بين التمرد والثورة:  عبد الوهاب البياتي شاعر العنقاء والوجد الصوفي

د. عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

يرى الباحثون في تطور الشعر العربي المعاصر أن الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي (1926 ـ 1999) يشكل القطب الثالث في منظومة التطور في الشعر العراقي، والعربي الحديث، مع نازك الملائكة (1923 ـ 2007) وبدر شاكر السياب (1926 ـ 1964). وُلِدَ البياتي في منطقة باب الشيخ (عبد القادر الكيلاني) وهي منطقة تزدحم بالفقراء والكسبة، في بغداد العتيقة. ومنذ طفولته، كان الشاعر يحس بالغربة والنفي، فزاده منظر البؤس والتعاسة، في ما يرى حوله من البشر، شعوراً بأنه منفي عن عالمه، وسرعان ما تطور ذلك الشعور إلى التمرد عما حوله من شؤون الحياة، تمرداً سار باتجاه الثورة على تلك الظروف الحياتية. وهذا ما طبع شعره الذي بدأ يكتبه منذ عام 1945 وهو في التاسعة عشرة من العمر، مثل غيره من أصحاب المواهب الشعرية الأصيلة في عراق ما بعد الحرب العالمية الثانية.

عرفتُ عبد الوهاب منذ عام 1948 يوم التحقتُ بقسم اللغات الأوروبية بدار المعلمين العالية في بغداد، الكلية الوحيدة التي كانت تدرّس الآداب واللغات. كان عبد الوهاب في السنة الثالثة في قسم اللغة العربية، وفي صفّه عدد من شعراء الشباب، وأبرزُهم “لميعة عباس عمارة” قريبة الشاعر الفذ الآخر، عبد الرزاق عبد الواحد، الذي كان مثلي في سنته الأولى، ولكن في قسم اللغة العربية. وكان مع البياتي “شاذل طاقة” الذي بقي يمارس شعر الحداثة، على الرغم من انشغاله بالأمور السياسية لاحقاً.

بقيت على تواصل مع عبد الوهاب بعد التخرج في الكلية، وفي سنوات الوظيفة داخل العراق وخارجه، وقد أهداني سبع مجموعات من شعره، حتى عندما كان في إسبانيا وأنا في عمان الأردن، يوم كانت خدمات البريد… مقبولة. وفي عام 1996 كنا معاً في عمان وأقيمت له احتفالية بمناسبة بلوغه السبعين من العمر. وكان بين الحضور الكبير أساتذة ونقاد معروفون، أبرزهم المرحوم الأستاذ الدكتور إحسان عباس، أول من كتب كتاباً نقديا رصيناً عن شعر عبد الوهاب البياتي. كنا نتوقع أن يقوم الدكتور إحسان بتقديم الشاعر والحديث عن إنجازاته في الشعر وكتاباته النقدية لكن الشاعر طلب من راعية الحفل الأديبة الفلسطينية سعاد دباح أن أقوم أنا بالتقديم قائلا “لأنني صاحبتُ مسيرته الشعرية وزملاءه الشعراء منذ البداية”. وافقتُ على مضض وإحراج في حضور أولئك الأساتذة الكبار. وكان ذلك آخر لقاء لنا لأن الشاعر رحل عن عالمنا بعد ذلك بثلاث سنوات، كنتُ فيها بعيداً عن عالمنا العربي. وفي عام 2009 كنتُ مساهماً في احتفالية تكريم الشعراء العرب برعاية وزارة الثقافة السورية في دمشق، فقلتُ هذه فرصة لزيارة ضريح الشاعر عبد الوهاب البياتي، على تلة قرب ضريح الشيخ محيي الدين ابن العربي (فهكذا كان الشيخ يكتب اسمه، كما تفيد الوثائق التاريخية، وليس “ابن عربي” كما شاع لاحقاً). كان الشاعر قد أوصى أن يُدفن قريباً من صاحب “ترجمان الأشواق” المتصوف الأكبر، ودليل الشاعر في الموقف من الحب، الذي جعل من عبد الوهاب شاعر تصوّف بالمعنى الفلسفي، وليس بالمعنى الديني.

تصوّف الشاعر ليس سوى بحث عن المدينة الفاضلة. والرمز في شعر عبد الوهاب يتخذ صورة المحبوبة عائشة، المرأة الحلم، التي وُلدت في مدنٍ عديدة. وهي “عشتار” ربة الحب والخصب في الأساطير السومرية. وهي “يوريديجه” في الأساطير الإغريقية. هي المرأة الحلم الذي يأتي ولا يأتي. هي الحدث المنتظر وقوعه في الحياة، لكنه لا يأتي، ويبقى الحلم بقدومه. كان البياتي منذ حداثته متمرداً، يحلم بالتغيير القادم في شكل ثورة أو انقلاب كامل للأوضاع لتقضي على فساد العالم من حوله، في صورة البؤس البشري في محيطه الأول. كان يرى في أساطير الشرق والغرب ما يدعم رؤياه ويقوي فيه الأمل بمجيء التغيير. لذلك نراه يضرب في فيافي الأساطير الشرقية، والفارسية منها بخاصة. نيسابور القديمة منشأ الخيام كانت صورة الفساد، الذي تمرد عليه الخيام، لكن تمرده كان في الحلم بعودة عائشة، الحرية، معبودة الجميع في كل زمان ومكان لكن عائشة/الحب/الأمل تأتي، بصيغة الفعل المضارع، أي توقع المجيء، لكنها لا تأتي، ويبقى الأمل في مجيئها متقداً. “أورفيوس” في الأساطير الإغريقية نزل إلى العالم الأسفل، وقاسى أنواع العذاب لينال وعداً بعودة “يوريديجه” إلى العالم الأرضي، شريطة أن يسير أمامها ولا يلتفت إلى الخلف. لكنه لم يُطق صبراً فاستدار قبل خروجه إلى العالم الأرضي فغابت عنه مطلوبة حياته.

والشاعر لا ينظر إلى الخلف إلا ليتعلم منه ما يعينه في حاضره ومستقبله. وهذا أمر بالغ الصعوبة والخطورة والتغير يأتي بالنضال، وخيط النور يأتي من خيط الدم. نيسابور القديمة فاسدة، وكذلك بابل، مثل أوضاع “باب الشيخ” فلا بد من الثورة. وتتكرر “لا بد” هذه في قصائد البياتي. فساد روما لا بد أن ينهار. والعنقاء من رمادها تنبعث حياة جديدة وفي رباعياته التسع (الذي يأتي ولا يأتي) خير تصوير لرؤية البياتي أن الصراع وخيط الدم هو الذي يبعث خيط النور. الرباعيات التسع رمز شهور الحمل والولادة. الرباعيات (على طريقة الخيام في النظم) الثلاثة الأولى تصف انهزام الثوار وسقوط “أقنعة المهرّجين في وحول العار”. كل ذلك بالفعل الماضي. والرباعيات الثلاثة اللاحقة تصميم على الفعل “لا بد أن نختار/لا بُد أن يُسلخ جلد الشاه” فـ “الساسة المحترفون ينجرون خشب التابوت”، وأنت يا إنسان الحاضر “في الغربة لا تحيا ولا تموت” أي أنك غير فاعل ولا ناشط. إذن: “لا بد أن نختار… فالعيش في هذا المدار المغلق انتحار”.

وفي الرباعيات الثلاث الأخيرة قرار الإنسان اللافاعل، مندفعاً بالأمل: “لا بد أن تنهار/روما، وأن تُبعثَ من هذا الرماد النار… لا بدّ أن يولد من هذا الجنين الميتِ الثوار” لكن الأمل يبقى في التغيير لأن “الميت الحي بلا زاد ولا معاد/ينفخُ في الرماد/لعل نيسابور/تخلع كالحية ثوب حزنها وتكسر الأصفاد”.

لكن تمرد الشاعر البياتي ليس تمرداً سياسياً ولا ثورة إلا على المستوى الصوفي الفلسفي. فخلال إقامته في مصر في عهد عبد الناصر لم يلتحق بتيار الثورة القومية. وفي العراق تحت حكم البعث لم ينتم إلى الحزب، ولا لأي حزب، ولو أنه طوال حياته كان يدعم الفكر التقدمي الذي أسيء تلويثه بالفكر اليساري وأحزابه في عراق الستينيات وما بعدها. كان الشاعر يراقب ولا يساهم لأنه يفرّق بين السياسي والشاعر، ولو أنه يتماهى مع الإثنين، ويقول “وتحسبُ أنك جُرمٌ صغير/وفيك احتوى العالم الأكبرُ”. فهو يرى أن التمرد الأصيل يسبق الثورة ويسير معها. وهو لا سياسي ولا معارض لا يقبل بالظلم بل يهجر مواقع الظلم. “ترّاك أمكنةٍ إذا لم أرضها/أو يرتبط بعض النفوس حمامُها”.

كان الأمل في الثورة والتغير بظهور المدينة الفاضلة، عائشة الحب، عودة تموز، وصول يوريدجه” خارجة من جحيم العذاب، لتسعدَ نيسابور في صورتها الجديدة ويسعد بها الخيّام، وبحب عائشة، ولتسعد عشتار بعودة تموز… كلها أحلام صوفية تنتظر التغيير بالثورة. من أجل هذا راح البياتي يضرب في الأرض، ويقيم في مدن الشرق والغرب، يكتب القصائد الحالمة بالتغير الثوري في توقٍ دائم إلى المدينة الفاضلة لكنه لم ييأس من هذا “الموت في الحياة”. فقد كان يرى أن “مدينة الحلم قابعة في كل مدينة” وأن الفارس سوف يأتي مبشراً بالثورة، وأن المخلّص إنسان كامن فينا ولا يأتي من السماء، وأن العالم الجديد سينهض فوق أطلال عالمنا المعاصر، ومدينة الحلم ستنهض فوق أشلاء مدينتنا.

وإذا كان البياتي يوحي بالتفاؤل في شعره وهو يتأمل قيام المدينة الجديدة فإن ما يشبه التشاؤم يلوح في شعره إذ يدرك أنه على الرغم من كثرة الأسفار والبحث والانتظار يعود بلا عائشة ولا عشتار ولا تموز ولو أن من دمائه نبتت شقائق النعمان. لكنه يقول “وطني المنفى/منفاي الكلمات”. ويحزّه الألم وهو يرى ظاهرة الانفصام في عالمنا المعاصر. فيصيح “لو جُمعت أجزاء هذي الصورة الممزقة/إذن لقامت بابل المحترقة/تنفض عن أسمالها الرماد/وابتسمت عشتار… وعاد أوزوريس… ونوّرت في سبأ بلقيس…” فحتى عند عودته من أسفاره اليوليوسية لم يتعب الشاعر من الحلم بتجمع أجزاء صورة عالمنا الممزقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية