الرباط – “القدس العربي”:ارتفعت وتيرة الاهتمام بصورة مفترضة بدون حجاب لنائبة برلمانية مغربية تنتمي لحزب ذي مرجعية إسلامية، ودخل نقاش الصورة صفوف حزبها بعد أن اقتصر في بدايته بين حزبها الذي دافع عنها وخصومه، وخلق جدلا مغربيا حول الخصوصية الفردية للشخصيات العامة. ففي قراءة أن نشر الصورة يحمل بعدا سياسيا يستهدف الحزب والنائبة نفسها “عقابا” لها على مواقف مزعجة لجهات نافذة في مؤسسة الدولة.
وإذا كانت النائبة أمينة ماء العينين، القيادية في حزب العدالة والتنمية، الحزب الرئيسي في الحكومة، تحاشت إدخال موضوع الدين إن كان في حملتها الانتخابية أو بعد نجاحها في البرلمان، في مواقفها وتصريحاتها وتركز، بصوت عال، على محاربة الفساد وانحرافات أجهزة الدولة في تدبير ملفات اجتماعية وحقوقية وصحافية وتنادي دائما بالإصلاحات، فإنها رفعت وتيرة هجماتها ضد النافذين، مما وضعها، وأحيانا وضعت حزبها، في مواجهات أعادها المدافعون عنها، الدافع الرئيسي لمتابعتها ونشر صورها، مع أن هذه الصور، إذا ما تأكد أنها صورها، الملتقطة لها في باريس، ليست محرجة أو تخدش الحياء، فإنها لم تنزع الحجاب في المغرب وهذا بالنسبة لخصوم الحزب تعبر عن حالة “نفاق” الإسلاميين المغاربة.
وإذا كان المستغرب أن من دشن الحملة ضد ماء العينين وصعدها يدعون للتحرر والحريات الفردية ومناهضة “تزمت” الإسلاميين ومحاربة “أخونة المجتمع”، كانوا مثيرين للجدل، نظرا لمواقفهم من قضايا حقوقية وتبنيهم مواقف السلطات، بانتماءاتهم اليسارية الراديكالية السابقة.
ورغم أن قيادة الحزب عبرت عن تضامنها مع ماء العينين وقالت إن ما تتعرض له هو جزء من “حملات الاستهداف السياسي والإعلامي للحزب من خلال استهداف بعض مناضليه”، وعبرت “عن رفضها لهذه الأساليب الدنيئة، والتي تعتبر دليل عجز عن مواجهته في ميدان التنافس السياسي الشريف”. ووجدت في موقف زعيم الحزب الأمين العام السابق عبد الاله بن كيران سندا لها وقالت في تدوينة على الفيسبوك إنه آزرها وقال لها “بغض النظر عن صحة الصور من عدمها، ولسْتِ أصلا في موقع مساءلة تجاهها” وأنه كان عليكي أن تردي “إوا ومن بعد؟ وإن كنت قد اخترت أن أنزع الحجاب في الخارج، أو أرتديه هنا فهذا شْغْلي، واللي مزوجني وما عجبوش يطلقني، واللي كيتسالني شي حاجة ياخذها، واذا خرقت القانون نتحاكم، واذا خالفت شيئا من تعاقدي مع الحزب نتساءل، ومادام ارتداء “الفولار” أو خلعه لا يدخل ضمن هذا كله فتلك مسألة شخصية” وأكد بن كيران أن الحجاب ليس شرطا للنساء للانخراط في الحزب، أو النضال في صفوفه “وقد بحثنا عن نساء بدون حجاب لترشيحهن في الحزب”.
وقالت ماء العينين في تدوينتها إنها ازدادت قناعة بأن “مسار النضال يجب أن يستمر بعزم وإرادة أكبر، داخل المغرب، أو خارجه، بحجاب أو من دونه، بصفة وموقع أو من دونهما، لتحقيق الديمقراطية، والحرية، والعدالة، والكرامة، وحقوق الإنسان الفردية، والجماعية”.
تدوينة ماء العينين أخرجت عددا من “رفاقها ورفيقاتها” ليعبروا بشكل واضح عن امتعاضهم من إقدامها على نزع حجابها في باريس وإقحام الحزب في متاعب هو في غنى عنها وأيضا من نشرها تدوينتها حول ما قاله له بن كيران، وهو أكثر مسؤول رسمي في تاريخ المغرب يحظى بشعبية إبان توليه المسؤولية الحكومية، رئيس الحكومة 2011- 2017 أو بعد ذلك.
ووجهت إيمان اليعقوبي، البرلمانية عن الحزب، رسالة مطولة مفتوحة إلى زميلتها ماء العينين قالت فيها “غريب هذا التناقض الذي يخفي غيابا صارخا للنضج وروح المسؤولية. فكيف تدعين في البداية أن الصور مفبركة، ثم تخرجين الآن بتدوينة، تحاولين من خلالها تبرير ما قمت من قبل بنفيه من خلال استعمال تصريح لبن كيران، الذي لم نكن معه حين صرح به لك، ولا نعلم بالتفاصيل المرافقة له”.
وقالت كريمة بوتخيل زميلتها في الحزب “فرق بين أن تمارس حريتك بوضوح وجرأة وبين أن تخدع الجميع بأن تتقاسم معهم المشترك علانية وتنفضه بعيدا عن أعينهم سرا” و”لا أخفيكم سرا يقشعر بدني لمجرد التفكير بأن هناك من يستطيع أن يدافع وبقوة على مبادئ إنسانية جامعة ويعتبر الخداع والتمويه حرية خاصة أو أمرا عاديا وهامشيا، الكل يصنعه الجزء فإن فسد الجزء خرب الكل”.
وردت ماء العينين على الأصوات التي انتقدتها من داخل حزبها قائلة “حرب واسعة ومنظمة استغلت فيها كل الأسلحة الثقيلة” و”يوجد من يريد أن يساهم بقسطه بدون روية وكأنها لحظة مواتية لتصفية كل الحسابات ما ظهر منها وما بطن”. وأضافت “لا أطلب إلا الاستمرار لمن بدأوا بذلك. في الوقت نفسه أتقدم بالشكر والامتنان لكل الذين سموا بأنفسهم رغم الاختلاف السياسي … سموا ليشاهدوا المنظر من الأعلى إلى أن اتضحت لهم الصورة”.
واعتبر الناشط أحمد عصيد أن كون الفرد مسؤولا عموميا لا يعني استباحة حياته الخاصة بدون تمييز، وشدد على أهمية حماية الحياة الخاصة للشخصيات العمومية، وأن خلفيات وأسباب استهداف الحياة الخاصة هو “تحطيم الشخصية والإثارة وتحقيق أمور ربحية” وأكد مدير نشر موقع “العمق” محمد لغروس، أن المغرب يعيش حالة استباحة عامة للحياة الخاصة للأفراد، وهو ما يضرب الدستور وما ضمنه من حماية الحقوق الذاتية والشخصية، عرض الحائط. وقال إن الأمر انتقل من مجرد نشر صور وبيانات لانتهاك الحياة الخاصة إلى التزوير والغش من أجل التشهير بالأفراد وأن استعراض للشخصيات التي تتعرض للتشهير في المغرب من سياسيين وحقوقيين وجمعويين وإعلاميين، يجعلنا أمام حقيقة ساطعة مفادها الانتقام والاعتداء الممنهج والمنظم”.