نواكشوط – “القدس العربي”: ليس أمام الأفارقة الذين ملوا من حكم طواغيتهم الجاثمين على الصدور سوى نشر الأخبار المزيفة عن موت هؤلاء الطواغيت بعد انحسار طرق التناوب عبر الانقلابات العسكرية وعمليات اغتيال الرؤساء في القارة بفعل الضغوط الدولية.
تلكم هي النتيجة اللافتة التي توصل لها الباحث الإعلامي فرانسيس اكباتندي أستاذ مراقبة الانتخابات في افريقيا جنوب الصحراء بكلية العلوم السياسية في جامعة باريس.
يقول الباحث “يجب ألا ننخدع بالانقلاب الفاشل الذي حاول عسكريون تنفيذه يوم السابع يناير/كانون الثاني الجاري في الغابون، فهو ليس دالا على شيء فالانقلابات الناجحة والفاشلة منحسرة في القارة الافريقية منذ ثلاثة عقود فقراءات “البيان رقم 1″ التي كانت كثيرة ووافرة، أصبحت اليوم نادرة إن لم تكن استثنائية جدا”. فلم تشهد نيجيريا المشهورة بعدم الاستقرار السياسي وبالانقلابات، أي ثورة في قصر الرئاسة منذ أن مات فجأة آخر طواغيتها الجنرال ثاني أبشا يوم الثامن يونيو/حزيران 1998، والحالة هي نفسها في غانا وفي بنين ودول أخرى كانت لسنوات مسرحا للانقلابات المتكررة.
وكان آخر انقلاب عسكري ينفذ باغتيال الرئيس هو ما شهدته جمهورية النيجر أواخر التسعينيات عندما قتل الجنرال إبراهيم مي نصرا باري بطلقات نارية في الظهر من طرف رئيس جهازه الأمني الرائد داوود مالم وانكي؛ حدث ذلك يوم التاسع من نيسان/ إبريل 1999 أي قبل عشرين سنة من الآن.
ويؤكد الباحث الإعلامي فرانسيس اكباتندي “أن انحسار الانقلابات في افريقيا فتح الباب أمام تحولات سياسية هامة في افريقيا حيث تحسن التعاطي السياسي، وبرز إلى الواجهة مجتمع مدني أكثر نشاطا، ونظمت انتخابات ناجحة في مواقع عدة من القارة باستثناء افريقيا الوسطى التي ما تزال وكرا للأنظمة الشمولية.
فما تزال المنطقة الافريقية الوسطى تعج بما يسمى “ديناصورات” أو “عمداء” رؤساء القارة الذين تقدمت بهم السن وأصبح ابتعادهم عن الحكم أفضل لهم ولبلدانهم.
ويوجد على رأس الديناصورات المتمنعة، رئيس غينيا الاستوائية تيودور أوبيانغ انغويما (76عاما) الذي قضى حتى الآن أربعين عاما في حكم هذه الدولة النفطية الواقعة في افريقيا الوسطى؛ وهناك أيضا رئيس الكونغو دنيس ساسو انغيسو الذي راكم حتى الآن 35 سنة من الحكم.
أما رئيس الكامرون بول بيا (75 عاما) الرئيس الذي لا يقبل الأفول، فإنه يحكم هذه البلاد منذ سبعة وثلاثين عاما بعد أن تولى منصب رئيس الوزراء لسبع سنوات قبل وصوله للحكم عن طريق الاستقطاب السياسي عام 1982.
ويعود السبب الرئيس في ندرة الانقلابات العسكرية في افريقيا لرفضها الشديد من طرف الاتحاد الافريقي والمجموعة الدولية؛ فقد أصبح من الممنوع والمحرم قلب أي نظام للحكم ولو باسم الحرية المسلوبة.
فقد أقر الاتحاد الافريقي مدعوما بالمجموعة الدولية سلسلة عقوبات ضد منفذي أي انقلاب؛ وفي مقدمة هذه العقوبات الحظر وتجميد حسابات المنفذين وحسابات مؤيدهم وأقربائهم.
ومع أهمية هذه الإجراءات القسرية المطبقة ضد الانقلابات، فإنها غير مقبولة لدى شعوب بعض دول القارة التي حرمت من التناوب على السلطة عبر صناديق الاقتراع وكذا الشعوب التي لم تفدها المجموعة الدولية المتصاممة عن فرض التناوب السلمي فيها بل إن هذه المجموعة لا تتدخل إلا في حال تشكيل وإرسال قوات لحفظ السلام في هذا البلد أو ذاك.
ويؤكد الباحث الإعلامي فرانسيس اكباتندي “أن شعوب القارة المغلوبة على أمرها وجدت ضالتها فيما تتيحه الأنترنت من منابر وشبكات تواصل حيث اتخذت من متاحات الشبكة العنكبوتية سلاحا لضرب الطواغيت، وهو ما يفسر إشاعات كاذبة تم تداولها أخيرا، عن موت عدد من الرؤساء الذين ينتمون لحقبة زمنية متجاوزة.
ونظرا لاستحالة التخلص من الطواغيت عبر الانتخابات، أصبحت الشعوب المقهورة تشيع موت الرؤساء، على قاعدة “لنحقق بالأماني والتزييف ما استحال تحقيقه في الواقع”.
وهذا التوجه المعمول به على نطاق واسع، هو الذي يفسر النشاط الملحوظ لمكاتب وهيئات فبركة الأخبار وتزييف المعلومات المنتشرة على نطاق واسع في عدة دول إفريقية.
وإذا صدقنا ما أشيع حتى الآن فإن الرئيس الغابوني علي بونغو يعتبر في عداد الأموات مع أنه حي يرزق، كما أن الذي يحكم نيجيريا حاليا ليس محمد بخاري الذي مات منذ سنوات، بل نسخة منه طبق الأصل.
وتشمل إشاعات موت زعماء القارة رؤساء سابقين غادروا كرسي السلطة منذ سنوات عديدة، وفي هذا الإطار اضطر الرئيس الغاني جيري راولينغز لإصدار بيان يوم 15 مايو/ايار 2017، يكذب فيه إشاعة وفاته وبأنه كامل الصحة بل وحي يرزق.
في مثل هذا الظلام الدامس توجد دول افريقية عديدة لم تشرق عليها لحد الآن شمس الحرية ولم تهب عليها رياح التعددية السياسية كما لم تحظ شعوبها بشم عطر التناوب السلمي على السلطة.