هكذا يغازل السيسي الصوت اليهودي في أمريكا

حجم الخط
0

بعد 11 يوماً ستناقش محكمة الشؤون المستعجلة في القاهرة الاستئناف الذي قدمه محام مصري لتغيير المادة 140 في الدستور المصري، التي تقيد فترة حكم الرئيس بولايتين فقط. «8 سنوات هي فترة قصيرة جداً من أجل الوقوف أمام التحديات الماثلة أمام المصريين»، كتب في الالتماس الذي إذا تمت الموافقة عليه فسيتم تحويله إلى البرلمان من أجل المصادقة على التعديل، وبعد ذلك طرحه للاستفتاء العام.
الرئيس عبد الفتاح السيسي غير مستعجل، فالانتخابات الرئاسية القادمة ستجري بعد ثلاث سنوات تقريباً. ولكن من الأفضل الاستعداد وإعداد الرأي العام، لا سيما أن الإجراءات القانونية والمصادقة والتشريع والاستفتاء ستستغرق زمناً طويلاً. الالتماس أثار عاصفة: ألف شخصية عامة، من بينهم الكاتب علاء الأسواني، وقعوا على عريضة يدعون فيها البرلمان والمحكمة إلى معارضة ذلك.
لكن كما هو الأمر في تركيا، ففي مصر أيضاً لا يوجد في الوقت الحالي بديل حقيقي للرئيس. والمعارضة السياسية هي مفهوم فارغ إزاء السيطرة الكاملة لكتلة مؤيديه في البرلمان. هذه الرسالة التي يريد الرئيس نقلها للزعماء، والخصوم والأصدقاء على حد سواء.
إلا أنه على بعد آلاف الكيلومترات يضع برلمان آخر، البرلمان الأمريكي، التهديد الحقيقي أمام السيسي. هناك بند في مشروع قانون التخصيص الذي أجيز في الكونغرس الأمريكي والذي يحظى أيضاً بدعم مجلس الشيوخ، يطالب بتقليص أكثر من 300 مليون دولار من أموال المساعدة السنوية لمصر وجعلها مليار دولار فقط بدل 1.3 مليار دولار، التي استقرت منذ التوقيع على اتفاق السلام مع إسرائيل في الميزانية الأمريكية، مثل المساعدة المقدمة لإسرائيل. هذا الطلب يتأخر الآن بسبب شل الإدارة من قبل الرئيس ترامب.
سبب البند الجديد هو المس بحقوق الإنسان في مصر، المتمثل باعتقال 15 مواطناً أمريكياً في السجون المصرية ورفض دفع تكلفة العلاج الطبي لـ افريل كورلي، المتزلجة الممتازة التي أصيبت في 2015 بقصف غير مقصود لطائرة قتالية مصرية أثناء تجولها مع عدد من السياح في الصحراء الغربية. مصر قالت إن السياح دخلوا إلى منطقة مغلقة بدون تنسيق، وهي منطقة قتال بين القوات المصرية والتنظيمات الإرهابية. الإدارة الأمريكية لم توافق على هذا التفسير والأمور وصلت إلى مفاوضات غير مجدية مع السلطات في مصر حول مبلغ يقدر بنصف مليون دولار. هذا مبلغ صغير بالنسبة لحكومة مصر، لكنه مبلغ كبير جداً بالنسبة لعائلة كورلي التي فتحت صفحة خاصة على الإنترنت لتجنيد الأموال، لكنها لم تحصل على تبرعات كافية.

حقوق الإنسان في مصر

اقتراح تقليص المساعدات لمصر ليست الأولى من نوعها. فقبل سنة تقرر ترامب تجميد 195 مليون دولار من أموال المساعدة بسبب الشك في أن مصر تتجاوز قانون العقوبات الذي فرض على كوريا الشمالية عندما تاجرت معها، وبسبب القانون الفظيع الذي قيد نشاطات منظمات غير حكومية تتابع وتقدم تقارير عن الإخلال بحقوق الإنسان. في شهر تموز 2018 رفع الرئيس التجميد بسبب ما وصفه بـ «خطوات اتخذتها مصر تجاه مواضيع أقلقت الولايات المتحدة». التجارة مع كوريا الشمالية توقفت، ووضع منظمات ونشطاء حقوق الإنسان ازداد خطورة.
من المثير للاهتمام أن كل ما يتعلق بحقوق الإنسان وأن السهام التي يطلقها الكونغرس ستوجه بشكل عام نحو دول ضعيفة تعتمد على المساعدات الأمريكية، وليس نحو دول قوية يمكنها ممارسة الضغط على الولايات المتحدة.
حتى حدوث قضية الخاشقجي، لم تطلب الإدارة الأمريكية من السعودية تحسين مكانة النساء في الدولة أو لا سمح الله تشكيل برلمان منتخب. تركيا تعرضت في السنة الماضية إلى عقوبات بسيطة أدت إلى إطلاق سراح القس الأمريكي اندرو برونسون. ولكن لم يتم فرض أي عقوبة عليها بسبب اعتقال ومطاردة صحافيين أو نشطاء حقوق إنسان.
أيضاً تجاه مصر، تتعامل الإدارة الأمريكية بتسامح مرن طالما أن الحديث لا يدور عن مواطنين أمريكيين أصيبوا بالضرر.
تقارير وضع حقوق الإنسان التي يقدمها قسم الشؤون الخارجية في كل سنة عن مصر، كما هي الحال مع دول العالم الأخرى، تحظى بردود برلمانية بالنفي، الغضب وادعاءات عن عدم فهم الواقع، ويتم حفظها في جوارير مقفلة. مصر تعرف جيداً هذا التقليد الذي يتكرر كل سنة، لكن يبدو أنه في هذه السنة، لا سيما بسبب حجم التقليص المتوقع، قررت القيام بخطوة في الاتجاه المطلوب.
الحديث لا يدور عن تشريع جديد أو إطلاق سراح سجناء سياسيين عددهم عشرات الآلاف ـ حسب منظمة حقوق الإنسان ـ بل عن استئجار خدمات شركة وساطة وعلاقات عامة أمريكية ستعمل على تحسين صورة مصر في الولايات المتحدة. وعندما سئلت وزيرة شؤون التعاون الدولي، سحر ناصر، عن سبب التعاقد مع الشركة الأمريكية قالت إن هدفه هو «ضد أشخاص أشرار ينشرون تقارير اقتصادية وسياسية وأمنية ضد مصر». كما هو متوقع، هذه الأقوال لم تمر بهدوء في الشبكات الاجتماعية، حيث تساءل المتصفحون كيف أن «دولة لا يوجد فيها خبز لمواطنيها، تدفع الملايين لشركة دعاية أمريكية من أجل الرد على أقوال من يعارضها». ولكن يمكن الادعاء أن جزءاً من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين يعود إليهم. على خلفية الضغط والتهديد الأمريكي يمكن فهم أقوال الرئيس السيسي في مقابلة أجرتها معه الـ سي.بي.اس التي نفى فيها بشكل قاطع أن هناك في مصر سجناء سياسيين. هو لم يعط أي تعليمات لقتل أو المس بالمتظاهرين. وعندما قال له مقدم برنامج «60 دقيقة» إنه حسب ادعاء كثيرين، «توجد دماء على يديه»، أجاب الرئيس السيسي: «لا يمكنني الطلب من مواطني مصر نسيان حقوقهم أو المواطنين ورجال الشرطة الذين قتلوا على أيدي تنظيمات متطرفة». وكان أيضاً العنوان الذي هدأ النفوس في إسرائيل، وكما يبدو أيضاً هدأ الجمهور المستهدف، يهود الولايات المتحدة. السيسي كشف أنه بين إسرائيل ومصر تعاون وثيق جداً في المجال الأمني في محاربة التنظيمات الإرهابية في شبه جزيرة سيناء، وحتى أنه أشار إلى أن الطائرات القتالية المصرية تتجاوز أحياناً الحدود مع إسرائيل أثناء نشاطاتها في شبه الجزيرة.

التعاون مع إسرائيل

التعاون العسكري مع إسرائيل غير مخفي عن أنظار الشعب المصري، الذي قرأ عن ذلك في عدة وسائل إعلامية قبل إجراء المقابلة مع الرئيس. ولكن لم يسبق له الحديث العلني عن ذلك قبل المقابلة. هذا التعاون غير مقتصر فقط على المجال العسكري. إسرائيل تستخدم نفوذها في الكونغرس من أجل مصر، وكما توسط نتنياهو في صالح ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، فهو عمل أيضاً من أجل منع تقليص المساعدات لمصر.
ويمكن التقدير أنه في هذه المرة أيضاً، لوبي «الايباك» تم استخدامه لإقناع الكونغرس بعدم الموافقة على التقليص المتوقع، بالضبط للأسباب التي أشار إليها السيسي في المقابلة. ولكن بين التعاون العسكري والتطبيع بين إسرائيل ومصر هناك فجوة كبيرة. عن هذا كان يمكننا أن نسمع من منى برنس، معلمة سابقة للغة الإنجليزية في جامعة السويس، تمت إقالتها في شهر حزيران بعد نشر أفلام فيديو ظهرت فيها وهي ترقص الرقص الشرقي. برنس أيضاً أعلنت على صفحتها في «فيسبوك» عن نيتها التنافس على الرئاسة في شهر كانون الثاني في السنة الماضية، وتظهر في صورة وهي تحمل كأس بيرة. إلى قائمة جرائم المحاضرة أضيف في شهر كانون الأول عمل آخر لا يغتفر، وهو الالتقاء مع السفير الإسرائيلي، دافيد غوبرين، في مبنى السفارة في القاهرة. وبعد عشرة أيام تم إجراء مقابلة معها في قناة «كان 33» الإسرائيلية.
في المقابلة قالت إن اللقاء مع غوبرين استهدف الدفع بالتطبيع الثقافي بين إسرائيل ومصر. وسارع عدد من المحامين إلى تقديم دعوى قضائية ضدها بسبب «تنكرها لقيم الدولة الإسلامية»، وبسبب أن «اللقاء مع السفير الإسرائيلي يعتبر جريمة وتعاون مع عدو العرب والمصريين». برنس طردت بعد ذلك من نقابة الكتاب بسبب خرقها نظام منع التطبيع مع إسرائيل، وهو نظام صادق عليه النظام المصري.
إسرائيل تستفيد من خدمات الوساطة لمصر في غزة، وهي ترى بنفس المنظار معها في الحاجة إلى صد إيران. وشركات الغاز الإسرائيلية توقع على اتفاقيات تصدير عبر مصر. ويمكنها الادعاء وبحق أن هذا هو أفضل ما يمكن تحقيقه من اتفاق السلام في هذا الوقت. مشاركة إسرائيل في مهرجان الأفلام وفي معرض الكتب الدولي الذي يجري في القاهرة والتعاون الصحافي والأدبي، لا تصل في أهميتها إلى كاحل التعاون العسكري. بالأحرى، المس بحقوق الإنسان الذي يعتبر شأناً مصرياً داخلياً، ويجب على إسرائيل أن لا تفكر حتى بالرد عليه. يبدو أنه يمكن العيش بسلام بدون تطبيع، وبدون اعتراف مصر بأن إسرائيل دولة القومية اليهودية، ومع تحريض إعلامي ضد العدو الصهيوني ومع مقاطعة المنتجات الإسرائيلية باستثناء الغاز.

تسفي برئيل
هآرتس 11/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية