تقرير حقوقي: إسرائيل ديمقراطية من الدرجة الثانية وتتعامل مع فلسطينيي الداخل بعدوانية والعلاقات بينهم في طريقها للانفجار

حجم الخط
0

الناصرة ـ ‘القدس العربي’ـ من زهير أندراوس:

قال تقرير جديد، أعدّته جمعية حقوق المواطن، وصدر أمس الخميس إن أحداث تشرين الاول (أكتوبر) التي اندلعت قبل عقد من الزمان شكّلت تعبيرا حادا بالغ الإيلام عن منظومة العلاقات المعقّدة بين دولة إسرائيل والأقلّـيّة العربيّة في البلاد. فقتل 13 شخصا عربيا وعدم تقديم أي من المسؤولين للمحاكمة ولَّدا إحساسا قاسيا في صفوف المواطنين العرب بأن دماءهم مستباحة، وأضرا إضرارا جسيما بالثقة الهشّة القائمة بين الأقلّـيّة العربيّة والدولة، والمواطنون العرب في إسرائيل ليسوا مجرّد أقلّـيّة، بل إنهم أقلّـية وطن، أي أقلّـيّة كانت تعيش في المكان قبل أيام الحكم الحاليّ. وعلى العكس من الأقلّـيّة المهاجرة، لأقلّـيّة الوطن ارتباط بالأرض وبتاريخ المكان بالغ العمق، وتعتبِر البلاد (لا الدولة بالضرورة) وطنها التاريخي.

وأوضح أنّ الدولة الديمقراطيّة لا تطالب الأقلّـيّةَ، ولا أقلّـيّةَ وطن ذاتَ تاريخ وواقع كتلك التي تعيش في إسرائيل، بالتنازل عن هويّتها بغية الحصول على الحقوق، كما لا تشترط الدولة الديمقراطية منح الحقوق لمواطنيها بتصريحات الموافقة على أفكار وتصورات معينة، أو ‘الولاء’ لها، ولا تخضع مواطنيها صبح مساء لاختبارات من هذا النوع أو ذاك، هذه الامتحانات التي تطالب المواطنين العرب بالخضوع لها تنتهك – من ناحية الجمهور العام – شرعيّةَ الجمهور العربي بكامله، وتظهره كعدو، وكمن يُسمح بالمساس به متى كان. تنضاف إلى هذه المطالب خطوات إضافيّة نحو سلب الهُويّة، وإسكات الرواية الفلسطينيّة داخل جهاز التربية والتعليم، وإخفاء اللغة العربيّة، والأسماء العربيّة عن شارات الشوارع في قلب المدن وخارجها.

ويتجسّد بعد إضافيّ لإقصاء المواطنين العرب في إسرائيل في نزع الشرعيّة الآخذ بالتفاقم عن مشاركتهم في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، وتتجسد محاولات نزع الشرعية من خلال تفوُّهات أطلقها أعضاء الكنيست ومنتخَبون آخرون تجاه الجمهور العربيّ بعامّة، وتجاه ممثّليه الذين انتُخبوا بانتخابات ديمقراطيّة قانونيّة. تتكرّر في هذه التفوّهات الاتّهامات حول الخيانة ومساعدة أعداء الدولة، ومحاولة المساس بأمنها، وتحرّض الكثير منها – على نحو صريحٍ أو مبطَّن – على الاعتداء على أعضاء الكنيست هؤلاء.

ورأى التقرير أنّه في الكثير من القضايا الخلافيّة، تنـزع الدولة إلى التعامل مع الصراعات مع الأقلّـيّة العربيّة من منظور صدامي، كما تستخدم السلطات العنف بغية تثبيت الحقائق على الأرض، تتجسّد الممارسات العنيفة من خلال تواصل هدم البيوت في القرى غير المعترف فيها، المثال الأبرز من الفترة الأخيرة هو قرية العراقيب غير المعترف بها، التي جرى تهديمها عن بكرة أبيها خمس مرّات خلال بضعة أسابيع. بالإضافة إلى ذلك جاء في التقرير أنّ تصرّفات سلطات الدولة تجاه المواطنين العرب تشكّل أنموذجا للاحتذاء من قبل الكثيرين في صفوف الجمهور الإسرائيليّ. كثيرة هي الأمور التي تؤثر على الجمهور اليهوديّ وتنعكس في مواقف سلبيّة وممارسات عنصريّة تجاه المواطنين العرب، نحو: التعامل المستهتر والمستخفّ من قبل أعضاء في الكنيست، والمعاملة العدائيّة التي تمارسها قوّات الأمن، وتنكُّر الدولة لحقوق الأقليّة العربيّة، واختيارها لحلول تُمارِس من خلالها القوة بدل الحوار، وتعامل السلطات مع المواطنين العرب كأعداء، وغير ذلك.

وجاء أيضا أنّه في مجال التربية والتعليم على سبيل المثال، ثمّة فجوات هائلة بين الجمهور اليهودي والجمهور العربيّ، وتتجسّد – في ما تتجسّد – في وجود نقص في أكثر من 9.000 غرفة تدريسيّة في المدن والقرى العربيّة، مشددا على أنّ التمييز ضد المواطنين العرب هي ظاهرة قطرية، تمتدّ إلى جميع المناحي الحياتيّة (تخصيص الأراضي، التشغيل في القطاعات العامة، التمثيل في المؤسسات العامة). هذه الحقائق يدركها الجميع منذ سنين طويلة، والتوصيات قائمة، لكن الفجوات – ومعها الإحباط والاغتراب والمرارة – تكبر يوما بعد يوم. وبما أن الحقّ في المساواة هو حق أساسي في الديمقراطية الجوهريّة، فالتمييز المؤسساتي المتواصل تجاه خمس السكّان في إسرائيل يقوض دعائم الديمقراطيّة في إسرائيل. وخلص التقرير إلى القول إنّ الديمقراطية التي تضم مواطنين من الدرجة الثانية، هي بذاتها ديمقراطيّة من الدرجة الثانية (بالنسبة لجميع مواطنيها)، والواقع الذي خلقته تصرّفات الدولة على امتداد السنين، والذي فيه من بين كلّ خمسة مواطنين ثمّة مواطن من الدرجة الثانية، هو واقع يتناقض مع الأسس الديمقراطيّة، وهو واقع لا يطاق من الناحية الأخلاقيّة، ولا يتهدّد – في نهاية المطاف ـ 20 بالمئة بالمئة من المواطنين فحسب، بل يتهدّدنا جميعا. بناء على ذلك جاء في التلخيص، يتحتّم على الديمقراطيّة أن تكون لديها القدرة على احتواء الأقلّـيّات بين ظهرانيها، وأن تحترم ثقافتهم، ولغتهم، وذاكرتهم التاريخية المتفرّدة، لأن الدولة التي تفرض القيود على حقوق مواطنيها الأساسيّة في مجال حرّيّة التعبير والحرّيّات السياسيّة، والتي تميّز بين المواطنين في توزيع الموارد والبنى التحتيّة والتعليم، وتنظر إليهم كأعداء، هي دولةٌ تنتهك على نحوٍ مباشر حقوق الإنسان، وتضع قيم الديمقراطيّة، وقدرتَها على أن تسمّى ديمقراطيّة، في دائرة الخطر، ومنظومة العلاقات بين الدولة والأقلّـيّة العربيّة داخلها تمضي نحو أماكن بالغة الخطورة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية