لندن: “القدس العربي”:
تحت عنوان “التشوش القاتل في سياسة ترامب الشرق أوسطية” تحدثت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن مكامن الضعف والخطورة في السياسة التي تتبعها إدارة دونالد ترامب في المنطقة وفي ضوء زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو الطويلة للمنطقة، وزيارة مستشار الأمن القومي جون بولتون القصيرة، والتي لم تقتصر إلا على إسرائيل وتركيا.
ولاحظت الصحيفة أن سياسة واشنطن تتسم بالصقورية المتزايدة والرسائل المرتبكة. وبدأت بالقول إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ربما كان معذوراً لشعوره بالتشوش، ففي يوم الأحد، أقسم الرئيس الأمريكي ترامب بأنه سيمطر “الدمار على الاقتصاد” التركي حالة نفذ أردوغان وعوده وهاجم أكراد سوريا، حلفاء الولايات المتحدة.
وكان الرئيس التركي قد تجاهل في الأسبوع الماضي لقاء جون بولتون، بعدما قال إن الولايات المتحدة لن تسحب قواتها إلا إذا تلقت ضمانات من الحكومة التركية بأنها ستترك الأكراد وشأنهم. كل هذا بعدما قال ترامب إنه سيخرج من سوريا، حالا وسريعا. وهو قرار أدى لاستقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس وبرت ماكغيرك، المبعوث الأمريكي الخاصة للحملة الدولية بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة. وكان أردوغان يشعر بالثقة قبل تصريحات مايك بومبيو إن سحب القوات الامريكية يعتمد على الظروف، واثقا من كلام الرئيس.
وتساءلت الصحيفة أنه لو لم تكن الولايات المتحدة تعرف ما إذا ستبقى أم تخرج بسرعة أو ببطء بناء على الظروف الملائمة؟ أو أنها لن تخرج أبدا؟ فكيف سيعرف الشرق الأوسط بعامة كيفية خروج الولايات المتحدة؟
وتعلق الصحيفة أن ترامب -حتى نكون منصفين معه- ليس الرئيس الأمريكي الوحيد الذي أرسل رسائل متناقضة تتعلق بالمنطقة، فجورج دبليو بوش، قاد غزوا للعراق في عام 2003، وكان من المفترض أن يكون محفزا للديمقراطية في المنطقة. وعوضا عن ذلك فقد عزز الغزو الأمريكي من قوة الولايات المتحدة. وعندما تصاعدت حدة النزاع الطائفية عاد بوش للتوليفة القديمة وهي تفضيل الاستقرار على أجندة الحرية.
واتسمت فترة باراك أوباما بالشلل وعدم القدرة على اتخاذ قرارات. ففي البداية رحب بالربيع العربي الذي اندلع من تونس عام 2011. وأعطى مباركته للإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك. وعندما شاهد الحكم الذي يقوده الإخوان مال نحو دعم الحاكم القومي على دعم الديمقراطيين الإسلاميين. فالطرق التعسفية التي مارسها عبد الفتاح السيسي من الصعب تفريقها عن أساليب مبارك.
ومما زاد من التشوش أكثر، قرر أوباما “الجلوس في المقعد الخلفي” وتوجيه الأوامر في الحملة التي قادتها بريطانيا وفرنسا للإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي. ورفض تنفيذ “الخط الأحمر” بعد عامين عندما تعهد بمعاقبة الرئيس بشار الأسد إن استخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه. ولم يعد نظام الأسد مهددا الآن.
وعلى خلاف الرؤساء السابقين لا يتحدث ترامب عن الديمقراطية في الشرق الأوسط. ففي الأسبوع الماضي ألقى مايك بومبيو خطابا في القاهرة لم يذكر فيها كلمة “ديمقراطية” سوى مرة واحدة. وأعلن أن الولايات المتحدة هي قوة للخير في المنطقة. إلا أن خطابه لم يقدم الكثير من التوضيحات حول ما سيفعله ترامب. فمن جهة يريد ترامب الوفاء بوعوده الانتخابية والخروج من المنطقة. ومن جهة أخرى وافق على تغيير النظام في إيران.
وتعهد بومبيو في خطابه بإخراج آخر جندي إيراني من سوريا. وقبل أيام قال ترامب إن “إيران يمكنها عمل ما تريد” في سوريا. والسؤال هو من سيصدق الشرق الأوسط؟ الرئيس أم وزير خارجيته. ومن سوء الحظ أن لا إجابة واضحة، ومن المحتمل استمرار الرسائل الغامضة وتصاعد المواقف الصقورية لدى الإدارة.
وبعد رحيل ماتيس لم يبق لدى ترامب مسؤول بتجربة غير بولتون، ووجوده لا يدفع على الراحة. فعلى خلاف المواقف الناضجة من زميله المستقيل، دفع بولتون البنتاغون لرسم عدد من الخيارات لضرب إيران. وكان ماتيس سيرفض هذه أو يحاول منعها. ويجد القائم بأعمال وزير الدفاع باتريك شانهان نفسه في وضع ضعيف. ويظل ترامب شخصا مساعدا لا مانعا. وحتى يتغير أمر فيجب على الشرق الأوسط تحضير نفسه للأسوأ: مستقبل دون استقرار أو حرية.