رواسب النكبة والحكم العسكري ما زالت تؤثر على عرب 48 حتى اليوم وثمة خوف من العودة لتلك الفترة الناصرة ـ ‘القدس العربي’ من زهير اندراوس: الليبرمانية هي سيرورة اسرائيلية تعبر عن المجتمع الاسرائيلي وليست موضة عابرة. وما نشهده اليوم في اسرائيل هو فاشية وعنصرية، وهي ظاهرة ترتبط بتعزيز يهودية الدولة كانت قد بدأت منذ قيام دولة اسرائيل، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. ربما كانت بعض هذه المظاهر في السابق مقنعة، لكنها اليوم سافرة وعلنية، ولا يجوز التقليل من خطورة الوضع، فهو قابل للانفجار في كل لحظة، هذا بعض ما قاله البروفسور محمد امارة رئيس المجلس التربوي العربي، خلال الندوة التي عقدها مركز مدى الكرمل.
وكان مدى الكرمل، المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، قد عقد ندوة لمناقشة العلاقات الفلسطينية اليهودية في اسرائيل ومستقبلها، وذلك بالتزامن مع صدور العدد التاسع من مجلة ‘جدل’ الالكترونية’ التي خصصت لمناقشة اللقاءات الفلسطينية اليهودية، سيروراتها واهدافها.
افتتح الندوة د. رباح حلبي، وهو المحرر الضيف لعدد ‘جدل’ الاخير وعقّب على المداخلات المختلفة. اول المتداخلين كان د. عادل مناع، وهو مؤرخ، الذي تناول المسألة من بعدها التاريخي. وقال ان جذور بناء العلاقات بين الفلسطينيين وبين الدولة العبرية تعود الى عام 1948 والنكبة، وان ما تمت بلورته في حينه ما زال ينعكس على حياة الفلسطينيين وسلوكياتهم حتى اليوم. حيث اشار الى ان ما حكم العلاقات في بداياتها اعتمد اساسا على ما اسماها سياسة البقاء، وذكر كيف ان اعضاء عصبة التحرر الوطني قرروا الانضمام الى الحزب الشيوعي الاسرائيلي خلال الحرب كجزء من سياسة البقاء، كما ذكر مطالبة ممثلي الحزب الشيوعي في الكنيست الاسرائيلي بفرض الخدمة العسكرية على المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل كجزء من تلك السياسة.
رواسب النكبة والحكم العسكري ما زالت تؤثر علينا حتى اليوم، وثمة خوف من العودة لتلك الفترة، قال د. مناع. وقال ايضا ان الحركة الصهيونية ومنذ القرن التاسع عشر لم تول العلاقة مع الفلسطينيين داخل اسرائيل اية اهمية. خلال مداخلته عرض د. مناع ثلاثة خيارات مستقبلية: اولا، رفض العمل الفلسطيني اليهودي والاعتماد على الذات، والعمل على بناء مؤسساتنا القومية مع دعوة اليسار الاسرائيلي للتضامن معنا، ثانيا، مخاطبة المجتمع الاسرائيلي وعدم التخلي عن اليسار الاسرائيلي، وضرورة العمل المشترك؛ ثالثا، ضرورة الاعتماد على الذات والتوجه الى المجتمع الدولي وليس المجتمع الاسرائيلي. واضاف د. مناع بان اكبر مكسب حققه الفلسطينيون في اسرائيل هو المواطنة، وهو مكسب اساسي، يحافظ على بعض الحقوق التي تسمح لنا باسماع صوتنا خارج اسرائيل’. كما شدد على ضرورة وجود قاسم مشترك بين المواطنين الفلسطينيين وتوحيد الجهود الموّحدة لمواجهة السياسات الاسرائيلية، التي تتخذ منحا فاشيا.
البروفسور محمد امارة قال ان السيرورة الحالية تسير نحو تعزيز الهويات الاثنية، حيث تعمل اسرائيل على تعزيز يهودية الدولة وترسيخها، وفي المقابل يتم تعزيز الهوية الفلسطينية، مما يقلل من امكانية الشراكة، باعتقاده. وبرأيه فان ثمة شعورا بالخوف الوجودي لدى المجتمع اليهودي في اسرائيل. صحيح انه متخيل بغالبه، لكن الخوف قائم. اسرائيل تتجه نحو تعزيز اليهودية القومية والصهيونية على حساب التوجه الليبرالي. واسرائيل تشعر انها تفقد السيطرة لذلك فهي تسعى الى استعادة هذه السيطرة على المنطقة. لا توجد في اسرائيل اليوم قيادة قادرة على التعامل مع هذا الوضع، والقيادة الاسرائيلية لا تملك مشروعا سياسيا واضحا، مضيفا انه لن يكون انفراج في العلاقات بين الطرفين في الفترة القريبة، وانه لا توجد امكانية للمصالحة طالما تعتبر اسرائيل نفسها جزءا من الفضاء الاوروبي والامريكي وليس من الشرق الاوسط. اما حول ما يمكن عمله فقال: هل نتجه نحو الانهزامية ام نحاول ادارة الوضع؟ هل نكتفي بالخطاب الليبرالي بانتظار مرور العاصفة، ام نقول بأننا لن نستطيع التأثير لان العوامل اقوى منا بكثير؟ فالشعور العام اننا نعمل ونجهد لكننا لا نؤثر.
في تعقيبه على المداخلتين قال د. رباح حلبي بان كولونيالية اسرائيل هي العامل الاساسي المسيطر والمسيّر والمقرر، وخاصة ان اليسار اليهودي يحمل فكرا كولونياليا. منذ البداية عملت الحركة الصهيونية وكاننا غير موجودين اصلا، واسرائيل مستعدة لقبولنا طالما بقينا لا شيء. فالكولونيالي يقبلنا فقط اذا تصرفنا بناء على الصورة التي رسمها هو لنا. الهوية الكولونيالية لليهود قائمة على السيطرة على المنطقة كلها، وهم يشعرون بالخوف الوجودي فقط في حال عدم قدرتهم على السيطرة على الفلسطينيين والعرب والشرق كله. فالوعي الفلسطيني في تصاعد وهذا ما تعتبره اسرائيل خطرا وجوديا. الامور غير متعلقة بنا، بل تتعلق بتغيير العقلية الكولونيالية الاسرائيلية. هذا واشار د. حلبي الى ان اليهود العرب (اليهود الشرقيين)، ورغم انتمائهم لليمين الاسرائيلي، لا يحملون عقلية كولونيالية، لذلك فهم الامل الوحيد لنا في حالة تطور وعيهم في هذا الاتجاه.