الدكتورة بو فياض: الأسرة العربية تواجه تحديات لا يمكن حلّها بمعزل عن المجتمع والدولة

ناديا الياس
حجم الخط
0

بيروت – “القدس العربي”:  نظراً لأهمّية دور الأسرة في رفد التنمية المستدامة التي تركّز عليها اليوم دول المنطقة العربية يطرح سؤال حول ما هو الدور الذي تلعبه الأسرة على صعيد التنمية المستدامة؟ وكيف تعّزز الدول دور الأسرة في هذه التنمية؟

وقالت الدكتورة ناديا بو فياض، المتخصّصة في التربية المواطنية التي تدخل التنمية المستدامة في صلب مجالاتها، إن الأسرة العربية لا يمكنها مواجهة تحديّاتها بمعزل عن الدولة، ومنها، على سبيل المثال تأمين الطبابة وضمان الشيخوخة، وهما مسألتان ملحّتان في لبنان”.

وأوضحت أنّه “من أجل “معرفة كيفّية مساهمة الأسرة في التنمية المستدامة يفترض بنا أن نكون على بيّنة مما يعنيه مصطلح التنمية، ومصطلح التنمية المستدامة، أو أن ننطلق من تعريف لهما. ومن تعريفات التنمية أنها عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تهدف إلى التحسين المستمر لرفاهية السكان”.

وقالت “من تعريفات التنمية المستدامة أنها رؤية للتنمية تنطوي على احترام كلّ أشكال الحياة البشرية وغير البشرية والموارد الطبيعية، ومراعاة شواغل أخرى مثل الحدّ من الفقر والمساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان والتعليم للجميع والصحة والأمن البشري والحوار الفكري”.

واعتبرت أنه “إذا انطلقنا من هذين التعريفين نستنتج أنّ التنمية المستدامة غير ممكنة من دون مشاركة المجتمع بكلّ فئاته فيها، ومن دون مسؤوليات تتحملها الدولة”.

وقالت ” لنبدأ بالأسرة التي هي خلية رئيسية من خلايا المجتمع، والسؤال كيف تشارك في التنمية؟ بما أنّ التنمية هي عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة فإنّ الأسرة معنية بالمشاركة في التنمية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها”.

تثمين قيمة العمل

على المستوى الاقتصادي أكدت الدكتورة بوفيّاض “أنّ للأسرة دورًا من حيث نوعية الإنتاج وكميته، وهذا يرتبط بشكل مباشر بالتوجهات التي تتبنّاها الأسرة في تربية أبنائها، أو بتعبير آخر، بالقيم الاقتصادية التي تُكسبها لأبنائها، ومنها تثمين قيمة العمل وإتقانه”. ولفتت إلى أنه “من شأن تعزيز هذه القيمة أن يعزّز فرص نجاح الفرد على المستوى العملي، وبالتالي، أن يزيد من إنتاجيته ورفاهيته وهما هدفان من أهداف التنمية”.

على المستوى الاجتماعي رأت “أن تربّي الأسرة أبناءها على المشاركة في شؤون المجتمع، في كلّ أوجهها. ومن شؤون المجتمع، على سبيل المثال لا الحصر: المشاركة في الأعمال التطوعية والأعمال الخيرية والتضامن والتكافل الاجتماعيين، والمحافظة على البيئة وحمايتها، بما في ذلك الهواء والأرض والمياه والتنوّع البيولوجي”. وأعلنت “أنّ للتنمية في فلسفتها جانباً أخلاقياً سلوكياً، يتمثّل بتغيير أنماط السلوك حيال المجتمع والوطن والبيئة بحيث يتحمل الفرد مسؤوليته تجاه وطنه وكل ما يحيط به. وللأسرة، في هذا المجال دور كبير في تنشئة جيل واعٍ ينتمي إلى مجتمعه ووطنه، ويحرص على الحفاظ عليهما، فالأسرة هي القدوة للأبناء، منها يكتسبون قيمهم وسلوكياتهم بشكل أساسي”.

على المستوى الثقافي رأت أنّه ” يمكن للأسرة أن تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز مكوّنات الثقافة المحلية، أيّ التراث والعادات والتقاليد، وفي تعزيز اتجاهات حبّ التعلّم لدى الأبناء، وانفتاحهم على الثقافات الأخرى”.

الاعتزاز بالهوية الوطنية

على المستوى السياسي لفتت إلى “أنّ الأسرة تبدو أكثر المعنيين بغرس القيم الوطنية لدى الأبناء، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، حب الوطن، والافتخار بالوطن، والاعتزاز بالهوية الوطنية… هذه القيم تحفّز الابن/ المواطن على العمل من أجل وطنه، وبالتالي المشاركة في الحياة الوطنية، إن على المستوى السياسي أو المستوى الاقتصادي، ومن ثم في أي عملية تنمية يشهدها الوطن. ومن دون هذه القيم، لا يمكن أن يشارك المواطن بفاعلية في هذه العملية”.

وقالت “إضافة إلى كلّ ذلك فإنّ مساهمة الأسرة في عملية التنمية تبقى ناقصة أو منتقصة، في حال لم يتعزّز دور المرأة على مستوى هذه المشاركة”، مؤكّدة في الوقت عينه “أنّ المرأة هي نصف المجتمع وعدم فاعليتها في عملية التنمية تعني عدم فاعلية نصف المجتمع، من هنا تتركز جهود الدول حاليًا على تمكين المرأة في مجتمعها، خصوصًا في الدول النامية، وتعزيز مشاركتها على المستويين الاقتصادي والسياسي، وزيادة الفرص الاقتصادية أمامها، كأهداف للتنمية. والتمكين يعني، في ما يعنيه، إزالة المعوّقات التي تعترض دورها واستبعاد أي تهميش تواجهه على كل المستويات”.

وتستعين بما قاله الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان من إنه “ليس هناك من أداة فاعلة في التنمية أكثر من تمكين المرأة، وإن التمييز ضدّ المرأة يحرم جميع أطفال العالم من فرص إبراز إمكاناتهم”.

وأكدت بو فياض “صحيح أّن الأسرة مطالبة بالمساهمة في التنمية، لكنّ الصحيح أيضًا، أنّ فاعلية هذه المساهمة تستلزم من الدول وضع سياسات أسرية منسجمة مع أهداف التنمية وأن تعكسها في استراتيجيات واضحة الأهداف، خصوصًا وأنّ الأسرة العربية تواجه تحديات لا يمكن حلّها بمعزل عن الدولة، ومنها، على سبيل المثال، تأمين الطبابة، وضمان الشيخوخة، وهما مسألتان ملحّتان في لبنان مثلاً، ومسألة التعليم ومدى ملاءمته مع متطلبات العصر، وهي مسألة ملّحة في دول الخليج، والقضاء على الفقر، وتقليص الفئات المهمّشة، وهي مسائل مطروحة في مصر وسوريا، مثلاً …”.

أما في ميدان التنمية فترى أن “سبل المعيشة والدخل والصحة والتعليم تبدو من بين الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، بالنسبة للأفراد. من هنا، ولتحقيق أهداف التنمية على مستوى المجتمع، ومن ضمنه الأسرة، لا بدّ من تهيئة بيئة مؤاتية لهذه المساهمة، من شروطها: القضاء على الفقر، وتعزيز إقامة مجتمعات عادلة، والتساوي في الحقوق بين المرأة والرجل، ووضع تشريعات تساهم في تحقيق هذه الأهداف”.

وتشير المتخصصة في التربية المواطنية إلى “أنّ الأردن، وعلى مستوى الأسرة، قابل أهداف التنمية باستراتيجيات خاصة بالأسرة، أي قام بعملية دمج للأسرة في استراتيجيات التنمية، ومن هذه الاستراتيجيات، استراتيجية وطنية للنساء، واستراتيجية لذوي الاحتياجات الخاصة، استراتيجية للصحة الإنجابية، فيما ركّزت دولة قطر في “رؤية قطر الوطنية 2030″ وهي استراتيجية تنموية، على الأسرة القوية”.

وختمت بقولها إن “هذا الدمج يواجه تحديّات في دول عربية عدة تتمثّل في غياب سياسات الدمج لدى هذه الدول، والافتقار إلى الدراسات العلمية التي تزوّد المسؤولين بمؤشرات يمكن البناء عليها في وضع سياسات واستراتيجيات الدمج “.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية