صدرت عن دار «الكتب خان» للنشر والتوزيع في القاهرة رواية «طُرُق الرب» للكاتب المصري شادي لويس المقيم في المملكة المتحدة حاليا، وهي باكورة أعماله السردية، التي تكشف عن موهبة روائية فذة تعِد بالكثير، خصوصا أن الكاتب لا يجد حرجا في كشف المحجوب، واستنطاق المسكوت عنه، وتعرية الموضوعات اللامُفكر فيها. إن ما يلفت الانتباه في هذه الرواية هو تدفقها السردي، وسلاستها اللغوية، على الرغم من أن الكاتب يزاوج بين الفصحى والمحكية المصرية، التي يفهمها الجميع تقريبا في العالَم العربي لأنها لهجة لينة، ومطواعة وخالية من التقعر.
لم يختر شادي لويس بطلا نمطيا لروايته، وهذا الاختيار الناجح والدقيق هو الذي أنقذ روايته من الوقوع في فخ النصوص السردية الرتيبة التي تعجز عن الدوران في فلك المغايرة والاختلاف. فبطل الرواية شريف موريس بولس أسعد عوض الله هو شخصية إشكالية بامتياز، ولعله يحمل بذرة العدمية والتمرد من أبيه موريس وجده بولس، فالرواية تسترجع الماضي بواسطة الاستعادات الذهنية لأربعة أجيال، كي تفضح بيروقراطية المؤسسة الكنسية، وتعري دوائر الدولة بأروقتها المختلفة، وتميط اللثام عن الجانب المُعادي لبعض الشرائح النمطية في المجتمع، التي لم تنل حظها الوافر من الدراسة والتعليم، ولم تستوعب الآخر قوميا ودينيا ومذهبيا.
يمكن أفْلمة هذه الرواية بسهولة، لأنها مكتوبة بعين سينمائية حصيفة تعرف ماذا تريد، فثمة انعطافة واضحة في فصلها الأول تشير إلى أن الراوي أو الشخصية المركزية «شريف» لا يُسمَح له بالزواج من خطيبته الألمانية إستر، ما لم يحصل على شهادة «خلو موانع» من الكنيسة، فالقسيس هو الوجه الآخر للشيخ في الحارة المصرية وبدونهما لا يستطيع المواطن المصري، سواء أكان مسيحيا أم مسلما، أن يتزوج بمن يحب ويؤسس أسرته الصغيرة التي تمتح ثقافتها وقيمها الأخلاقية من المجتمع الذي تعيش بين ظهرانيه.
ما يلفت الانتباه في هذه الرواية هو تدفقها السردي، وسلاستها اللغوية، على الرغم من أن الكاتب يزاوج بين الفصحى والمحكية المصرية، التي يفهمها الجميع تقريبا في العالَم العربي لأنها لهجة لينة، ومطواعة وخالية من التقعر.
لا شك في أن الاسترجاعات الذهنية للأب والأجداد من جهتي الوالدين مهمة جدا، لأنها تزود القارئ بالكثير من المعلومات التي تخص الطوائف المسيحية القبطية في مصر، والأمر لا يتعلق فقط بالطائفتين الكاثوليكية والبروتستانتية وإنما يتعداها إلى طوائف وكنائس متعددة، رسختها إرساليات التبشير الديني المقبلة من العالَم الغربي. وعلى الرغم من أن «طُرُق الرب» هي رواية ثيمات جريئة، وأفكار حساسة متشعبة، إلا أنها رواية شخصيات أيضا أبرزها شريف، وخطيبته إستر، ومعظم أفراد أسرته الذين تركوا بصماتهم على صفحات هذا النص السردي قبل أن يلاقوا مصائرهم المحتومة، أو يتواروا خلف الأحداث التي عصفت بشريف وبعض أصدقائه الذين اختاروا في خاتمة المطاف العزلة، أو فضلوا الانسحاب من دائرة الصداقة التي كلفتهم الكثير.
لم تبدأ الرواية بزمن خطي مستقيم للأحداث المتصاعدة، وإنما بدأت من نهاية الفصل الرابع عشر، حين وصل شريف إلى حافة اليأس فأخبرته أمه بأن أحد القساوسة قد وافق على مقابلته بعد أن رفضته كل الكنائس الموجودة في الحي، لأنه لا يتردد عليها جميعا. وهكذا ستبدأ اعترافات شريف الأسبوعية بحضرة أبينا أنطونيوس الذي يحرضه على البوح، والمكاشفة الصريحة: «يعني كلمني عن نفسك شوية، إنتَ مين؟ وبتعمل إيه؟» وعلى الرغم من أن الراوي لا يحبذ الكلام عن نفسه، إلا أن عُقدة لسانه ستنحل ما إن يلتقي بالقس أنطونيوس ويكشف عن قدرته الهائلة في سرد الحكايات والتلذذ بها. ومن خلال هذه الاعترافات المتتالية نكتشف شخصية شريف، فنعرف أنه مهندس مدني يعمل لدى جهة حكومية، ويقرأ الروايات المترجمة، ولا يتردد على الكنائس، ولهذا اتهمه البعض بأنه شيوعي، واعتقد البعض الآخر بأنه مُلحد، وقد أسس مع ثلاثة أصدقاء «شلة الخواجات»، وأكثر من ذلك فهو يحب إستر ويعتبرها تقية وحكيمة، رغم أنها لا تذهب إلى الكنيسة لكنها مسيحية جدا في قلبها.
ليس عسيرا على القارئ أن يتوقف عند الثيمة الرئيسة لهذه الرواية التي تقول بأن القبطي هو رهين الكنيسة، والقانون والمجتمع، بل الأنكى من ذلك أن الراوي، والسارد العليم يقول بالفم الملآن:»أنا لم أتخيل قط أنني كنتُ فاقدا للأهلية إلى هذا الحد أمام القانون لمجرد أنني قبطي»، إذ قلبت شهادة «خلو موانع» حياته رأسا على عقب، ودمرت علاقة عاطفية راقية، لأن هذا المهندس كان رهينا لقوانين الكنيسة التي أكل الدهر عليها وشرب.
تتوزع أحداث الرواية على مكانين أساسيين: الأول في القاهرة، والثاني في برلين لكنهما يتداخلان معا من خلال الزيارات المتبادلة بين عائلتي شريف وإستر.
تتوزع أحداث الرواية على مكانين أساسيين: الأول في القاهرة، والثاني في برلين لكنهما يتداخلان معا من خلال الزيارات المتبادلة بين عائلتي شريف وإستر. وإذا كانت خلفية الأحداث المصرية مبنية على حركة «كفاية» المناهضة للرئيس السابق حُسني مبارك، واعتصام اللاجئين السودانيين في ميدان «مصطفى محمود»، فإن خلفية الأحداث الألمانية مبنية على «الشتازي»، جهاز الأمن السري في ألمانيا الشرقية، وقضية الملفات العائدة للمواطنين الذين تخرب نسيجهم الاجتماعي وصاروا يشون ويتجسسون على بعضهم بعضا. تتصاعد الأحداث حين يتم الاعتداء على إستر في شقتها وتُنقل إلى المستشفى، فيما يُتهم شريف بالتبديد والاختلاس نتيجة لصرف نصف دستة مصابيح لأفرع المؤسسة التي يعمل فيها، ويُحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، ثم يُخَفف الحكم إلى سنة واحدة قضى معظمها في مديرية الأمن، قبل أن يُخلى سبيله ليجد نفسه أمام أبينا أنطونيوس مرة ثانية وهو يمد له يد المساعدة للعمل في الكنيسة، ثم يعرفه على شابة يتيمة رضيت أن تتزوجه وتقبل بدخلة الشحيح، وحين أنجبت طفلها الأول الذي أسماه الأب «هاني» أصرت هي على أن تناديه «ﭘولا» لأن الاسم المزدوج حسب اعتقادها يقي صاحبة من الأرواح الشريرة، وهذا الأمر يفسر لنا الأسماء المزدوجة لكل أفراد عائلته، فالجد جعفر من جهة الأم يحمل اسم حنا، والأم مرية تحمل اسم مايسة وهكذا دواليك. حين يموت أبونا أنطونيوس لم يخرج شريف في جنازته، وإنما ظل يسرد حكاياته للناس ويلتذ بها، بل لم يعد قادرا على التفريق بين الحكايات الحقيقية والمُختلقة عن أجداده، حكايات عن تيهه المُربك، وضياعه المتواصل، وحيرته الأبدية، وسجنه الغريب الذي لم يصدقه أحد، والأهم من ذلك كله أن الناس كانوا يرددون دائما وهم يصيخون السمع: «ما أعجب طرقك يارب».
لا تخلو الرواية من عنف، ودماء، ووحشية، فثمة قتلى وجرحى ومشوهون في أكثر من ميدان وساحة عامة، ولعل المشهد المُرعب الذي شاهدته إستر في ميدان مصطفى محمود هو الذي صدمها حين رأت أحدهم يضرب بقضيب معدني جثة أحد المتظاهرين إلى أن حطم جمجمته بالكامل وشوه معالمها الخارجية. تكتظ فصول الرواية بالعديد من مشاهد التخريب، والقتل، والقسوة المفرطة مثل تفجير الكنائس، وحرق من فيها، وتفريق التظاهرات بواسطة الأعيرة النارية، والهراوات وما إلى ذلك كي يرسخوا في ذاكرة الناس أنهم رهائن وعبيد لأسيادهم من أهل السلطة أو من وكلاء السماء على الأرض.
لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار أن «طُرُق الرب» هي الرواية الأولى لشادي لويس الذي نجح في كتابة نص روائي يتوفر على معظم اشتراطات النجاح والتفرد بدءا من الجملة الاستهلالية، مرورا بمتن النص، وثيمته الأساسية، وشخصياته المدروسة بعناية فائقة، وانتهاء بجملته الختامية التي أنهت الرواية بضربة تنويرية أضاءت عقل القارئ، وهزت مشاعره الداخلية العميقة.
٭ كاتب عراقي