قبل التعرف على حياة الكاتب الإنساني الهندي الباكستاني سعدات حسن مانتو، عن طريق فيلم «نانديتا داس» الذي يعرض السيرة الذاتية لهذا الأخير. يجب على القارئ العربي التعرف على أعماله التي تتميز بالقوة والحس والجرأة في التطرق لمواضيع لم يجرؤ أحد على التطرق لها في عصره. لا تعكس أعماله فقط خبايا ومشاكل مجتمعه وعصره ولكن أيضا حقيقة لا تصدق.
ولد سعدات حسن مانتو في الهند في عام 1912، وتوفي في باكستان عام 1955. تعرض للهجوم باستمرار في الدولتين بسبب تطرقه لمشاكل المجتمع والأسلوب الذي كان يعتمده في الكتابة بكل حرية. ويعتبر سعدات حسن مانتو، اليوم واحدا من أعظم الشخصيات الأدبية في كلا البلدين. فقد كرست المخرجة نانديتا داس له فيلما عبارة عن سيرة ذاتية، يحمل عنوان «مانتو»، لأن حياته وأعماله لها صدى خاص اليوم. وترى نانديتا داس أن أعمال مانتو «ستبقى دائما مميزة»، خاصة قصصه التي تتميز ببساطة سردها وعمقها في تناول المواضيع ذات الصلة بالصراع الهندي الباكستاني، وكذلك الطريقة التي كان مانتو يصف بها الأفراد ورجال السياسة، في الوقت الذي عاش فيه. كان مانتو يكتب كل ما يراه بكل جرأة وواقعية، يكتب كلما شعر بالحاجة إلى الكتابة، ولم يتنازل أبدا عن الورقة والقلم، رغم كل المضايقات التي عاشها من طرف المجتمع، أو بعض المثقفين والسياسيين الذين كانوا يقللون من شأن كتاباته. كتب مانتو قصصه بنوع من الحساسية النادرة، وكان دائما يتعاطف مع شخصياته التي صادفها في حياته الواقعية، قبل أن يجعل منها شخصيات لأعماله.

سعدات حسن مانتو كاتب وصحافي وكاتب السيناريو، كرّس حياته للكتابة، ولأنه كان شغوفا بالأدب الفرنسي والروسي، فإنه كان يترجم في شبابه الأعمال الكلاسيكية الأوروبية في القرن التاسع عشر، وسوف ينشر ترجمة أوردية لرواية «آخر يوم لمحكوم عليه بالإعدام» لفيكتور هوغو. ومن بين أعماله الغزيرة، ألَّف سعدات حسن مانتو ما يفوق 250 قصة، ورواية ومجموعة من المحاولات النقدية، وكذلك مسرحيات إذاعية ونصوص سينمائية. كان كاتب سيناريو معترفا به في بومباي، لكن سيغادر في النهاية إلى لاهور، بعد عام واحد من العمل. تشكل قصصه الجزء الأهم من كتاباته الرئيسية.
كتب مانتو على شاهد قبره جملة شهيرة تلخص فكره وتصوره للحياة والكتابة: «هنا يوجد سعدات حسن مانتو وفي قلبه الفن وسر القصة. إنه مستلق تحت طن من الأرض يتساءل دائما من هو الله أو من هو السيد».
تمت محاكمة سعدات حسن مانتو مرارا بسبب أعماله التي تم وصفها بالرديئة والفاحشة. حُكِمَ عليه ثلاث مرات في الهند تحت حكم الامبراطورية البريطانية، وثلاث محاكمات أخرى في باكستان، التي اقتصرت في النهاية على الحكم على مانتو بدفع غرامة واحدة، وكان هذا الرد الشهير للمؤلف الأردي مانتو على هذه المحاكمات، «إذا وجدتم هذه القصص لا تطاق، فلأننا نعيش في وقت لا يطاق» وهنا أعطى مانتو فكرة عن طبيعة عمله: من الخيال الواقعي يصور المجتمع في جميع جوانبه، وخاصة المحرمات، حيث كان يختار شخصياته من أشخاص الشارع العاديين، ولكن أيضا في كثير من الأحيان، كانت شخصياته من العاهرات والمهمشين.
بأسلوبه البسيط، كان يعرف مانتو كيف يضع يده على الجرح، في بعض الأحيان عن طريق الكوميديا السوداء، والعبثية والعنف، أو السخرية القاسية للحياة في مجتمع يعاني اضطرابا، ولكن أيضا جماليته في الكتابة والرحمة والتعاطف مع شخصيات قصصه. كان مانتو يدعو إلى المساواة الحقيقية، وينتقد طريقة معاملة المرأة، خاصة العاهرات. كما قدم لمحة تاريخية عن الفترة التي أدت إلى الاستقلال، أو الفترة المضطربة خلال تقسيم الهند وباكستان، والمذابح الدينية والطائفية التي أدت إلى وفاة الملايين من الناس، حيث كان شاهدا على ذلك.
بأسلوبه البسيط، كان يعرف مانتو كيف يضع يده على الجرح، في بعض الأحيان عن طريق الكوميديا السوداء، والعبثية والعنف، أو السخرية القاسية للحياة في مجتمع يعاني اضطرابا، ولكن أيضا جماليته في الكتابة والرحمة والتعاطف مع شخصيات قصصه.
واحدة من أكثر القصص شهرة، التي تشكل جوهر روح مانتو تحمل عنوان: «توبا تك سينغ»، حيث يظهر الاختيار البارع للشخصيات الذي اشتهر به مانتو. الكتاب على شكل حوار شخصيات مجنونة لاجئة من باكستان والهند خلال عملية تقسيم البلدين. بكل براعة تظهر لمسة الروائي العظيم، في تصوير عبثية الحياة من منظور شخصيات منفصلة عن العالم تماما. هذا الكتاب الذي منحه مانتو عنوان واحدة من قصصه: «توبا تيك سينغ وقصص أخرى» ترجمها إلى الفرنسية آلان ديسولييغ.
سعدات حسن مانتو كاتب إنساني، غير تقليدي، مدافع عن حقوق النساء، عارض كل أنواع الأرثوذكسية وعُرف بتعاطفه القوي مع مجتمع الهامش، كان أسلوبه قريبا من أسلوب كامو، سواء في اختيار الشخصيات أو في الكتابة. كتابات سعدات حسن مانتو تتصف في الوقت نفسه بالقوة والحس والذكاء، لذلك كانت لمانتو شريحة واسعة من القراء، لأن كتاباته كانت مختلفة ومتطرفة في الوصف وسرد الأحداث. كانت أعماله انعكاسا للفساد الذي تخبط فيه المجتمع الهندي الباكستاني، لذا، فما كتبه يسمح لنا بفهم تاريخ وخبايا المجتمع الهندي الباكستاني خلال هذه الحقبة. كتابات سعدات حسن مانتو تميل إلى طابع العالمية، لأنه شكك في طبيعة الإنسان وسلط الضوء على سخافة النفاق الاجتماعي وتوترات الهوية ومشكلة حرية التعبير. فقد كان يترك للمتلقي مساحة لاستجواب عالمه بشكل أفضل. وبالتالي، فإن شخصياته وأعماله عالمية. لذلك، يجب قراءة وإعادة قراءة أعماله حتى تتضح الصورة ويفهم المتلقي رسائل الكاتب المشفرة، التي غالبا ما يمررها تحت قناع الهزل والكوميديا السوداء والعبثية المفرطة في وصف الواقع.
«أتعتقدون أن الرجال يقصدون العاهرات من أجل الصلاة»
هذه الجملة تلخص هَمَّ الكاتب سعدات حسن مانتو ونضاله الأدبي في الدفاع عن العاهرات، في مجتمع دموي تلطخ أعلامه دماء التصفيات الدينية والعنصرية. تعتبر قصة «اللحم البارد» من القصص التي تَعَرَّضَ بسبها حسن مانتو للعقاب بسبب مخالفته لقوانين باكستان، وتم اتهامه بالرداءة، لأنه اعتمد الواقعية الحية في وصفه لواقع الاغتصاب والعنف الذي تتعرض له العاهرات في بلاده. كان سعدات حسن مانتو، كاتبا مثيرا للجدل والمتعثّر الذي ينحدر من أصول هنديّة باكستانيّة، ومُناهضا للرقابة لمصنّفاته الفنّيّة. فحرفة مانتو الأساسية، كانت كتابة القصص لبعض الجرائد، مقابل مبلغ مالي. جل القصص التي ألفها كانت واقعية، وتميز ببراعته في كتابة القصة القصيرة؛ فلم يكن يضاهيه أحد في وقته. جدير بالذكر أن مانتو نشر أكثر من 20 مجموعة قصصية. وقد قارنه بعض النقاد بسكوت فيتزجيرالد نظرا لموهبته وهوسه بالكتابة. كان انتقال مانتو من شمال الهند إلى مومباي راجعا إلى تدهور أحواله المادية. فقد عمل على بيع عدد من قصصه لمنتجين سينمائيين بثمن بخس، لتوفير ثمن السجائر والكحول. لا يكتب مانتو إلا تحت تأثير الكحول، فقد كان لا يفارق الحانات وكانت قنينة الكحول تجاور دائما قلم الرصاص والأوراق البيضاء. طقوس مانتو في الكتابة كانت مختلفة أيضا، فقد كان يكتب على الأرض وفوق المكتب وعلى الكرسي وكان أيضا يتسكع ليلا ليتعرف على عالم العاهرات، وكيف يتم استغلالهن والتعدي عليهن، لذلك دائما ما نجده يتطرق لمعاناتهن والعنف الذي يعشنه باستمرار.
جمعت جل قصص مانتو لتنشر في كتاب واحد عن طريق جريدة «نيويورك تايمز» بعد انتقاله إلى باكستان عام 1948 جراء الاضطرابات الدينية التي عرفتها المنطقة. كانت بومباي في الثلاثينيات والأربعينيات، مدينة المهاجرين الذين يعملون في مصانع النسيج، الرجال من دون النساء. وبالتالي فإن كل النساء في كتابه «قصص بومباي» هن تقريبا من العاهرات. مما يؤكد تشبت مانتو بهذه الفئة الهشة من المجتمع والمنسية غالبا من طرف الأدباء والمثقفين. العاهرات جزء مهم من المجتمع الهندي الباكستاني، فقد عمل مانتو على تكريس كتاباته لإيصال معاناتهن للقارئ، على الرغم من كل الانتقادات التي وجهت إليه، لم يتنازل مانتو أبدا عن هذه الفئة وظل يدافع عنها حتى في لقاءاته الأدبية.
عمل مانتو على وصف المجتمع الهندي والباكستاني، حيث بيوت المتعة الرخيصة جنبا إلى جنب مع دور العبادة، التي تكاد لا تفصلهما مسافة تذكر.
من بين القصص التي تطرق فيها مانتو لوضعية المومسات في الهند وباكستان، نذكر قصة «عشر روبيات»، حيث تقدم لنا القصة معاناة مومس شابة لا تتعدى من العمر الـ15 عاما، والتي تذهب برفقة 4 رجال إلى الشاطئ. هذه القصة تلخص هشاشة المجتمع وتدني القيم السائدة آنذاك. اختيار شخصية قاصر مرتبط بحجم الهشاشة والفقر الذي كانت وما تزال تعانيه الهند حتى اليوم. فأغلب الأفلام الهندية تتقاطع مع هذا الواقع بطريقة أو بأخرى. كان مانتو بارعا في خلق الشخصيات، على الرغم من أنه صادفها في حياته عن طريق الصدفة، أو كان شاهدا على مأساتها. وهكذا يعيد مانتو نسج خيوط القصة بالطريقة نفسها التي عاشها، مضيفا إليها نوعا من الكوميديا السوداء، بغرض التهكم وانتقاد المجتمع. هذه الكوميديا السوداء تجعل من قصص مانتو قريبة إلى العبثية والتطرف في آن. كل الذين عملوا على محاربة أعمال مانتو، كانوا يعرفون أنه يكتب عن الحقيقة، لكن كانوا يستغلون دائما الفرصة للإيقاع به. لكن تأثر مانتو بالأعمال الأدبية الغربية كأعمال هوغو وفلوبير وشكسبير وغيرهم جعله يضع حياته في الكتابة، ويؤمن بأن الكاتب الحقيقي هو الذي يعمل جاهدا على كشف الواقع ولو كان الثمن حياته أو السجن. فقصة «اللحم البارد» على سبيل الذكر، اعتبرها المجتمع الباكستاني قصة فاحشة وتدعو للرداءة وتضرب القيم الباكستانية عرض الحائط. القصة تدور حول اغتصاب فتاة بطريقة باردة جدا، لدرجة أن المغتصب مارس الجنس عليها وهي ميتة بدون إحساس أو شفقة. كان وصف مانتو لهذه القصة الحقيقة فيه نوع من الجرأة المفرطة، ما أدى به إلى وصف المشهد كما هو، بدون زيف أو نقصان واستعمال لغة فاحشة تعكس الواقع بكل تفاصيله. كل هذا سيجر بمانتو إلى المحكمة، وسيعاقب بغرامة مالية أخرى لأنه خالف قانون باكستان آنذاك.
عمل مانتو على وصف المجتمع الهندي والباكستاني، حيث بيوت المتعة الرخيصة جنبا إلى جنب مع دور العبادة، التي تكاد لا تفصلهما مسافة تذكر. وقد أجاب سعدات حسن مانتو عن تعلقه الغريب بالعاهرات وأماكن المتعة، عن طريق إحدى شخصياته تحمل لقب بابو جوبي ناث، قائلا: «لسبب أنه من حيث الجهات جميعها، من الأعلى والأسفل، كل شيء في دور المتعة الرخيصة والمزارات، يمنحك ويحدّثك عن الخداع. هي تماما الأمكنة النموذجية للشخص الذي يريد أن يخدع نفسه ويتصالح مع ذلك»! لعل هذا ما يعجل من مانتو كاتبا غريبا ومثيرا للجدل. عكس كل الكتاب الذين يهتمون بالسياسة ويمنحون قوة الكلام لشخصيات بارزة، وتنتمي لطبقة راقية نوعا ما، يتمسك مانتو بالعالم السفلي، عالم العاهرات والحانات والجحيم الليلي المستمر، في إشارة منه إلى أن الأدب لا يرتبط بطبقة معينة ويجب عليه أن لا ينحاز لجانب معين. دور الأدب، حسب مانتو، كشف الواقع الذي يتفاداه الجميع أو يصنفونه على هامش اهتماماتهم.
عمق مانتو في الوصف وسرد الوقائع، جعل من قصصه ذات أهمية كبرى في صناعة السينما الهندية، حيث أن كثيرا من الأفلام الهندية تم استلهامها من بيوت المتعة الرخيصة تلك. وقصص سعدات حسن مانتو مليئة بالفتيات الراقصات والمغنيات والعاهرات. هذه الأفلام المستلهمة من أعمال مانتو حققت نجاحا كبيرا. وجدير بالذكر أن السينما الهندية لا تخلو من الأغاني الصاخبة والحزينة في الوقت نفسه، ولا تخلو من الرقص أيضا حتى لو كان الفيلم سياسيا.
إن الشخصية الأكثر إثارة للجدل في كتبه هو مانتو نفسه، الكاتب المتطرف والمتواطئ، الذي أظهر نفسه في عدد من القصص عن طريق استعمال اسمه الحقيقي. كان مانتو إنسانا إنسانيا، لا يكتب من أجل الشهرة، ولكن من أجل نساء حولهن الفقر والزمن إلى مومسات ضعيفات يتعرضن لكل أشكال العنف. كما أنه اهتم بالمجانين وحاول وصف عالمهم الخاص الذي لا يخلو أيضا من العنف والمعاناة والألم.
٭ كاتب وباحث مغربي