إفتتاحية الديمقراطية العربية: المصريون يستردّون دولتهم من عنكبوت صهيون

حجم الخط
0

مطاع صفدي

مثلما افتتحت ثورة يونيو (1952) عصر النهضة العربية الثانية بكل ما سوف تأتي به من الأحلام القومية الكبرى، وما سوف يستتبعها من النكسات والكوارث، كذلك يبدو أن ثورة مصر الثانية الراهنة سوف تفتتح عصر النهضة العربية الثالثة. لا نقول ان حوالي ستين عاماً من عمر الأمة قد ضاعت هباء بين الثورتين؛ لا ننسى ان العرب عاشوا أول استقلال دولاني لهم في تلك الفترة منذ ألف سنة من دون وجود سياسي شرعي في خارطة العالم. فالنهضة الثانية موسومة بالدولة، وإن تعددت كياناتها. معنى ذلك ان العرب شرعوا في امتلاك السلطة في شكلها الحديث، وهم لا يزالون أسرى لسلطاتهم الأهلوية التقليدية. فالدولة العصرية كانت تفترض انتماء ما فوق التبعيات للعشيرة والطائفة والجهة، ما يدفع إلى الاستنتاج أن الجدلية الأعمق والأقوى، المحركة لبقية جدليات الصراع السياسي البنيوي لتلك الحقبة، ما بين منتصف القرن الماضي ومطلع العقد الثاني من القرن الحالي، كان لها موضوع واحد يصول ويجول حول سؤال: من يمتلك الدولة.. هذه القوة الهائلة الغامضة التي لم يكن المجتمع العربي المتخلف يتعامل معها إلا على أساس أنها قوة أجنبية آتية من المجهول، مقترنة دائماً بأشكال الاستبداد الخام. فإذا ما أتى بها الاستقلال أخيراً، من سوف يقبض على ناصيتها، من سوف يصبح حاكماً لها، صاعداً من بين خلائق المجتمع التقليدي، الذين هم من صنف المحكومين أبداً، كيف لفئة مقتدرة منهم أن تقفز من قاع (القفة) إلى آذانها دفعة واحدة، حسب المثل (البلدي). بين الثورتين انخرطت السياسة العربية في صراعات ملوك الطوائف. خلال ذلك كانت الشعوب غائبة لا يدعوها أحد إلى أي دور، ولا تدعو هي نفسها، وإن كانت اسماؤها وصفاتها المجيدة تصدح بها حناجر الإذاعات كلها؛ هذه الأجهزة الجديدة في حينها دخلت بيوت الناس لتحيل العالم الخارجي، أحداثه وسياساته، إلى مجرد عوالم صوتية خالصة، ‘صوت العرب’ من القاهرة قاد مصائر العرب الكلية منذ خمسينيات القرن، إلى أن اسكتته مدافع السويس (1967)؛ فالحدث النهضوي، سياسياً كان أو اقتصادياً، عسكرياً أو ثقافياً، أمسى أشبه بالكرة الهوائية، تتقاذفها السلطات الحاكمة إلى الحد الذي اضمحلّ كل فارق نوعي بين أقطابها. فقد اختزلته الصراعات الفئوية الطامحة إلى السلطة وحدها كغاية في ذاتها. أصبحت الدولة هي غنيمة الغنائم كلها. لم يعد المتسابقون إلى تملكها، أو المتمكّنون من مقاليدها، في حاجة إلى أية مبادئ دستورية أو عقائدية لتبرير طرق الوصول إليها، أو تسويغ أفعال المسيطرين عليها.

الدولة وحدها، هي غنيمة الغنائم في عصر انحطاط المشروع النهضوي العربي المعاصر. والحكام هم ملاّك الدولة. والشعوب هي المسلوبة الإرادة واللسان الناطق واليد الضاربة، يعتبرها مُلاّك السلطة أنها هي القوى المنافسة لهم، ولسلالتهم، ولزبائنهم من تجار السمسرة بالمال العام. فالتناقض محجوب بين تلك القوى السادرة وهذه الزمر الطفيلية العائمة على سطوح المياه الراكدة، كما كانت تبدو عليه أحوال الشعوب الشرقية تاريخياً، وحاضراً، وخاصة بالنسبة للأمة العربية. كأن هذه الأمة استقالت جملة وتفصيلاً من مشروعها النهضوي بعد هزيمة دولة الاستقلال عام 1967. غير أن الأثمان الباهظة لتلك الهزيمة تكفَّل مستقبلُ العرب جميعاً ما بعد معاهدة كامب ديفيد، بتسديدها، كأنما دُفنت دولةُ الاستقلال إلى غير رجعة، وخَلَفتْها الدولةُ الأمنية وحدَها. انتهى تاريخ السياسة، وحلّ مجدداً عصر الاقطاع المتعدد الرؤوس، للمال والقمع والتبعية الأجنبية.

الدولة التي كانت مستقلة، وأضحت غنيمة الغنائم لمغامري العسكر، لم تعد لها سوى مهمة واحدة، وهي إلغاء الشعب؛ هكذا دفعة واحدة، وذلك بإحباط مختلف أشكال حضوره في أي شأن عام، بدءاً من مصادرة حرياته الأولية. أمست السلطة هي دائماً تلك التي لم تأت بها أية شرعية حقيقية معترف بها سوى قوة الأمر الواقع الذي تفرضه عنوة، مقابل استلاب المبدأ القائل إن الشعب هو مصدر السلطات؛ لكن من دون أية فعالية إجرائية بالرغم من الدساتير المعلنة، والتي تنصّ عليه في بنودها الاولى. فالدولة القمعية في هذا العصر لا يمكنها التخلي عن مظاهر الديمقراطية، المعترف بها كألفاظ ومفردات في دساتيرها التأسيسية، والمتجسدة صورياً في مجالس تشريعية شامخة بأحجارها وهندستها العصرية فحسب. ما تحاوله ثورة الشباب العربي في مصر اليوم، وفي تونس بالأمس، وفي عواصم العرب جميعها في الغد القريب، هو إعادة إحياء وكتابة دساتير الدول العربية انطلاقاً من التحقيق الفعلي لمبدأ كون الشعب هو مصدر السلطات. ما يعني انقلاب هيكلية الدولة العربية القائمة حتى اليوم رأساً على عقب؛ لكنه هو الانقلاب المشروع وحده الذي يفضح كل ما هو سواه من انقلابات الفئويات القليلة على الغالبيات العظمى من أقوامها.

كانت المكيدة التي تدبرها فئوية الاستبداد الفرعوني في القاهرة للثورة الشبابية تستهدف تعطيل العودة المظفرة لمبدئية السلطات إلى مشرِّعها الأصلي الذي هو الشعب وحده. ما تفعله هذه المكيدة هو طرح عُمْلة الدستور الفرعوني الزائفة كوسيلةٍ سفسطةٍ أخيرة، طاردة لعملة المشروعية الثورية الصاعدة، باعتبارها ستغدو هي الحاكمة الضامنة لاسترداد الشعب ملكيته لدولته المسروقة. ما تكشفه هذه الثورة الفريدة ليست حرفة اللصوصيات العليا فحسب، من أموال وسلطان وطغيان، بل هو اختطاف المشروعيات الحقانية والحضارية من فعاليات المجتمع المبدعة والأصيلة. زوال رأس النظام لا يحتم انهيار نظام الثلاثين عاماً من الاستباحة، بين عشية وضحاها. وأن يعود الشعب كله إلى استعادة حرياته الكاملة، فذلك جهد اجتماعي وثقافي لم تألفه بعْدُ شعوب الأمة العربية منذ عصور. فالمسألة الراهنة بعد سقوط الطاغوت هي الطريقة البالغة الدقة والأهمية التي سيتم بموجبها تقويض هيكلة النظام القديم القائم، في عين الوقت الذي سيتم خلاله ترسيم وهندسة النظام الجديد. ما سوف يُسمَّى بالمرحلة الانتقالية المقودة بالسلطة العسكرية سيعيش المجتمع خلالها في حال من الانتظار والترقب والشكوك. ستكون القوى السياسية الجديدة الصاعدة من ميدان التحرير في موقف المنفعل أو المتفرج على تصرفات العسكر بتراث الثورة الوليد. ماذا سيفعل هؤلاء العسكر بالأمانة الغالية التاريخية والفريدة التي أبدعها لأول مرة شعب مصر بالأصالة عن نفسه والنيابة عن بقية شعوب الأمة الرازحة تحت عسف سلاطين اللصوصية والطغيان؟

ثورة مصر هي في عهدة العسكر مجدداً. ذلك هو أمر واقع لا فكاك منه، يجمع بين شبه نقيضين، هما الثورة والانقلاب. فقد نجحت الثورة في فرض استحالة الاستمرار بالنسبة لحكم الطاغوت. وهنا كان على القيادة العسكرية أن تثبت أن الجيش هو جيش الشعب وليس جيشَ النظام. وبالتالي على الجيش أن يمتثل لإرادة الشعب الذي هو جزء منه، ضداً على إرادة الحاكم الذي أضحى موقعه القانوني خارجَ كلٍّ من المشروعيتين، الدولانية والثورية معاً. هذه الحقيقة قد تُخفِّف من التناقض الشائع بين الثورة والانقلاب، إذ تجعل هذا الثاني مجرد إجراءٍ تنفيذي قامت به القوة الضاربة الرسمية تنفيذاً لآمرية الثورة. لكن يبقى السؤال: إلى أي حد يمكن للحاكمية العسكرية الراهنة أن تعي وتتقبل هذه الحقيقة، أي أن تحكم باسم الثورة وحدها، وأن تستمدّ سلطتها من المشروعية الثورية دستورياً وعملياً. وأن الحكم الانتقالي بالتالي هو الذي عليه أن يجهز انتقال الثورة من الشارع إلى الدولة.. بحيث تصبح الثورة هي المشرِّعة لدولتها الجديدة التي ستقوم على حطام دولة الطغيان المنهارة.

هذا النوع من التحليل يأتي ضداً على تجارب الثوريات العربية السابقة الفاشلة التي كانت طلائعها وأفكارها تتساقط سريعاً في براثن الدولة العتيقة والمتخلفة.. فيصبح ثوارُ الأمس سلاطينَ اليوم والغد. لعلّ هذا الدرس المتحصل من كوارث الماضي قد يتذكره البعض من شيوخ الثورات المخضرمين: وهو أن الثورة تعني تغيير السلطة كبنية وليس كمناصب ورموز حاكمة، في حين أن الانقلابيين يعتبرون أن السلطة هي غنيمتهم، فلا يقع التغيير بالنسبة لهم إلا على الشخص الجالس في مقعد القيادة، وليس على المقعد وصناعته.. تلك الأفخاخ الكارثية الشريرة التي ابتلعت الجيل الأول من ثورات الاستقلال العربي، لا تزال هي عينها قائمة حتى اليوم؛ وهي التي كانت أطلقت موجات رهيبة متوالية من جنس الثورات المضادة في مختلف ميادين الحياة العامة. ولم يكن السادات ومبارك إلا أكبر رمزين متعهدين، عن وعي، وسابق إصرار وتصميم، لإنتاج الثورة المضادة تحت رعاية دولة الفساد والطغيان والتبعية، ومعها طُغمة الغنى الفاحش اللامشروع المتحالفة معها، وتحتهما تنهار االطبقات الوسطى، وتنضمّ إلى جيرانها من أهل القاع وهم الأكثرية الساحقة من أفقر فقراء الشرق الحزين.

الثورة المضادة والمنطلقة من مصر قبل ثلاثة أربعة / عقود، والمعمّمة كنموذج أعلى على معظم أقطار العرب، كان لها عنوان سياسي واحد هو كامب ديفيد؛ ثم يجري التحقيق المستمر المتنامي لبنوده السرية فيما يجعل من أكبر قطر عربي خزّانَ أمانٍ سياسي عسكري، اقتصادي ثقافي للكيان الإسرائيلي. هكذا وُلدت دولة بني صهيون ولادتها المستقبلية المضمونة مع اعتقال المشروع النهضوي العربي في قمقم كامب ديفيد. تحوّل (الصراع العربي ـ الإسرائيلي) إلى مفردات القاموس الداخلي لحروب الداخل العربي ضد بعضه وضد ذاته. لكن واقع الثورة المضادة المهيمن على الجغرافية السياسية والبنيوية، عصفت به بعض الاختراقات دلّلت على هشاشته: المقاومة اللبنانية ـ تموز/يوليو (2006) ـ عصفت ببيت الأمان (اليهودي) بالجيش؛ جعلته أوهى من بيت العنكبوت. هكذا انكسر خط الدفاع المفصلي الخارجي عن المدّ الجيوسياسي المتعاظم للثورة المضادة. بقى بالانتظار انكسار نموذجها الاستبدادي الأعظم، الحاكم في الداخل العربي.

جاءت ثورة مصر أخيراً لتطلق أربعمائة مليون عربي من قماقم كامب ديفيد وأشباهها الإقليمية والمحلية. إنها ثورة الديمقراطية العربية التي جَهَلتها شعوبنا طويلاً، ولم تشرع في معرفتها إلا منذ أيام معدودة؛ وتنتظر أن يعلّمنا إياها المزيدُ من ألف بائها، مع فجر كلِّ ثورةٍ عربيةٍ قادمةٍ قد تفتح عصرَ النهضة الثالثة.. الحقيقية هذه المرة.’ مفكر عربي مقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية