروع الاستعماري الصهيوني. نجم عن ذلك اختلال حاسم في ميزان القوى، ليس بين اسرائيل وقوى المقاومة العربية وحسب، وانما على الساحة العربية نفسها أيضا، بين المقاومة من جهة ودعاة التطبيع من جهة ثانية. بمعنى آخر، صرف النظر عن هدف التحرير وتحول الصراع ظاهريا إلى صراع عربي عربي، على شروط التسوية وحجم التنازلات، إذ كانت الولايات المتحدة الأمريكية لاعبا أساسيا فيه، بما هي صاحبة نفوذ كبير في المملكة السعودية على وجه الخصوص، وفي دول الخليج العربي بوجه عام. كانت ايران في سبعينات القرن الماضي، ضمن دائرة هذا النفوذ. من نافل القول ان السعودية هي ركن مركزي للسياسة الأمريكية في المنطقة العربية والبلاد الإسلامية عامة، واستطرادا في كل مكان يوجد فيه المسلمون. فما تحصل عليه من عائدات النفط وما لها من سلطة معنوية لكونها بلاد الحرمين الشريفين، من شأنهما أن يقويا سلطتها السياسية، ويجعلا كلمتها مسموعة، في مجتمعات أوهنها الجهل والفقر والعجز ونخر جسمها الفساد والاستبداد. لا يختلف اثنان، حسب اعتقادي، على أن السعودية لعبت دورا سلبيا في كل من الصومال وأفغانستان وباكستان والعراق واليمن ولبنان. ولا شك أنها بذلت كل ما في وسعها لإغراق منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وتشجيع الانحراف عن هدف التحرير. وبالعودة إلى الساحة اللبنانية، فان المتغيرات تمثلت بدخول العامل الايراني بعد انتصار الثورة الخمينية سنة 1979 من جهة، في مقابل تعاظم الدور السعودي والتدخل الإسرائيلي السافر من جهة ثانية. وبتعبير صريح، إن هذه الأطراف الثلاثة تقف إلى جانب حلفاء لها، على الساحة اللبنانية في صراع تدور رحاه، على الساحة اللبنانية نفسها وليس بين لبنان من ناحية واسرائيل من ناحية ثانية. فمن المعروف، أن الإسرائيليين كان لهم مطلبان من النظام السياسي في لبنان. أولهما اخراج فصائل المقاومة الفلسطينية، وثانيهما انهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين والموقف اللبناني تجاه اسرائيل، عن طريق توطينهم، مما يسهـّل تطبيع العلاقات بين البلدين. هذا كله كان واضحا، وضوح الشمس أثناء احتلال لبنان سنة 1982، عندما أخذت الفصائل الفلسطينية وجهة المنفى التونسي، وأبرمت الحكومة اللبنانية اتفاقية بينها وبين الإسرائيليين في 17 أيار/مايو 1983. ولكن سرعان ما تبين، أن الساحة اللبنانية لا تحتمل مثل هذه الاتفاقية، لا سيما أنه بدا أن الطوائف والمذاهب في لبنان، قد لا تتوزع تكاليفها، كما هي العادة في هذا البلد، بالتساوي. لذا تراجعت الحكومة اللبنانية عن فعلتها، وأبقى الإسرائيليون على قواتهم في جنوب لبنان، لمقايضة انسحابهم، بتحقيق مطالبهم الأخرى من وراء الغزو. من البديهي، أن أنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، أي توطينهم، سوف يكون له في هذا البلد بالذات انعكاسات على التوازنات الطائفية والمذهبية، ومن هذا المنظور، يرفضه المسيحيون والمسلمون الشيعة، فضلا عن أن توطين اللاجئين يعني ايضا تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، لان هذه القضية هي قضية اللاجئين، أولا وأخيرا. واستطرادا طي صفحة فلسطين، وفتح صفحة جديدة أمام المشروع الصهيوني الاستعماري في المنطقة العربية، لا يصعب التنبوء بما تحتويه بالقياس على ما حلّ في فلسطين.

أما الدلائل، على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي العقدة للحل، وأن تأثير الأطراف والعوامل الخارجية واضح وملموس في هذا الميدان تحديدا، فيمكن أن تـستشف لنا من خلال المعارك الطاحنة التي دارت بين الميليشيات المسيحية نفسها، وفي صفوف المسلمين الشيعة، وكذلك داخل المخيمات الفلسطينية. من المفيد أن نشير هنا إلى أن هذه المعارك تـُسقط ما يتردد من أقاويل في الراهن، عن أن الاحتقان في لبنان هو احتقان ديني ومذهبي. فلو أردنا أن نوجز بأسطر قليلة ما جرى في جنوب لبنان، بعد إلغاء اتفاقية 17 أيار/مايو الآنفة الذكر، لقلنا ان المقاومة خاضت حرب عصابات ضد قوات المحتلين، إلى أن تمكنت سنة 2000، من طرد الغزاة وتحرير الأرض. لقد استفادت هذه المقاومة من الدعم الايراني. وايران لها مصلحة، قطعا، كدولة وليست كمؤسسة خيرية، في دعم المقاومة وفي تقويتها، ولقد ظهر مستوى هذا الدعم، بأنصع صوره، في حرب تموز/يوليو سنة 2006، التي أرادت اسرائيل بواسطتها، أن تلقى المقاومة في الجنوب نفس المصير الذي لقيته الفصائل الفلسطينية أثناء غزو لبنان سنة 1982. ولكن ماذا لو تخلت ايران عن المقاومة وقبلت بتطبيع العلاقات بينها وبين اسرائيل؟ هل يبرر الموقف الإيراني، الحرب التي تعرضت لها بين 1980 و1988، ثم صرف مليارات الدولار على شراء السلاح، استعدادا لشن الحرب عليها من جديد.

في المقابل استفادت المقاومة بدورها أيضا، من وقوف ايران إلى جانبها، لانها أحكمت سيطرتها على الجنوب اللبناني، ووظفت انجازاتها وتضحياتها في المعارك ضد المحتلين للحصول على شرعية تمثيل المسلمين الشيعة، أو جزء كبير منهم، في إطار نظام الحكم اللبناني المركـّب على الطوائف والمذاهب. وبناء عليه، فإن أقصى ما تطمح إليه هذه المقاومة، على الساحة اللبنانية، هو مواجهة أي عدوان يقع على الجنوب والحؤول دون طمس القضية الوطنية الفلسطينية وتوطين اللاجئين الفلسطينيين. ولا بد هنا من التذكير، بأن نفوذ المقاومة وسيطرتها لا يتعديان، بأي حال من الأحوال، حدود المناطق التي يسكنها المسلمون الشيعة. وبصريح العبارة لا تستطيع المقاومة ان تخضع لسيطرتها مناطق يسكنها غير المسلمين الشيعة. ولو حدث ذلك، لاتخذ منه أكثر من طرف خارجي ذريعة للتدخل، بشكل أو بآخر. ينبني عليه، أن المقاومة لا تضع في حساباتها، بعد تحرير الجنوب، مهمة تحرير لبنان أو الاستيلاء على الحكم فيه، كما أنها لا تستطيع المبادرة بقرار مستقل منها، إلى شن حرب عصابات ضد الإسرائيليين في فلسطين المحتلة.

لماذا، إذن التهويل على الناس بخطر المقاومة ولماذا التحريض ضدها؟ ما دامت لا تسعى إلى الاستيلاء على الحكم في لبنان، ولا تستطيع مهاجمة الإسرائيليين إلا في حالة تصديها لعدوان يقومون به. ولعل الإجابة على هذين السؤالين، هو أن وجود المقاومة يمثــل عقبة دون تطبيع العلاقات بين اسرائيل ولبنان، وإذا كانت هذه الإجابة صحيحة، فإنها تسلط الضوء على مواقف بعض الأنظمة العربية، وفي طليعتها النظام الملكي السعودي، وكيف أن هذا النظام يفرض قراءة خاصة للدين، ليس مستبعدا أن يكون للمستشارين الأمريكيين يد في صياغة نصوصها، تجعل من الدين أداة للتكفير والفرقة. أليس من صنع الأمريكيين أن يقطع حبل المشنقة في يوم عيد الأضحى، الرئيس العراقي بينما كان ينطق بالشهادتين؟ كاتب لبناني[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية