بيروت- «القدس العربي» ـ من يارا بدر: عرضت الصالات اللبنانية مؤخراً أحدث أفلام الممثل البريطاني «رالف فينيس» وحمل عنوان المرأة الخفيّة The Invisible Woman). كان الفيلم قد حظيّ بتوقعات عالية عديدة، تتناسب وعنوان (Great Expectations) أحد أشهر أعمال الروائي «تشارلز ديكنز»، حيث حاول العمل تقديم جانب من حياته الخاصة جداً، إلاّ أنّ الفيلم الذي أخرجه «فينيس» في أولى محاولاته الإخراجيّة بقيّ باهتاً كرواية منسوخة جيداً تعرض أمام النص الأصلي.
اشتهر رالف فينيس كممثل بأدواره التي اهتمت كثيراً بالجانب العاطفي- النفساني للشخصيّات، وكان أبرزها ربما دوره في فيلم (المريض الانكليزي The English Patient- 1996)، أتبعه بعد ثلاث سنوات مع «جوليان مور» بفيلم «نهاية علاقة غرامية»، ليقدّم عام (2005) فيلم «البستاني المُخلّص» دون أن ينجح في إبراز سمات الشخصيّة، وبقي طاغياً ذاك الهدوء البارد، الحزين، المصحوب بنظرات ساهمة تبدو وكأنها تمتص انفعالات الشخصية دون أن تبرزها.
مُجدّداً يُقيّد أداء فينيس من مساحة الشخصية الدراميّة، لكن هذا التقيّد في عمل يتناول شخصيّة «تشارلز ديكنز 1812-1870» أحد أهم الروائيين البريطانيين في القرن التاسع عشر لا يمكن أن يكون عابراً، خاصة وأنّ فينيس ذاته يقول في أحد تصريحاته الصحفيّة عقب عرض الفيلم في الصالات العالمية: (تتميز شخصية ديكنز بكثير من التباين والتناقضات، وقد يثير ذلك جدلاً ويدفع الناس إلى الحديث عنه).
إلاّ أنّ رالف فينيس ليس ذاك الممثل الساذج، هو الذي تدرّب في «الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية»، ومن خبرته الطويلة التي ابتدأها عام (1992) في فيلم «مرتفعات ويذرينغ»، امتلك أدواته، فقدّم ديكنز البارد، الأناني، القاسي، إلاّ أنّ الوجه الآخر الجميل إن صحّ القول، العاطفي، الذي يدفع بشابة صغيرة لأن تضيّع في شباكه، يبدو باهتاً، ممّا أخّل بإيقاع عملٍ يسير على حافة المتناقضات الإنسانية، من جمال وقبح، من عطاءٍ وسلب، من عاطفة وبرود، من حنان وقسوة.
يقتبس فينيس شريطه من كتاب «كلير تومالين» الصادر عام 1991، ويتحدّث عن قصة حب ديكنز غير المُعلنة بالممثلة المسرحية الشابة «نيللي ترنان/ تؤدي الدور فيليستي جونز»، وهو المدخل الذي يتخذه فينيس سبيلاً للتقرّب من الإنسان بكل تعقيداته. الإنسان الذي اختبأ طويلاً خلف شهرة اسمه وعظمة مُنجزه الأدبي، فيقودنا فينيس كمشاهدين عبر زمن هذه العلاقة لنتعرّف كجمهور مُعجب كما الفتاة اليافعة «نيللي» بديكنز الكاتب الروائي الذي صاغ أعمالاً خالدة مثل «قصة مدينتين Tall of Two Cities- 1859»، ديكينز الودود مع معجبيه، ذي الجماهيرية الواسعة، الصديق المرح، وكيف فرض ديكنز شروطه للارتباط بها، كيف خبأها بعيداً عن العالم والحياة، ودون مشاهد قسوة مُبالغ في دراميتها، ينجح فينيس مُخرجاً في أن يُصوّر لنا العلاقة وكأنّ ديكنز يعتاش على شباب نيللي، يمتص قوتها وحبها للحياة، مُقابل فتاتٍ يرميه لها من العاطفة. لنجد أنفسنا نعيد الشريط السينمائي إلى بداياته، إلى اللقطات الأولى لزوجة ديكنز «كاثرين» السمينة، البليدة، التي فقدت حتى قدرتها على الحزن بعد عشرين عاماً من الزواج بديكنز، لندرك كيف تُسلب الروح وحبّ الحياة مع رجل مُتطلّب، قاسٍ، أناني مثل ديكنز.
الأمر الذي يُحتسب لفينيس نجاحه في التسلسل من شِباكْ الأحكام والقيم، فيقدّم شريطاً يحترم المؤلف، والإنسان وإن كان دون مُجاملة، مُستعيناً بسردٍ درامي يدعمه المونتاج والتصوير ليقود المُشاهد في رحلة سلسلة، لكنها بطيئة، تلمع أحياناً فيها مشاهد هنا وهناك، خاصة رحلة ديكنز في الأحياء الفقيرة للمدينة حيث الأطفال المُشردين، وحيث القسوة في عالمٍ تزداد العلاقات الإنسانية والمشاعر تعقيداً تحت وطأة ظروف المعيشة، وهي طفولة ديكنز نفسه الذي اضطرّ إلى ترك المدرسة صغيراً ليعمل من أجل إعالة عائلته بعد سجن والده الذي عجزَ عن سداد ديونه.
بساطة رحلة ديكنز البصريّة وما تختزنه درامياً لم يكن مزيجاً مُتكاملاً يحكم بُنية الفيلم الفنية، فمشاهد كثيرة في المُقابل كانت ثقيلة وطويلة ضاع منها الغنى الدرامي وبدا مشهدياتٍ بصريّة جميلة وإن لم تكن ذات أهميّة، ولعلّ مشهد حطام القطار الذي يؤثر على حياتهما من أضعف مشاهد الفيلم، الذي تبدو فيه التقنية الحديثة واضحة، مُقارنة بسياقٍ بصري بنى عالماً فيكتورياً مُبهرجاً خارجياً، مُحافظاً، وشديد التعقيد في منظومته الاجتماعية.
إلاّ أنّ ديكنز يبقى مُسيطراً كما يُشاع أنه كان، ويتفوّق على فينيس في اللعبة الفنية، وهو الروائي الذي أعلى رسم شخوص إنسانيّة مُعقدة، بقبحها وجمالها، أسيرة صراعها مع ظروفها القاسية، وخاصة الفقر، ولكنه عرف دوماً كيف ينحاز بخفّة فنان إلى أحد الجانبين، حيث يكتسب الصراع الدرامي وهجاً من صفات أبطاله. في حين بقي رالف فينيس في شريطه أسير الحيادية السلبيّة، التي قد ينتصر البعض لها كموضوعيّة تنصف شخصيّة بقامة وأهميّة ديكنز، وقد يرفضها الأخير باعتبارها سلبت من العمل بريقه، وأبقته رمادياً، تنقصه العاطفة، خاصة مع الإضاءة التي اعتمدها فينيس في بناء مشهديّة بصريّة ترسم مناخاً دراميّاً اتسق مع البُنية السردية للحكاية، كل هذا نحى بالفيلم المأخوذ من استثناء كبير إنسانياً ودرامياً إلى العادي، العادي الذي أبرز ديكنز الكثير من جوانبه الاستثنائية وأثرها في رسم الحيوات الإنسانية.