‘اللي نزل الشارع’ للمخرج اسلام امام:
نادر رفاعي ‘ فكرة قيام أحد الأشخاص بالدخول في مغامرة تقع أحداثها في ليلة واحدة أو يوم واحد، يكتشف خلالها العديد من الأشياء التي كان يجهلها، ويتأكد أن حياته السابقة عبارة عن سذاجات، وأن حالة الارتياح التي انتابته طيلة المدة السابقة، لا يبررها تصالحه مع ذاته، وإنما ترجع إلى كونه إنسانا سلبيا، غير مدرك لحقيقة الواقع الموجود حوله، قد تم تناولها في العديد من الأعمال المصرية مثل فيلم (البحث عن سيد مرزوق) إخراج داود عبد السيد، كما قامت عليها عدة أفلام أجنبية مثل (collateral) بطولة توم كروز وجيمي فوكس، وإخراج مايكل مان، وتم إنتاجه عام 2004. يستوحي المخرج إسلام إمام فكرة مسرحيته (اللي نزل الشارع) من إحدى الحلقات التلفزيونية القصيرة للمخرج وودي ألان، وقد تم تقديمها أكثر من مرة عن طريق بعض الفرق المسرحية في إيطاليا، ومن المعروف أن المخرج وودي ألان يميل في معظم أعماله إلى السخرية من الواقع السينمائي والأدبي في بلاده، وهو ما يظهر بوضوح من خلال فيلمي (anni hall ـ Hollywood ending) حيث قدم في الفيلم الثاني هجائية ساخرة لصناعة السينما في العالم، مؤكداً ضحالة تفكير النقاد الفرنسيين، من خلال قيام مخرج بتنفيذ أحد أفلامه أثناء إصابته بعمى مؤقت، وعلى الرغم من المستوى الرديء للعمل، فإن النقاد الفرنسيين يعتبرونه أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، ومما لا شك فيه أن العمل المسرحي الذي كتبه وأخرجه إسلام إمام إنما يسعى بشكل رئيسي إلى إلقاء الضوء على العديد من السلبيات الموجودة في المجتمع المصري بشكل كوميدي ساخر. انطباعات سريعة يحسب أولا للعرض رخص سعر تذكرة الدخول للعمل، وعلى الرغم من ذلك فقد لاحظت أن أغلب الموجودين داخل العرض إما أصدقاء للأبطال، أو من طلبة وخريجي معهد الفنون المسرحية، وخيل لي في هذه اللحظة أن العمل موجه إلى الجمهور المتخصص وليس العادي، كما فوجئت عند ذهابي لقطع التذاكر بوجود أفيشين ضخمين لمسرحية (سي علي وتابعه قفة) بحيث يتصور المشاهد أن هذه المسرحية هي التي تعرض داخل مسرح السلام، أما بالنسبة لتصميم الأفيش فنلاحظ تعبيره عن مضمون العمل، حيث يجلس كل من رامي الطمباوي ونفرتاري، وهما الممثلان اللذان قاما بأداء شخصيتي الزوج والزوجة، على الأرض ويقومان بتنظيف أحذية اثنين من أبطال العرض وهما ريم حجاب ـ أحمد عبد الهادي، في إشارة إلى الإذلال الذي يتعرض له الزوجان طوال العرض المسرحي. ملخص العمل تدور أحداث المسرحية حول قيام الشرطة باقتحام منزل أسرة مكونة من الزوج محمود (رامي الطمباوي) والزوجة سناء (نفرتاري)، حيث يطلبون مساعدتهما في القبض على السفاح الذي أصاب البلاد بالذعر، وعندما ينزل الزوجان إلى الشارع، فإنهما يتعرضان للعديد من الإهانات المختلفة، تصل إلى ذروتها عندما يتهم البطل بأنه هو نفسه السفاح الذي يبحث عنه الجميع، لينتهي العمل باكتشاف البطل وزوجته أن السفاح لا يزال حياً. الحبكة تتكون أحداث المسرحية من ستة مشاهد طويلة، يدور المشهد الأول داخل المنزل، بينما بقية أحداث العمل تقع في الشارع، ويسخر المؤلف عن طريق الحوار من أغلب المشاكل التي تواجه البلاد، ويظهر ذلك في عدة مواضع، مثل اختيار اسم الكتاب الذي يحتوي على جميع الفتاوى الدينية وهو (رحلة الشاي الشريب بين الشاي والحليب)، وقيام أحد رجال الشرطة بتقليد شخصية كرتونية ظهرت مؤخراً على شاشات التلفزيون بقوله ( إبقى قابلني في الحلقة الجاية)، وردود أفعال الشرطة عندما طالبهم البطل بإعادة أمواله فينطق كل منهم باسم أحد المسلسلات التلفزيونية (المال والبنون ـ الشهد والدموع)، بالإضافة إلى السخرية من نمط (فتاة الليل) ضحية الظروف، الذي تكرر في العديد من الأعمال. وإذا كان البطل يقبع طوال العمل في انتظار السفاح، فإنه يقابل عدة نماذج لا تقل وحشيه عن القاتل الغامض، بل انها تساهم في تدمير مجتمع بأسره من دون أن يطولها أي قانون مثل (الدعاة الجدد ـ نواب القروض)، ولذلك فإن نهاية العمل وهي عدم القبض على السفاح، إنما تشير إلى أن الخطر لا يزال مستمراً، ولن نستطيع إيقافه، ونحن نلاحظ أن الشرطه قبل النهاية بدقائق قليلة أعلنت عن قيامها بالتخلص من شخصين، في تأكيد على أن العدو لا يقتصر على جهة واحدة وإنما يحيط بنا من كل جانب. الشخصيات تعتمد المسرحية بشكل رئيسي على شخصيتين هما الزوج وزوجته، أما بالنسبة للزوج فهو شخص ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، شديد الجبن (يطلب من زوجته الصعود إلى المنزل حتى يستطيع الهرب عندما يحضر السفاح ـ يوافق صاغراً على إعطاء فتاة الليل كل أمواله)، يبدو قانعاً بحياته البسيطة (فهو يتمنى أن يموت على فراشه بهدوء، وأن يسافر إلى إحدى المدن الساحلية بصحبة زوجته وأطفاله)، أما الزوجة فهي ربة منزل تقليدية، تعمل مدرسة، يشير النص إلى قيامها بإعداد طعام الغداء أثناء وجودها في المدرسة (في تكرار مقصود للنمط التقليدي للموظفة الذي تم تقديمه في أفلام سينمائية مثل (الأفوكاتو ) للمخرج رأفت الميهي)، وتحاول أن تجعله أكثر شجاعة، ويؤكد المؤلف أن هذه الطبقة التي تحمي نفسها بقشور خارجية، تنهار أمام أول اختبار، وذلك عندما تنبهر الزوجة بمنطق فتاة الليل، وتحدث زوجها عن استعدادها لترك وظيفتها والعمل معها. المكان والزمانبالنسبة للقاعة التي تم عرض المسرحية بداخلها أرى أنها جاءت مناسبة لطبيعة العرض ففي كثير من أجزاء العمل كان الممثلون يتحركون في الفراغ الذي يفصل بين صفي المقاعد بسلاسة واضحة، مع ملاحظة عدم وجود فاصل بين المكان المخصص للجمهور والمسرح الذي يؤدي عليه الممثلون عرضهم، وبالتالي فإن المخرج قد نجح في الاستفادة من طبيعة المكان المحدود لخدمة النص، أما بالنسبة للأماكن الموجودة داخل العرض فإنها تقتصر على مكانين هما غرفة النوم الخاصة بالزوجين والشارع، ونحن نلاحظ أن قطع الديكور إنما تم تصميمها بشكل يجعلها مناسبة لتحقيق أكثر من وظيفة، مثل سرير الزوجين الذي تحول بداية من المشهد الثاني إلى كشك مغلق، كما أن قطع الأكسسوار إنما تعبر عن طبيعة المكان الذي تدور الأحداث بداخله، مثل ماسورة المجاري التي تسقط منها المياة القذرة على البطل، وصندوق القمامة المثقوب من الأسفل، وإذا كان مصطلح (المهمات المسرحية) يطلق على كل الأدوات والأشياء التي تستخدم في تحقيق الأحداث المسرحية داخل العرض، فإننا نلاحظ احتواء العرض المسرحي على هذا النوع من (أداء الأشياء) مثل النظارة التي يرتديها البطل ولا يتمكن من الرؤية بدونها، والقداحة التي يمسك بها قائد الشرطة، ويضغط عليها، في مشهدي البداية والنهاية كلازمة مرئية تصاحب ظهوره، وكأنها تمثل البطل وزوجته اللذين يتعمد قمعهما.
أما بالنسبة للزمان، فإن زمن كتابة النص هو نفسه زمن عرض النص (2009)، وبالنسبة للزمن الذي تدور فيه أحداث العمل فهو ليلة واحدة، حيث ينتهي العرض قبل مجيء الصباح. الملابسعبرت الملابس عن المستوى الاجتماعي المتواضع للأسرة من خلال الفانيلة الممزقة التي يرتديها محمود، أما بالنسبة للملابس الخاصة برجال الشرطة فنلاحظ سيطرة اللون الأسود عليها، مع وجود جمجمة على السترة الخاصة بكل ضابط، وتضفي الملابس في بعض الأحيان حساً فكاهياً على الأحداث، ويظهر ذلك في مشهد دخول أفراد الشرطة وكأنهم مجموعة سيدات يعملن كراقصات، من خلال ارتداء أحدهم (أمجد الحجار) لحذاء على شكل كلب. الإضاءةيقوم مدير الإضاءة في كثير من أجزاء العمل بتركيز الإضاءة على كل من الزوج والزوجة في لحظات انكسارهما، مثل الجزء الذي يتحدث فيه محمود عن أحلامه، وينتهي بأن يدعو الله أن يسامحه، كما تعبر الإضاءة عن حالة الصدمة التي تنتاب البطلين، فعلى سبيل المثال، يتغير شكل الإضاءة عند دخول رجال الشرطة في بداية المسرحية، عن أسلوب توزيعها على خشبة المسرح أثناء وجود الزوج والزوجة على الفراش قبل دخولهم. الإخراجمن المعروف أن هذه المسرحية لا تعتبر التجربة الأولى للمخرج إسلام إمام، حيث قام بإخراج العديد من الأعمال نذكر منها (محاكمة غانم سعيد ـ مجند 311 ـ تحب تموت ازاي)، أما بالنسبة لعمله الأخير (اللي نزل الشارع)، فإنه يتعمد التعبير عن الانفصال الواضح بين رجال الشرطة والزوجين من خلال تبادل أمكنتهما على المسرح بحيث يقف أحد الطرفين في مقدمة المسرح، بينما يقبع الطرف الاخر في العمق، ويعبر عن سيطرة الشرطة على الزوج من خلال قيامهم بإحاطته من كل جانب، عندما يتهمونه بأنه السفاح، ويتعمد المخرج في توجيهه للممثلين أن يجعل أداءهم يحمل قدرا من المبالغة، وهو ما يظهر بوضوح في تضخيم قائد الشرطة لصوته، وميل أحد الممثلين (أمجد النجار) إلى استخدام طبقة صوت مصطنعة في مختلف الأدوار التي قام بتجسيدها، ولكن المخرج يفشل في توظيف الأغاني، فهي تعبر عن أفكار سبق توصيلها للمشاهد عن طريق الحوار مثل أغنية (أنا حد بسيط)، التي جاءت بعد مونولوج البطل عن أحلامه المتواضعة. ‘ ناقد من مصر