إسرائيل بين تعزيز الجيش ورؤيا المؤرخ والجنرال

حجم الخط
2

مشكوك في أن يكون كاتب هذه السطور هنا بعد 30 سنة. وبالتأكيد لن يكون بعد 50 سنة كي يرى ويتأكد إذا ما كانت ستتحقق رؤيا الآخرة للبروفيسور بني موريس في أنه «بعد 30 ـ 50 سنة سيتغلب الفلسطينيون علينا كيفما اتفق… فهم يرون بأن هنا في هذه اللحظة 5 ـ 6 ـ 7 مليون يهودي محاطين بمئات ملايين العرب، ليس لهم سبب يجعلهم يتنازلون، ذلك أن هذا لن يدوم طويلاً».
ليس كل مؤرخ يسمح لنفسه بأن يتنبأ بالمستقبل. فبالكاد ينجح في أن يحلل ويصف صورة الماضي. أما البروفيسور موريس فيفعل ذلك بلا تردد. في مقابلة معه في ملحق «هآرتس»، يعزز ميل انعدام الأمل الذي يستشري في أجزاء من الجمهور في هذه الأيام بالذات.
أما النبرة المتشائمة الأكثر تظاهراً فيوفرها اللواء احتياط اسحق بريك، مأمور شكاوى الجنود المعتزل. ومنذ زمن بعيد يكثر بريك من الظهور على الملأ، في الكنيست، كقائم بوظيفة نبي الغضب على ما يجري في الجيش الإسرائيلي. وهذه خلاصة أقواله القاسية في نهاية الأسبوع في صحيفة «هآرتس»: «في غضون سنة ـ سنتين قد نصل إلى نقطة اللاعودة. هذه الدولة تعيش على التايتنك. يعيش الجيش الأزمة الأشد التي رأيتها منذ تجندت إلى الخدمة النظامية في 1965».
ما كنت أقترح المرور مرور الكرام على نبوءة المؤرخ وعلى تحذير الجنرال. فبغير إرادتهما، فإن موريس وبريك على حد سواء يشجعان العدو على تشديد رفضه. يتنبأ موريس بأن النهاية المقتربة محتمة. أما بريك فتسمع له صرخة ـ سواء كانت محقة أم لا ـ من أجل إصلاحات بعيدة الأثر في سلوك الجيش. حسب رأيه لا يزال إنقاذ التايتنك، دولة إسرائيل، أمراً ممكناً من الغرق إلى أعماق البحر.
تصفعنا هذه الأقوال في وجهنا في نهاية أسبوع أبيض: جموع المواطنين يقضون أوقاتهم في مواقع الطبيعة الخضراء وفي جبل الشيخ المثلج. فهل ثمة تحذير تصويري أكثر من ذلك عن أن إسرائيل تزدهر بشكل غير مسبوق؟ من جهة أخرى، وآلاف الغزيين ينقضون مرة أخرى على الجدار، وعملية إغلاق الحدود مع لبنان تتواصل، وأهداف إيرانية في سوريا تحظى بالمعالجة.
نحن في معركة عسكرية مستمرة. نحن أيضاً في ذروة معركة انتخابات حماسية تتميز بانقسام متعاظم وبحماسة عديمة الكوابح. كل هذه تفسر في نظر الأعداء من حولنا كضعف قد يستدعي مزيداً من محاولات الهجوم على هذه الديمقراطية المنتحرة.
بخلاف أقوال بريك، سيقول عارفون آخرون إن الجيش الإسرائيلي اليوم أصبح هو القوة العسكرية الأقوى في المنطقة، بل إنه ذو قوة وقدرات لم يكن لها مثيل قط. أقواله تعطى صدى للقصور الذي كان قبل 46 سنة، عندما وقفت إسرائيل على شفا تهديد وجودي وانهت حرب يوم الغفران بأكبر انتصاراتها.
ومع ذلك، يخيل أن رئيس الوزراء ووزير الدفاع نتنياهو لا يمران مرور الكرام عن ذلك. وتحديداً ليس في الوقت الذي تنتقل فيه قيادة الجيش إلى يدي رئيس أركان جديد، أفيف كوخافي. إذا كان ثمة ما يجب أن يفحص ويصلح ـ ودوماً يوجد ـ فإن على رئيس الأركان الوافد أن يفحص ويعمل دون تردد.
أما أقوال موريس فتثير تفكيراً يقضي بأن هذه المسيرة المحتمة، ليست قابلة للتغيير، وتترافق وتوصيته في أن «من يمكنه فليهرب إلى أمريكا». موريس ليس أول المتنبئين بالخراب ممن تبددت نبوءاتهم. لقد سبق أن كنا في أوضاع أصعب مع أسباب وجيهة أكثر للتشاؤم، ولكننا تغلبنا على هذه الأمزجة اليائسة وعلى الأزمات التي ألمت بنا. كثيرون سيقولون: أمريكا هي هنا.
أغلبية عربية بين البحر والنهر ـ هذا قول ليس مقبولاً على كل الديمغرافيين. ولنفترض أن هذا هو الوضع على الأرض، فليس هذا هو الوضع في دولة إسرائيل نفسها. السيطرة الأمنية بين البحر والنهر ستبقى دوماً في يد الجيش الإسرائيلي. والحل السياسي مطبق عملياً منذ الأن في شكل «الدولة الفلسطينية» التي ليست سوى حكم ذاتي، فكرة طورها رئيسا وزراء صقريان كبيغن وشامير.
وحتى لو لم يكن العرب يكتفون بذلك (حالياً)، فلا يجب أن يلزم هذا إسرائيل بتنازلات أوسع. وسيتعين على إسرائيل أن تعيش لسنوات طويلة أخرى على حرابها، وهكذا فقط تضمن مستقبلها. أما دور القيادة في السنوات التالية فهو أن تعمل على أن يتعزز الجيش الإسرائيلي أكثر فأكثر، وإلا ستتحقق رؤيا اللواء الشجاع وعظيم الحقوق وسيتجسد الكابوس كما يرسمه المؤرخ.

يوسي أحيمئير
معاريف 14/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية