«هنا الآن. خلف زجاج يمسك المدينة عني، يمسكها صامتة ملمومة في إطار. أشعر باقتراب نهاية ما. والنهايات كثيرة. هذه واحدة، وهذه أخرى. فكيف أُعِدُّ لها جميعها؟ كيف أرتب لها بدايات مؤاتية؟».
من هذا التساؤل، تتحرّك هدى فخر الدين بين مسارات عدة في نصّها النثري/الشعري المُقطّع/المطوّل «زمن صغير تحت شمس ثانية» (دار النهضة، شتاء 2018). تُلمّلِمها حينا، هذه المسارات، وتبسطها في حين آخر، مُمسكة كل الوقت بهاجسها الرئيس: ما تفعله بنا الأمكنة!
من الفصل الأول، حيث تصف أيامها الأولى في جامعة أنديانا، كطالبة دكتوراه في الأدب العربي، نتلمّس ما تُمسِك به عينيها من تفاصيل المكان شديدة الصغر. يظهِر فيها، هذه التفاصيل، ما يخالجها من مشاعر مرتبكة ناحيته، بداية من غرفتها الصغيرة الأليفة حدّ أنها تحفِّزها على الكتابة، لكنها في الوقت نفسه لم تشعر كيف كانت موحِشة بطريقة ما، إلا حين اشترت سجادة صغيرة لتفرشها فيها طاردة تلك الوحشة، مرورا بعد ذلك بأروقة الجامعة التي لم تجد فيها اللغة العربية أو الأدب العربي كما كانت تراه في مخيلتها، وصولا إلى المدينة «بلومينجتون»، التي تتحيّر أمام طقسها، ولم تمسك يوما بشروقها، «مهما استيقظت باكرًا».
تجد هدى دوما علاقة مع الأشجار في كل مكان تحلّ فيه. فهي تتبعها أحيانا، تتأمل كيف تتحضر للشتاء ناسية لهوها الخريفي أو تنتظر بصحبتها «علَّ غداً يأتي بما نتلهف إليه، أنا والشجر، ونحن نتطلع من علُوّ لنا يتأهب أول النهار». وهكذا، يظل الطقس غلالة مُمسكة بالأمكنة التي تصفها، مستبصرة فيه ما يجلبه القدر أو المصير أو الحظ. نتنقل مع فصول العمل من مكان إلى آخر، من إنديانا إلى بيروت، حيث الحرب، ثم العودة من جديد إلى إنديانا ثم العودة من جديد إلى بيروت، حيث مرض الجد وموته، «لم يعلِّمني الصلاة أحد. كنت أستيقظ فجراً على صوت جدي يأتي من الليوان. صوت جدي وهو يكَبِّر عميق واضح، يخفت إزاءه صوت المؤذن»، ثم نعود إلى فيرمونت وفتنتها التي تخفي قسوة شتاء لم تنج منه الأرواح بدون ندوب.
ثمة تراوح دائم بين الأمكنة والشخوص والذات، فصل عن المكان وفصل عن شخص والذات بينهما دوما. لا يخلو كل فصل من الحديث عن ثلاثتهم، لكن تظل لأحدهم الغلبة على الآخر من فصل إلى آخر.
حتى نصل إلى ولادة ابنتها سماء. فتسرد كيف مرّ يوم الولادة، من بدايته، حين أتى الألم حكيما، حتى وصولنا إلى لحظة الولادة «اضطرب الألم، صار أكثر الحاحاً. ولكن، في لحظة، قبل أن يفقد حكمته، وُلدت سماء. وُلدت، فسكن الألم الحكيم. اتسعت الغرفة وأشرق ليل خلف الزجاج».
ثمة تراوح دائم بين الأمكنة والشخوص والذات، فصل عن المكان وفصل عن شخص والذات بينهما دوما. لا يخلو كل فصل من الحديث عن ثلاثتهم، لكن تظل لأحدهم الغلبة على الآخر من فصل إلى آخر. وهذا التراوح، ليس فقط بين الفصول لكن داخل كل فصل، حيث كون النصوص قصيرة أقرب لومضات، جعل العمل يتحرك كتيار هادئ في إيقاعه عذب في رؤيته، ترى من صفائه موجات الحزن تتكسّر على صخور الوقت، قبل أن تتجدد، بلا مفر. صفاء الرؤية هنا يستجلب حزنا يبدو كتيار هادئ، ليس فقط في ما تحكي عنه هدى من ثيمات وأمكنة، بل إنه تيار حاضر دوما وراء إيقاع النص، حاضر في الصوت الخاص بها. هو الإيقاع المتوالد من أصوات المفردة وصياغة الجملة وتتابع الجمل في كل مقطع أو كل ومضة.
هنا لغة تُمسِك بما هو شعري في إيقاعها، نثري في وصفها للأشياء من حولها وداخلها. وهي أيضا تُبطن سردًا دافئا يقودنا من مكان إلى آخر ومن حدث إلى تاليه، حتى نصل إلى نهاية تعيدنا إلى البداية، حيث مشهد المدينة ممسوكا بإطار النافذة، وحيث السؤال هذه المرة عن البدايات وليس النهايات، وكأننا نتتبع نصا يأخذ مداره الدائري حتى يعود إلى نقطة بدايته: «كيف أتخلى عن فتنتي بالبدايات؟ علّني ألتفت إلى نهايات أنا فيها الآن. أليست هي بدايات أيضاً؟ أليست هذه بداية؟ وهذه أخرى؟ كيف أمسك بها الآن؟ أم أنني لا أتوق إلى الإمساك بها، إلا من شوق يصنعه الغياب؟». هكذا نصل إلى اللحظات (الصفحات) الأخيرة من كتاب لم يتخل في أي من لحظات قراءته عن هذا الصوت الشعري، الممزوج بنثر صافٍ، شاملا حضورا سرديا مُتشبِّثا بحزن منطبع كوشم دائم، أو كنقش غائر.
٭ كاتب ومترجم مصري