ما هي فرص نجاح اتفاق ترامب أردوغان “الغامض” على إقامة منطقة آمنة شمال سوريا؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

إسطنبول – “القدس العربي”:
في خطابه أمام الكتلة البرلمانية أمام حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة، الثلاثاء، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشكل جازم إن تركيا هي من ستقوم بإنشاء المنطقة الأمنية التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأيام الماضية.
هذا التصريح الذي فهم منه أن المقترح جرى الاتفاق على تفاصيله بين ترامب وأردوغان بشكل نهائي وقطعي، لم يصمد سوى دقائق معدودة، حيث سرعان ما تبين أن ما يجري الحديث عنه ما زال مجرد مقترح كعشرات المقترحات السابقة، وحتى الاتفاقيات التي لم تجد طريقها للتنفيذ وتحولت إلى حلقة جديدة من حلقات الخلاف التركي -الأمريكي الذي يتصاعد عقب كل فشل في تنفيذ تفاهم جديد.
فعقب انتهاك كلمته الرسمية أمام نواب الحزب، وخلال إجابته على أسئلة الصحافيين خارج القاعة والتي تركزت حول تفاصيل فكرة “المنطقة الأمنية” ظهر بشكل واضح أنه لا يوجد حتى الآن أي “اتفاق تفصيلي” أو “تصور نهائي” يمكن أن يجيب على الأسئلة الأساسية المهمة التي تتمحور حول الجهة التي ستقيم المنطقة والهدف منها وطريقة وموعد تطبيق المقترح.
فبعد أن قال إن تركيا من ستقيم المنطقة الأمنية، عاد واعتبر أن تركيا تتحرك في هذا المقترح مع دول التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة “في سوريا، مشيراً إلى إمكانية إدراج “مسار أستانة في هذه المسألة”، في إشارة إلى روسيا وإيران.
ومن غير المفهوم حتى الآن كيف يمكن تنفيذ هكذا مخطط بالتعاون بين أطراف لديها برامج مختلفة في الأزمة السورية وبشكل خاص إيران وروسيا التي تسعى واشنطن بالدرجة الأولى بأن لا يصب انسحابها العسكري من شمالي سوريا في صالحهما.
ورداً على سؤال عما إذا كان موضوع المنطقة الآمنة يعني تأجيلاً جديداً للعملية العسكرية المزمعة، قال أردوغان: “هذا موضوع والعملية موضوع آخر.. نحن مستمرون في طريقنا ضمن الظروف الحالية”، في إجابة زادت من الغموض حول الهدف من الفكرة الأمريكية.
فبينما بدأ الطرح الأمريكي في محاولة لتهدئة مخاوف تركيا الأمنية عبر ابعاد مسلحي وحدات حماية الشعب الكردية عن الشريط الحدودي لهدف أساسي يتمثل في إرضاء تركيا ومنعها من التحرك عسكرياً في المنطقة، اعتبر أردوغان أن هذا المقترح لا يمنع عملية عسكرية تركية وهو “موضوع آخر”، الأمر الذي يكشف بشكل قطعي حجم الغموض بالمقترح إلى جانب التفسير المختلف للمقترح، وهو أمر يعد كافياً لنسف هذه التفاهمات على غرار ما جرى سابقاً في اتفاق منبج على سبيل المثال.
وذهب أردوغان إلى أبعد من ذلك بالحديث ليس عن مجرد منطقة أمنية بهدف منع الصدام بين الجيش التركي والوحدات الكردية، وإنما عن مقترح أنقرة القديم حول “منطقة آمنة” تتمتع بحظر طيران ويتم بناء مشاريع سكنية وخدمية فيها لاستيعاب اللاجئين، وهو تفسير يبدو بعيداً جداً عن الفكرة الأمريكية ويتعارض أيضاً مع دوافع قرار ترامب للانسحاب من سوريا وليس البدء بمشروع جديد فيها يحتاج لجهد عسكري وسياسي ومالي ضخم.
وكالعادة، بنت تركيا تقييمها “الإيجابي” لمقترح المنطقة الأمنية بناءً على وعود ترامب لأردوغان في الاتصال الهاتفي الأخير، وهو أمر تكرر مراراً وثبت عدم دقته، كونه سرعان ما يتبين أن وزارتي الخارجية والدفاع تتخذان تفسيراً مخالفاً تماماً للمقترح وهو ما ينتج عنه إعادة الأمور إلى المربع الأول.
ويخشى محللون أتراك أن يكون الاقتراح مجرد حلقة جديدة من حلقات “المماطلة” الأمريكية لتركيا في سوريا، حيث اتبعت إدارتا أوباما وترامب سياسية تقديم وعودات مختلفة لأنقرة من أجل منعها من التحرك عسكرياً في سوريا دون تنفيذ أياً من هذه الوعود.
كما يعتبر موعد التنفيذ عاملاً مهماً لإمكانية نسف المقترح الحالي عقب تحوله إلى اتفاق، فالعديد من الاتفاقيات السابقة وافقت عليها أنقرة واعتبرتها إيجابية، لكن تبين لها مع الوقت أنها كانت مجرد وسيلة للضغط عليها لتأجيل تحركها على الأرض وعدم وجود نية حقيقية لتنفيذها.
ويتوقع أن تساعد التفسيرات التي ستقدمها الخارجية والدفاع الأمريكيتين خلال الأيام المقبلة في فهم التصور الأمريكي لهذا المقترح على أن تجري لقاءات سياسية وعسكرية بين الجانبين تقود إلى البدء بتنفيذ المقترح أو يؤدي إلى تفجير الخلافات مجدداً وعودة التهديدات التركية بالتحرك عسكرياً شرقي نهر الفرات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية