كما أن لكل مقام مقالا، فكذلك لكل ثغر رجاله، وأعلامه. فخالد بن الوليد أعظم قائد عسكري، وهو الذي كسر شوكة الفرس، وهزم الروم، لم يكن يصلح للسياسة، فهو كما قال عنه الفاروق لابي بكر:»ان في سيفه لرهقا»، فأجابه ابو بكر:»والله لا اغمد سيفا سله الله على اعدائه».
لذلك، ولأن لكل ثغر رجاله، وكلنا على ثغر، فهناك السياسة وهناك أهل الحرب، ومن هنا فقد حرص الفاروق، مجدد الامة، على تأمير سياسي على جيوش المسلمين حتى وهي على الثغور تقاتل وتنافح كي لا يوغل السيف في عمله، فأمر ابو عبيدة السياسي الرؤوف على اشاوس القتال وامرائه، ليس تقليلا من شأن القادة العظام، بل علما منه ان الاسلام دعوة ورحمة، لا استعباد وقيد.
وفي حال ثورتي الشام والعراق ليس هناك سياسي مجاهد يتبعه عسكري مقاتل، فالمعركة ليست فصائل سياسية بأذرع عسكرية كما هو حال حماس، او حركات المقاومة المختلفة في العالم كما كان حال نمور التاميل، والثورة الصينية والفيتنامية، وغير ذلك كثير.
لذا فكثيرا ما يخطئ العسكري عندما ينبري للمدني، فطبيعة حياة المقاتل هي المفاصلة، والمعركة بالنسبة إليه بين لونين ابيض او اسود لا سواهما، بينما في الحياة المدنية هناك ألوان شتى، وقد تتمازج، وتتداخل الألوان دون ان تتشوه اللوحة او الصورة بمجملها.
والدافع لكتابة هذه الكلمات هو تسليط الضوء على احداث حصلت في مدينة الموصل خلال الاسابيع الماضية، وهي تعبر عن قصور في فهم الموروث الثقافي والديني والعلمي لمدينة عريقة عمرها اكثر من اربعة آلاف عام، كما تشي بقوة الحضور المدني واجباره للعسكري على التغيير. وسأسلط الضوء هنا على بقعتين فقط، ولن اخوض اكثر.
ولكن قبل تسليط الضوء، احب ان ابين ان مدينة الموصل ليست طارئا في التاريخ الاسلامي، فهي المدينة التي صدت امواج الصفويين، واجبرتهم على الوقوف عند اسوارها، حيث حوصرت وحوربت ايام الدولة الصفوية، ثم انتصرت، فصدتهم عن الشام واهله. وهي المدينة التي دفعت خيرة ابنائها ضد الحكم الشيوعي ايام عبد الكريم قاسم في الستينيات من القرن الماضي، حين علق ابناؤها مشنوقين على اعمدة الكهرباء، كما جرى تمزيق اجسادهم بعد ربطها بسيارات تسير باتجاهين مختلفين، وهي المدينة التي اخرجت علماء دين وقراءات، ولعل آخرهم المؤرخ الاسلامي عماد الدين خليل، و لايمكن للمرء ان ينسى انها المدينة التي اخرجت عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي، فكانت مرة اخرى هي المنقذ للمسلمين من الصليبيين واعوانهم.
اما الصورتان اللتان اخطأت فيهما «الدولة» فهما:
□ اعلن العالم الاسلامي ان العيد هو يوم الاثنين، فما كان من داعش الا ان اعلنت انه يوم الثلاثاء مخالفة كل الامة، لعلها كانت تريد الاختلاف لتتميز، او لعدم رؤيتها هلال شوال. ولكن الذي حصل، وبعد اعلان الدولة عن تأخير العيد للثلاثاء، فقد اتفقت كل مساجد الموصل على وأد الفتنة في مهدها، فكبرت كل المساجد وهللت ليلة الاثنين معلنة العيد، ومتجاوزة اعلان الدولة، فخرجت المدينة بأسرها مهللة ايضا، فكان من «الدولة» ان رضخت للمجموع الذي اهملته ولم تراع علو كعبه وعلمه وعمقه وتجذر اسلاميته وانتمائه لمجموع الامة. وهنا درس لقوة المدني وحضوره ووجوب مراعاته، وفهمه، واحترام ثقافته، واعلامه.
□ اجتمعت الدولة مع عمداء الكليات في جامعة الموصل، وطلبت منهم إلغاء كلية الفنون الجميلة، ومعهد الفنون، وكذلك كلية القانون.
لن اعلق على الفنون، رغم ان الفنون لا تعني فقط الرقص وهز الخصر، بل تعني الخط، والرسم الهندسي، والديكور، والنقش على الخشب والحجر، وآفاق رحبة يمارسها الناس ويستفيد منها اصحاب الحرف ايضا.
ولكن المأساة هي في إلغاء كلية القانون!. ولماذا؟ لا أدري. هل التبرير هو القوانين الوضعية؟، وإن كان كذلك فلما لا يتم تعديل المنهاج لتدرس القانون الاسلامي، وكذلك القوانين الوضعية، لان دراسة القانون المقارن لا تقل اهمية عن دراسة القانون الاسلامي نفسه، لان للحياة تشعباتها الكثيرة والمتشابكة، وخاصة في ظل التطور الهائل، وغياب مراكز الاجتهاد والعلم في الامة.
تلكما صورتان وهناك غيرهما كثير، كلها اخطاء تصب في معاداتهم، ورسم صورة ووعي اجتماعي سيكون له اثر كبير في رفضهم،ونبذهم، فهل يمكن لعسكري ألف الوغى، ان يأتي لبروفيسور قانون، جاب كل الكتب والفقه التشريعي كي يعمله ماذا يدرس، وماذا يلغي؟
وملخص ما سبق، إن كان هناك اخلاص في التغيير من الدولة، وايمان بتخليص اهل السنة من الجور، فالأولى بهم الثغور، والاثخان في العدو، وليتركوا للأهلي كي يدير نفسه، فالأهلي هو الامة، وعلماؤها، وتاريخ الاسلام الناصع، ولن ينحرف او يعادي الاسلام، ولا قبل لمقاتل لا يعرف سوى المفاصلة ان يتفهم ويعي ويدرك تفاصيل المدني الذي هو الاطار الذي ستقوم من خلاله دولة.
عبد الغني محمد المصري