أليس فيكم رجل رشيد؟

حجم الخط
0

لقد كنت في إجازة طوعية أراقب وأنظر وأدعو، كي يحل في وطني السلام والأمن والرفاهية والاستقرار، ولم أكن أرغب والله يعلم قبل هذا اليوم في الكتابة عن الحكومة متى؟ وكيف؟ وأين؟ لأني أدري إن هذا الشأن يكثر فيه القيل والقال، وفيه تُسد الآذان وتعمى العيون، وكل ما فيه أقرب للثرثرة منه إلى الكلام المفيد، إذ في مجمله ضار غير نافع، كما إني التزمت الصمت ظناً مني أو هكذا كان يُخيل إليّ لعل في القوم رجلا رشيدا، رجلا يخرج بعيداً عن دائرة الأنا الذاتية يفكر ويعمل من دون حساب في المكاسب والأرباح، وكنت في ذلك حسن النية ولا زلت.

ولكن حينما طال أمر تشكيل الحكومة وكل يجد إنه صاحبها دون سواه، وحين بدت ريحهم نتنة كان يجب عليّ التنويه والتنبيه، خاصةً والعراق وشعبه يمر بفترات من العيش النكد الضيق العسير من الفقر والفاقة والعوز، بدا ذلك واضحاً للجميع في شهر رمضان وعلى شاشات التلفزيون، إن الافاً مؤلفة من جماهير الشعب تعيش من غير مأوى وتستظل بالسماء ولا مغيث ولا معين واعوان الحكومة ومريدوها يسرقون وينهبون ويتنعمون بخيرات الوطن من غير رقيب ولا حسيب، بل والنافذون منهم يتنابزون بالألقاب يشتمون بعضهم البعض ويسقطون بعضهم البعض وينعتون بعضهم البعض بكل ماهو قبيح وسيئ، والغريب إن هؤلاء النفر من شرذمة القوم يدعون الوصل بليلى من غير دليل، وليلى هذه أكل الدهر عليها وشرب. نعم كنت قاصداً الصمت لكي لا يقال إنني مع هؤلاء على أولئك أو إنني مع هذا الفريق على غيره، مع علمي ويقيني بإن الجميع في هذا واحد، أقول إنهم جميعاً سيئون فاسدون وشرذمة لا يصلحون حتى لرعي البقر والجمال، وإن العيب ليس فيهم وحدهم انما العيب فينا جميعاً، هي جينات نتوارثها جيلاً بعد جيل وزمن بعد زمن، إذن هو مرض قديم عاصر الأجيال التي توارثت سكناً على هذه الأرض، فالثقة بين الجميع معدومة وحُسن النية مفقود بين الجميع وسوء الظن هو السائد بين الحاكم والمحكوم، والعمل ليس للخير والصلاح بل للكسب الحرام على حساب قوت الشعب وعيشه، وهذا الوصف هو ما يميز هذا الجيل من السياسيين الآن في العراق.

وإذا كنا ننقم من صدام جهله وعنجهيته وظلمه وغباوته، فإننا اليوم أشد نقمة على من ضلل الناس وأفسد عليهم رأيهم ودنياهم، مكثرين بين الناس الفساد والرشوة والسرقة وإنعدام الأمن وفقدان الشعور بالمستقبل والفوضى وعدم الوضوح، وانعدام الاحساس بمفهوم الوطن وغياب مفهوم الهوية للوطن، وأكاد أجزم من غير تردد انه ليس في العراق اليوم من أحد يمكنه الكلام بثقة واطمئنان عن هوية العراق المستقبلية، وكيف يجب ان تكون؟ نعم نسمع هناك بين الفينة والأخرى ثرثرة عن الديمقراطية وعن الجد في تحقيق رغبات ومصالح الشعب، هو كلام كما نعلم وتعلمون لا يسمن ولا يغني من جوع، فسرائر الناس تحكمها دول الجوار وتتحكم بها، والإرادة الوطنية غائبة والشرف الوطني ممتهن، فطوراً مع إيران وبين أحضانها وطوراً مع سورية ذماً وقدحاً ومصالحةً، وثالثة الأثافي التنقل بين دول الخليج نمنيهم ونعدهم الاستثمار والشراكة في السياسة والاقتصاد والعمل والتنمية.

أنا واثق أنه لن يطول انتظارنا كثيراً، فالعالم الحر بالخفاء والعلن مع من يرفع الضيم ويكشف عن وجه العراق المشرق الجديد، وهو معه يسانده في حركته وحراكه واليوم الموعود بات قريبا جداً، وفي ذلك أرجو أن لا يقول أحد منكم إن ذلك غير ممكن في ظل وجود الجيوش الخارجية، أقول بل إنه الممكن الوحيد بعد خراب كل شيء وفساد كل شيء ولا بديل، ولعل تلك الجيوش هي من تدفع بهذا الاتجاه بالخفاء والعلن، فهل فيكم من رجل رشيد؟ يتصدى للمهام قبل فوات الآوان يتصدى بالحكمة، آخذاً بعين الاعتبار مصالح الشعب الوطنية، يعمل مع الجميع وفي سبيل الجميع ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضنك والضيق إلى سعة الوطن وإنسانية الإنسان فيه، فتحقيق مصالح الشعب واجب وطني وأخلاقي وشرعي ومن أجلها يجب عمل كل ما يلزم.

راغب الركابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية