محمد الشحري
يرحلون في الغبش في الساعات الأولى من الضياء، قبل أن تميز بين الذكر والأنثى، وقبل أن تذر الشمس ضياءها على الشعاب والأودية والأخاديد المحفورة في خاصرة الجبل الأجرد. كل شيء هنا موهوب للجدب والخلاء المنهوب من البشر، فقد حلت القوارض وبنات آوى والذئاب والثعالب والخنافس محل القوم الرحل، الذين سيحلون محل الهدوء ومكامن الصمت في بقعة أخرى من أرض مهددة بالغزو الآدمي. تسبق النوق رعاتها إلى مرتفعات ( أقصيص)، فلا شيء يحفزها على البقاء في ( صولوت) لا شجيرات مخضرة ولا أعشاباً، فأسماك السردين المجففة لا طعم لها، ولم تعد الإبل تستسيغ أكل لحم الموتى بعد أن هبت الرياح المحملة بالرحمة، وحيث يرخي الخريف ضبابه على الجبال الشاهقة، ويطارد الحرارة إلى تخوم البادية، فيقف الضباب حاجزا مانعا توغل لهيب الصيف إلى الهضاب الخضراء والغابات المسكونة بالرعاة الابليين، سلالة الأقوام الموغلين في التيه. رجال حفاة من الزيف وعراة من التكلف، يسابقون الريح في خطواتهم نحو الانعتاق من الجمود، ويعاندون البطء في حركاتهم، كل ما لديهم موهوب للإبل وما فاض من ذلك لبقية العائلة، هكذا هم رعاة النوق رجالا كانوا أم إناثا. يقول الذي يرى ولا يُرى ‘ حينما هبط الرحيل من السماء تلقفه الراعي الإبلي وأودعه سرا في غور كينونته فلا يكشف عنه ولا يبوح به لكائن من يكون’. هذا السر يتوارثه الراعي الإبلي جيلا بعد آخر.
يفاضل الرعاة بين مكان وآخر حسبما تؤتي الطبيعة أكلها، فيشدون الرحال أو يسكنون، فيتشبثون باللحظة في الخط الفاصل بين السكون والعاصفة أو في المساحات الموهوبة للتلاشي الأبدي.
يردد أحد الرعاة هذه الكلمات بينما هو راجع من المراعي في المساء.
ـ يا ساكني الأوطان المؤقتة نذرت نفسي وما بقي مني لاقتفاء آثاركم المحفورة على جدران الطواف في صفحات الزمن الغابر، على تقلبات الأيام والفصول وتبدل الأمكنة.
كل ما يملكه الرجال الإبليون مرهون للطبيعة الرحيمة بالكائنات، أو قد نذروها للدهريين وأهل الخفاء.
لا خيار هذه المرة ( للإبليين) في البقاء أو التريث، فالإبل هي التي تقرر موعد الذهاب، ولا حاجة ( للفينق) ولا لآرائهم في البقاء أو الرحيل، فحينما تتلبد السماء بالسحب الركامية المائلة إلى اللون النيلي، وتتسلل السحب تحت الشمس فتخفيها عن الأرض أياما وربما أسابيع، ويحل الظلام في النهار، ويرتفع موج البحر مُسمعا هديره لمن يسكن في البوادي، تعرف الإبل أن الأشجار الناعسة في البيات، ستوقظها من السبات قُبلات الرذاذ القادم مع الضباب الجنوبي، الواعد بخلط الرعاة المقبلين من شعاب وفجاج الأرض، في مبارك ومناخات متناثرة على جلد الريف المخضرّ، لذلك تنزع النوق زرافات ووحدانا، دون استئذان أصحابها الذين ( يرصنون **) الحور لعل الأمهات تبقى مع صغارها.
لكن للخريف دغدغة خفية، يسلب الناقة أمومتها ويحرّضها على التمرد، فتقلب الفصول وتجدد الطبيعة، يفعل فعلته ويؤثر على الكائنات، أو ربما الذكرى الساكنة في ذاكرة النوق أو الحنين للمنازل والمبارك، أو كليهما معا مما يؤثر على الناقة، فترفس كل شيء خلفها، الابن والمالك والديار، وتيمم صوب الجبال الخضراء، منفلتة من الرعي المؤقت بعصي رعاة مزعجين يختارون للإبل مباركها، ويسوقونها في الصباح مبرحين جلودها بالسياط إن لم تتبع الأوامر. كأن الإبل حين تنزع تتحرر من الراعي المسكون بالهواجس والغيرة من رفاقه في المرعى والرحيل. يقول أصحاب الإبل ‘ النوق لا تستأذن الكُسالى، ولا تطيع الحمقى’. ـ ‘ لا بد لنا من التنقل إلى هناك، حيثما اختارت النوق محلها من المكان’ يقول بن سعيدان كبير القوم، ويستدرك كلامه ‘ ولكن علينا أن نعلم جيراننا بعزمنا على الذهاب. لا يمكن أن نخرق النواميس المتوارثة من الآباء الرُحل’. ـ هل تظن أننا سنرحل دون أن نعلم شركاءنا في المحل والديار، أرسلت إليهم بالأمشضس ولدي، لكنهم فضلوا التريث ريثما يرجع الرجال من منازل اللبان، وتشفى ناقتهم التي تورّم ضرعها’، هكذا ردّ أجهام الإبلي، الرجل المتأزر بالخرقة النيلية، والمتوج ( بالمحفيف) على الشعر المنفوش، وقد يتحول المحفيف إلى عقال يأسر به الجمل، حامل أمتعة الظاعنين. رد بن سعيدان: ‘ إذن خير ما فعلوه، معهم الحق لا يمكن أن تحمل النوق فوق طاقتها، ولا تستطيع الناقة أن تسير هذه المسافة وضرعها منتفخ’. كان الجميع متحلقين حول الموقد وهم يتناقشون أمر رحليهم، يحوّل الموقد جذوع الأشجار الكبيرة إلى رماد في لحظات السهر، كما يحول الدهر قوة الرجال وفتوتهم، إلى أجساد مترهلة خائرة القوى تثير شفقة الناظرين، وكلما خفت النار أضافوا لها مزيدا من الحطب، يُقال في الوصية المتوارثة من السلف الرُحل ‘ أيها الإبلي لا تطفئ نارك فإليها يهتدي طالب الدفء والشبع والأمان، لا تخمدها ففي اختفائها توهن شهامة العرب وكرامتهم، أبقيها سرجا يتوهج، يؤنس به الصديق ويخافه الخصم’.’ مقدمة نص أدبي طويل’ ‘ يرصنون: يربطون’ كاتب من عُمان