على مساحة أكبر من حلم وأصغر من وطن يمتد قطاع غزة راسماً جغرافيا اللجوء والخيمة الأولى ودرب الهجرة إلى الهجرة، وعلى دمعة أكبر من أي وجع تقوم طقوس الولادة هناك، ولادة شعب يخرج من رحم الأرض فيصير الألم مقاومة، والموت حياة والتراب ولادة.
في شوارع من وجع ودماء يكبر صغار غزة على حكايا الليل واحتراق الشموع، في غزة ينتثر القهر كالتراب على وجوه الناس وقلوبهم. في غزة يُقاس الزمن بمقدار الغضب، بدقات القلوب، بالجنازات، برغيف الخبز، بحبات الدواء بعدد الشهداء والدعاء، فغزة لا تشبه أحدا سواها، تمتشق جوعها ووجعها وحزنها وتقاوم، هي الجميلة المهشمة بالرصاص والموت، المتعبة حتى القهر، المسكونة بالتاريخ من حصار إلى حصار، تلم أطراف ثوبها وتمضي لتنبش رمق الحياة من غيم السماء ومن الندى، رغم الموت المختبئ وراء السحاب وخلف البحر وبين شقوق الأرض.
غزة جراح على الجسد يعضها الألم، ودماء يعلقها القاتل على صدره حين يغتال المدينة كل ليلة، يرمي بصلية إلى السماء ليقتل غيمة قبل أن تلد المطر، يحبس الموج قبل أن يصل الشواطئ، يقلب الأرض والتراب قبل أن يعلن الغضب، غزة شغف الصغار وولادة أمل لا ينتهي، هي أنشودة البقاء في وجه ترنيمة الموت.
غزة تعيد للذكريات أنين اللحظة وفجيعة اللقاء في نهار المجزرة، على شاطئ غزة، أفاق محمد الدرة بعد أن رمى تعب الموت من قلبه، وعاد ليخربش مع أصدقائه لون الطفولة على الذكرى المنقوشة على جدران الموت، امتشق كيانه عن ظل أب مذعور وجدار آيل للسقوط، وعرّج على صبيّة تستصرخ الكون على أب سال من بين يديها، كموجة متعبة على رمال شاطئ غزة، حمل صوتها، والقلب ينهشه الزمن كي يصل ويحذر الصغار من الموت الرابض على الشاطئ، القريب منهم كموجة، أراد أن يقول للصغار إن الموت يختبئ بين ركلتين وكرة، يتسلل على ظهر موجة، وإن رصاص الحقد يعشق القلوب الصغيرة. ضاع صوته في لحظة هاربة بين صليتين، وصل الرصاص إلى قلوبهم فوصلوا إليه قبل أن يصل إليهم، وكتبوا أسماءهم جميعاً على جدارية الفجيعة، قبل أن ينفضوا رمل اللعب عن أطراف أصابعهم، ولم يـــبق سوى دموع الأمهات تحفر صوت الآه على قلوبهم الطافحـــة بمــــوتهم من مجــــزرة دير ياســـين إلى صبرا وشاتيلا إلى الشجاعية وخزاعة، تحفر صوت الآه على قبورهم المبعثرة في صـــدى الفجيعة المحفـــورة في وجــوه الأمهات، فسلام الحــمام على أرواحهم ومزق ثيابهــــم، سلام على تلعـــثم الحروف في ألسنتهم على الحليب الذي يبلل شفاههم، سلام على أحلامهم التي اغتصبها صوت الرصاص ورائحة الدخان.
وفي مكان غير بعيد عن الشاطئ، استعارت المجزرة من المجزرة صوتها ورائحة الدماء المنبعثة من أشلائها، استعارت الشجاعية من صبرا لون الموت فيها، استعارت نفس الركام والوجع، كان الفجر يرسم ألوانه بخيوط من دماء، وتكوُر القتلى عند الأبواب مرآة لضحايا العتبات في شاتيلا، حتى جديلة الصغيرة كانت هي نفسها مبللة بالدماء والخوف والتراب، كان العجوز ينادي العجوز ليرمي عكازه إليه فيكون هو نفسه، هو من مات في فجر صبرا واليوم في فجر الشجاعية في غزة، لم يختلف القاتل ولم يتغير القتلى، وعلى طرف الجدار ناموا جميعاً في صورة تعيد ذكرى المجزرة للمجزرة.
ناموا بسلام على وسادة الموت البارد، فالقاتل لن يعتذر عن قتلكم، فأنتم الهدف الصحيح، أنتم القلق الذي يُولد في صدر المحتل حين تولدون، حين مشيتم هرباً من المجزرة كنتم تذهبون إلى المجزرة، لم تخطأكم يد القاتل حين قُتلتم، مسار الرصاص كان لقلوبكم يمشي، كي يُسكت ضجيح الحياة في أصواتكم، لا تنتظروا بكاء الاحتلال في دمعة منافقة على موتكم، فهو لم ولن يعتذر لأنه لم يخطأ الهدف، فالفلسطيني الجيد في عرفهم هو الفلسطيني الميت.
لم يكن في بنك أهدافهم وعلى لائحة الموت السوداء إلا فتية يركضون ولا يخافون من ضجيج الطائرات ودخان الموت، أطفال يلهون على سطح منزل، يقهرون بفرحهم الجندي المقنع ببزته خلف مقود الطائرة، طفلة تلهو في حضن أمها وتناغيها، ترضع تارة، وتضحك تارة من دون أن تفقد شهية الحياة رغم أزيز الرصاص. أهدافهم، امرأة مثقلة بحملها كنخلة مثقلة بتمورها، مدرسة وكتاب لتنتهي أحلام أطفال بالأقلام والدفاتر، ليصير الحلم وجعاً في ذاكرة العمر القصير. أهدافهم، سوق معمرة ببؤسها وضحكات صغارها، أراجيح يخجل العيد من فرحها، أطفال لم يمنحهم الرصاص وقتاً كي تدور بهم الأراجيح ولو لمرة. لقد صوبوا نار حقدهم إلى قلب طفل تحمله أمه بيد، وصغار تمسكوا بأذيال الثوب، صوبوها نحو عجوز لم تمت ومازالت تحكي حكايات هجرتها الأولى لأحفادها، ولم تنس بيارة البرتقال في يافا.
جمعوا سواد الليل في قلوبهم ليغتالوا أحلام الأمهات والأغنيات والأمنيات، ليغتالوا روح شعب عشق الحياة.
ولكن في استراحة بين موتين ترسم غزة أيامها عرساً وحياة، تخط صوت الحق والحقيقة عن شعب خجل الموت من عناده. غزة تقاوم بجلدها ولحمها ودمها ودموعها، غزة برجالها تصنع الأسطورة، بصبر الأمهات تصنع الحياة، وترسم الأمل بأقدام الصغار. وفي لحظة هاربة بين حصارين، تعطي غزة للتاريخ عبرة وللجغرافيا معنى الوطن، وتعلّم الفلسفة أن الجوهر هو الإرادة، وأصل الحكاية هو الإنسان.
هنا في غزة، للموت معنى غير التراب، وللحياة معنى غير دقات القلب.
٭ كاتبة فلسطينية
سعاد قطناني