فورين بوليسي: انتفاضة السودان عامة والخيارات أمام البشير محدودة

حجم الخط
0

لندن ـ “القدس العربي”:

كتبت المعلقة السودانية المقيمة في لندن نسرين مالك  مقالا في “فورين بوليسي” عن الإنتفاضة السودانية ضد حكم الرئيس عمر حسن البشير قالت فيه إن الإنتفاضة الحالية تضم كل قطاعات المجتمع السوداني وقد تؤدي إلى الإطاحة بالنظام كاملا. وتحت عنوان “هذه هي الإنتفاضة التي طالما خاف منها الديكتاتور السوداني الإبادي” في إشارة للرئيس البشير المتهم بارتكاب جرائم الحرب.

وقالت فيه إن المواطنين السودانيين وفي مختلف مدن البلاد بما فيها العاصمة الخرطوم يقومون بالتظاهر ضد نظام عمر البشير وحكومته، وهذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها البشير التظاهرات إلا أن التظاهرات الحالية مختلفة لأنها تعكس مختلف قطاعات المجتمع السوداني وجاءت نتاجا تنظيم خطط له واندفاع عاطفي وتمثل تهديدا على النظام.

وتعلق أن هناك أرضية تاريخية طويلة وقصيرة للإحتجاجات، فالتاريخ الماضي يمتد على مدى ثلاثين عاما، فقد وصل البشير إلى الحكم من خلال انقلاب عسكري عام 1989 وبهذه المثابة فهي الموضوع الرئيسي للمجتمع السوداني، خاصة أن مؤسسات الدولة التعليمية والثقافية والعسكرية والإقتصادية كلها سخرت لتمكين النظام البقاء في السلطة والتأكد من احتكاره لوسائل الإبتزاز الإقتصادي.

الوحشية والإهمال كانتا وسيلتي البشير المفضلتين بالإضافة لسياسة الأرض المحروقة لكل شكل من أشكال المعارضة أو التعبير عن المظلومية

وتقول إن الوحشية والإهمال كانتا وسيلتي البشير المفضلتين بالإضافة لسياسة الأرض المحروقة لكل شكل من أشكال المعارضة أو التعبير عن المظلومية، أيا كان المعارضون، المهمشون في دارفور أم العاملين في الصحافة في الخرطوم. وفي الوقت نفسه تجاهلت الحكومة مساحات واسعة من السودان ومؤسساته ولم يتم استثمارها وتركت لتنهار من الإهمال. ويحمل المتظاهرون الذين لا يتذكر الكثيرون منهم انقلاب عام 1989 على أكتافهم عبء ثلاثين عاما من النهب المستمر للدولة. هذا هو التاريخ الطويل أما القصير، فهو اقتصادي بالضرورة. فقد فقدت الحكومة السيطرة على  المواد الأساسية. وخلال العام الماضي، زادد التضخم في البلاد بمعدلات عالية جعلتها في المرتبة الثالثة في العالم. وبدا النقص في المواد الأساسية واضحا- في البنزين الطوابير الطويلة التي كانت تمتد بشكل منتظم أمام محطات الوقود. وأكثر حرجا نقص الأموال من المصارف. وأدى رد الحكومة على الازمة الأخيرة إلى حالة من الفزع بين المواطنين، خاصة أن تحديد المبلغ المسموح به من آلات الصرف الألي والحسابات المصرفية أدى لإغضاب الطبقة السودانية المتوسطة التي لم يستطع أفرادها سحب رواتبهم.

وترى مالك أن الحلول الممكنة للأزمة  يعتمد على المنظور الذي يتبناه الشخص وإن كان قصير أو طويل الأمد. ولأن الإحباط السوداني الحالي نشأ من تاريخين فإنه غذاهما معا. فهناك حاجة ماسة للخبز والبنزين والنقد والعلاج الصحي. وفي الوقت نفسه هناك حاجة لاستعادة الكرامة والعزة الوطنية من الحكومة التي لم تعد قادرة على منح أي منهما.

وتقول إن نظام البشير ليست لديه مساحة للمناورة كما في الأزمات وحتى قبل أن يتوصل إلى تشكيل رد. فمنذ انفصال الجنوب عن الشمال عام 2011 خسر البشير الثروة النفطية بالإضافة لمعاناته من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عام 1997 والتي أدت لعزلة السودان اقتصاديا. وزاد من العزلة، بل ووضع السودان كدولة منبوذة اتهام محكمة الجنايات الدولية البشير بارتكاب جرائم حرب في دارفور. وأصبح السودان يعتمد على عدد قليل من الحلفاء الإقليميين المزاجيين مثل السعودية التي لا تعطي إلا بشروط الولاء الكامل.

وتشير مالك إلى ما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز” عن مشاركة السودان بحوالي 14.000 جندي سوداني للقتال في اليمن ووضعوا تحت إمرة القيادة السعودية التي تدير المعركة عن بعد ولا تريد وضع جنودها على الجبهة.

وتقول إن مشاكل الحكومة المالية نابعة من رعايتها لشبكات داخلية مثل الجيش والشرطة وقوات الرد السريع، وميليشيات غير رسمية مثل سيئة السمعة، الجنجويد التي حلت بعد انتهاء أزمة دارفور. وظهرت ثمار الأستثمارات الحكومية في هذه القوى من خلال القمع السريع للمتظاهرين. فالقوى المتعددة الأزياء تقوم بالدخول في صفوف المتظاهرين وتطلق الرصاص الحي عليهم وتعتقل الناشطين والصحافيين ورموز المعارضة. وهناك البعض اختفى حيث تم نشرت عائلات صور أحبائها على وسائل التواصل الإجتماعي في محاولة لتحديد أماكن وجودهم. وحتى الآن قتل 40 متظاهرا ومع ذلك لم يستطع قمع الدولة وقف زخم التظاهرات.

وأدى الوضع الإقتصادي لتحطيم العلاقة الصامتة بين الدولة والنخبة. وطالما ظلت هناك طبقة سياسية في البلد قادرة على الإزدهار أو حتى النجاة فإن حالة الإحباط التي يعاني منها المجتمع المسحوق تظل غير كافية لإشعال  حركة احتجاج شاملة. ومع ذلك فحالة الشلل الإقتصادي دفعت العاملين في المكاتب والمناصب الإدارية (أصحاب الياقات البيض) للإختلاط مع  الطبقات العاملة والوقوف في طوابير الدعم. وكان البشير في السنوات الأولى من حكمه قادرا على دمج أو دفع أعضاء في المعارضة والمجتمع المدني للتعاون من خلال منحهم مناصب في الحكومة أو فرص للإثراء إلا أن عجزه عن منح فرص قد يكون قاتلا هذه المرة. إلا أن بخل البشير يبدو عندما يتعلق بالسلطة الحقيقية التي لا يمنحها لأحد. فلا يوجد رمز داخل حكومته يستطيع التقدم والسيطرة في وقت يتم فيه التفاوض على عملية انتقال سياسي سلمية. فلم يكن هناك رجل عسكري قوي قادر على إجبار حسني مبارك الإستقالة أو تسليم السلطة لحكومة تصريف أعمال. أما المعارضة التقليدية  الممثلة بصادق المهدي فقد أفل نجمها وصارت بعيدة عن المزاج العام. وتعاني المعارضة الجديدة من تشرذم. ومن هنا يفهم أن استمرار حكم البشير نابع من الفقر الواضح في المشهد السياسي وخنق أي رؤى تحاول بناء مستقبل للسودان.

لا يزال البشير يعتمد على الإسلام لخدمة مصالحه، ولا يزال يقدم حكومته على أنها حكومة الشريعة مع أنه تخلى عن المظهر الديني منذ وقت طويل

ولا يزال البشير يعتمد على الإسلام لخدمة مصالحه، ولا يزال يقدم حكومته على أنها حكومة الشريعة مع أنه تخلى عن المظهر الديني منذ وقت طويل. وأحبط البشير حركات الإحتجاج الإسلامي مثل الإخوان المسلمين والتي قادت حملات التعبئة ضد الديكتاتورية في الشرق الأوسط. وتقول إن الملمح اللاحزبي للتظاهرات جعلها أكثر انتشارا ثم دخلت إليها قطاعات المهنيين الذين ساهموا في التنظيم. وهذا التنوع يعطي التظاهرات قوة أكثر. وربما قاد الفراغ إلى بقاء البشير في السلطة أو لفظه منها. وظل السودان في الصورة العامة بلدا خاملا وساكنا وجمدت العقوبات الأمريكية التي عزلت السودان عن بقية العالم صورة السودانيين كشعب يعاني من حكومة قمعية. ولكن الصورة خادعة فالتاريخ السوداني قبل  وصول عمر البشير ومنذ تسلمه السلطة تشير إلى أن السودان شهد عمليات اعتقال وتعذيب وقتل ودفع المزيد من السودانيين إلى المنفى. وفي النهاية فهذه هي الإنتفاضة الأخيرة في تاريخ الرفض السوداني ضد حكومة تريد أن ترسل رسالة عن غياب البديل عن حكمها. وما هو واضح هو أن النظام لم يعد أمامه خيارات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية