يبحث محمد المطرود في التراجيديا عن اسمه الموعود به، في مغامرة إبداعية جديدة، يقارب فيها أسئلة الذات والشعر، بالرغم من أنه كان حذراً من توصيف مولوده الجديد،في مسعى أسلوبي جديد، يروّض فيه السرد والذكريات والرؤى في قالب نصّي يتماهى بالمقدّس والأسطوري. حين يسمّي ناجزه الجديد «اسمه أحمد» على أنّه «نصوص» مذكراً بمحاولات سابقة آثرت كتابة ما يتعدّى القصيدة بعيداً عن المصطلح الإشكالي « قصيدة نثر»، مثلما فعل قاسم حداد في « له حصته من الولع» بتوصيفه : « نثر ماثل للشعر» وكذا فعل فاروق يوسف في « غنج الأميرة النائمة» حين عرّفه « يودّ لو كان شعراً».
في مغامرة الشكل، التي يتبعها محمد بمغامرة تالية على صعيد المضمون، إذ يقفز بمحمد الحالم العاشق الهاذي إلى محمد النبيّ، منذ العنوان المقتبس من الآية الكريمة: «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ {الصف/6}، ولهذا فإننا سنقرأ محمد ـ والذين معه ـ في حيواته المتجاورة والمتحاورة في الكتاب، بتفكيك الخيوط التي جدلها بمهارة بدويّ؛ ونقرأ محمّد الراوي ثم محمد الرائي فمحمد الراثي. بعد أن تلاشى محمد العاشق كما هو الأمر في أعماله السابقة وبخاصة «سيرة بئر».
منذ العنوان يظهر للقارئ أننا أمام شاعر (صيّاد) ترك إهاب العاشق، وجارى طرائده في براري المعنى، أمام شاعر يلعب بين الغموض والوضوح بمهارة، فالعنوان الذي اختاره يختصر حياة المطرود من جهة، ويعبث بحلمه كشاعر حقيقي، أن يكون كلمته، وفي الوقت الذي وسمت أبناء جيله هذه النزعة إلى تقمص النبوّة وشخوص المقدّس فظهر أكثر من عنوان: «محمد والذين معه ـ إن القوم يأتمرون بك- وثامنهم حزنهم- سيرة بئر (للشاعر نفسه) ـ يا جبال أوّبي معه …»
يقدم المطرود لقارئه في العنوان ذاته حقلاً دلالياً خصباً، وهو يعني ذلك، فمبررات التماهي بالرسول محمد صلى الله عليه وسلّم موفورة (الاسم – اليتم – الهجرة) وهو بذلك يضيف الاسم ودلالاته في النصّ، كبشرى من نبيّ يعد نفسه صلة الوصل بين رسالتين. ولكنّ محمد المطرود في استمالة قارئه في الذهاب إلى فكرة التقمّص بالنبيّ بكلّ أبعادها؛ فإنّه يحذره في الوقت ذاته، من خلال العنوان الفرعي «وظلاله النار» العبارة المفارقة لفكرة الظلال الخضراء للأنبياء. يذهب بنا من جديد أمام تعدد مستويات التأويل، فالنار الحاضرة في أيقونة النبيّ إبراهيم عليه السلام تبدو من طرفٍ خفيّ، فالمطرود (الصيّاد) يضع أكثر من طُعم، حين يتقنّع بأكثر من نبيّ، ويترك للمتلقي فرصة الحيرة الماتعة، عائداً إلى السيرة الذاتية لرجلٍ يتيم تخطّى الأربعين، ونجا من (البئر) وهاجر بعدما أخطأته نار الحرب فكانت (برداً وسلاماً)، وعبر إلى الطرف الآخر من الحياة مذكراً بعبور النبيّ موسى عليه السلام، واسمه أحمد الذي بشّر به عيسى المسيح عليه السلام، ليقول لنا إن محمد المطرود سليل هؤلاء الأنبياء الذين ملؤوا حزنه بأسباب الحياة.
«اسمي أحمد ،وتنحدرُ سلالتي من معدنٍ نقي ،ربما الذهب ،والذهبُ يتحنُ بالنار ،وربما من شبه معدن سائل ،سائب ،أو من الماء نفسهِ وهو مايفسرُ اللين والطواعيةَ ،شكلي يأخذُ شكل المكان الجديد ولغته»
محمد الراوي
في القصائد الأولى « في مديح الحنين» و»حرائق دفتر العائلة» يفتح محمد (مطمورته) التي (صمّد) فيها كلّ المشاهد والوجوه، نصّ السيرة الذاتية الذي عجز محمد عن مقاومته كلّ الدواوين السابقة، فهم يعيشون معه ويكبرون عندما يكبر؛ الإخوة الذين تركناهم في (ثمار العاصفة) يكبرون ويهاجرون ويموتون، والأم التي غادرت الحياة وهي شابّة تكبر معه وهي الآن عجوز: «أمّي الميتة في السابعة والعشرين من عمرها، تتنكّر بزي العجائز وتزورني في الأحلام». والأب الذي ظلّ محمد يحاكمه كلّ هذه النصوص، متردّياً ثوب المظلوميّة حيناً حين يتحدث عن ذلك الغائب الذي أقصاه من دفتر العائلة، ولكن الأب يظلّ البطل الذي لم يستطع قتله، ثمة إعجاب خفيّ يستحضره محمد في حواراته مع الأب، ثمّة استعطاف عالٍ يحيل على حوارية إبراهيم عليه السلام مع أبيه في سورة مريم: «يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ… يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ…. يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ … يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن» ثمة تلذّذ بنطق هذه الكلمة في خمس آيات متتالية، تجعلنا نبحث عن سرّ هذا التكرار العاطفي لكلمة ربما حرم من تلفظها الشاعر في حياة الأب، ثمة استعادة للطفولة أمام أب مؤسطر يتعاظم في كلّ مرحلة شعرية للمطرود:
كلبُك أناَ يا أبي أنبحُ علىَ مَن ترُيدُ أعضُّ مَنْ ترُيدُ ولا لسانَ في فمي
– لكنيَ أخبئكُ لوقتٍ جَلْلْ.
– يا أبي أنا أنفعُ لكلِ شيءٍ.
-أريدُكَ مُحاربا يا ولدي
-لكنَ الحربَ ممًيتةٌ يا أبي؟
-ألم تقُتْلْ في أحلامِكَ البارحةَ؟
-قتُلتُ..
-ما الذي يخيفكَ إذا؟ً
-لا أريدُ أنْ أموتَ مَرتين..(ثم بكى الطفل الذي يسكنني)
– يا أبي أردتني حطابا فصرتُ، وأردتني كلباً وصرت ،وأردتني الوحش الهزيل تخًتبر به وحوشك القوية وصرت ،وماذا بعد؟»
في الحواريّة يهيمن محمد، تهيمن عاطفته، شروحه، وأجوبة الأب مقتضبة مقتصرة، ثمة يوسف( محمود درويش) وثمة (الحصان وحيداً) أيضاً، وثمة حوارية إخوة يوسف في النص المقدّس، يختفي صوت الأب الناصح، ممتلك الحقيقة أمام الابن، يظهر الأب الشاهد الأب – الواقف أمام القاضي والخصم (الابن).
في سيرة العائلة يتجلّى محمد الراوي، الذي يقود السرد إلى الزمان والمكان اللذين ظلاّ هناك، تحضر الشخوص والمشاهد والبيئة المحليّة حيث القطا والزارزير وقطعان الماشية المعرّضة لشوك المراعي ودهس الطريق السريع، فالشاعر الذي يرتّب حنينه يأخذ محمد (ما قبل الحرب) إلى مهجره الجديد، بعد (حفلة تذكّر) أخيرة، ليخلص به إلى محمد الذي رأى.
محمد الرائي:
منذ ديوانه الثاني (سيرة بئر) تشكلت إحداثيات قصيدة الرؤيا في نصّ المطرود، بدأ الفتى البدويّ يتلمّس العالم ويدرك أبعاد اللغة والصورة في لعبة الموت والندم والخسارات والقبيلة، ، ويستكمل في سيرة الولد الهاذي تشكيل (بروتريه) الشاعر النبيّ.
في «اسمه أحمد» يكتب محمد أقماره ونجومه يكتب بلاده الممتحنة بالموت، ويكتب صحراءه، ويكتب الشاعر المشتبه به بين الشاعر والمجنون كما جاء في تهمة المشركين للنبيّ الكريم، وليس من الذين (يتبعهم الغاوون) و(في كل واد يهيمون) كما جاء في وصف الشعراء في القرآن الكريم.. «لا أهيمُ في كِّلِّ واد/ تَبعني الغاوونَ في سهلٍ سوري». وهو بهذا يضيف ملامح جديدة إلى الولد الهاذي، ويحدد المتلقي، إنّ محمداً هنا يختار السهل الواضح لا الوادي الغامض، ويختار سوريّة بلداً أميناً، أرض النحاس لاسماءه (في إشارة إلى محمود درويش وعبارته سماء النحاس وأرض القصدير)، بلداً ينتمي للعالم الذي لم يعد غير :»كرة من قماش يلعب بها أولاد سيئون، ورغم أنها رؤى متشائمة، إلاّ أنه لا يعدم بشاراته ووصاياه ومكائده وكائناته ونساءه، حيث يتخلق ذئب السهوب الأبيض، وصحاري الذهب، وأرخبيلات صوفيّة، الغيوم التي تحمل الشهداء، وهنا نقف أمام نصه الأخير في الديوان لشاعر اكتملت رؤياه كما يصرّح في ثنايا الديوان، إذ يكثّف وصاياه في « فصل في الشجاعة» لرسم صورة مؤمنين يبتسمون بلا سبب، ويعضون على جراحهم كالفرسان، ومتصالحين مع الحرب والموت: «لاتكن ذئباً..لتكُن لقمةَ الذئب ،حِصتهُ في قسمةِ الطبيعةِ …لا تسكُنْ مَكانا عَاليا.. لا تمشِ مُحاذاة الجدارِ الآيلِ للفزَعِ.. لا تقَربَ الأنهار..اسْتنَدْ إلى ظلكَ ..امنحْ ظلكَ بعضَ جَسدِكَ ليَسْندَكَ».
محمد الراثي
يبكي محمد فجيعته الطارئة بألمٍ عالٍ، فثمة ربابة بدوية مخنوقة تبكي بهدوء بين سطوره، وثمة أوجاع البدوي الذي لامس فخّار الحداثة بتراجيديا شخصية، حملته وهناً على وهنّ ، وهو يرى الكارثة السورية أمام بصر العالم المتفرّج، يبكي محمّد مصائر الأطفال الذين دفعوا كلفة لعب الكبار: «ربابُ بطلةُ كتابِ القراءةِ في منهاجِ الأولِ الابتدائي القديم ،لا تعُيرُ شارَةَ المرورِ انتباهَها وتقطعُ الشارعَ ،ربابُ ماتتْ في اليومِ الدراسي الأولِ، اليومِ الذي لمْ يبَدأ بعدُ». وحيث الجثث تتناثر كقطيع نعاج، والوجع السوري داءٌ عضال، والسوري أرض حرب خبرت جميع النيران.
يمكن القول إن الشاعر يتجاوز منجزه السابق بخطوات مطمئنة، وأنه يكتب قصيدته الخاصة به على الرغم من أنّ نصّوصه تلتقي ونصوص أصدقائه ومجايليه، لكنّ نسج محمد المتفرّد طيلة دواوينه السابقة تؤكّد لنا نجاح المطرود في أنّه وسم كتاباته بميسمه الذي يعرفه أي متابع حتى وإن أقفِل النص من اسم كاتبه.
عيسى الشيخ حسن: