دمشق – «القدس العربي»: أكدت وزارة الخارجية التركية أمس، أنها لن تسمح للاستفزازات التي يقوم بها النظام السوري في محافظة إدلب، بزعزعة التفاهم القائم بينها وبين روسيا في المنطقة، وقال المتحدث باسم الخارجية التركية «حامي أقصوي»: «نسعى لاستدامة وقف إطلاق النار عبر تفاهم إدلب»، مشيراً إلى خروقات النظام العسكرية في منبج ، ومستقبل المدينة الخاضعة لسيطرة الوحدات الكردية، اذ تبدى حرص انقرة على عدم إفساح المجال أمام أي طرف سواها بدخول المدينة سواءً كان ذلك عبر إكمال العمل بخارطة الطريق الذي اشارت اليه أو عبر التحرك العسكري المباشر.
وبين المسؤول التركي أن سياسة دمشق تعول على تقويض اتفاق إدلب، الذي جنب المنطقة كارثة إنسانية كبيرة، بعد ان نال هذا الاتفاق تقدير المجتمع الدولي، في حين يسعى نظام الاسد الى تحقيق انتصار عسكري على حساب الحل السياسي.
وحول تمدد هيئة تحرير الشام على المعارضة السورية في المحافظة، قال أقصوي: نواصل اتخاذ التدابير اللازمة في المنطقة بعد قيام تحرير الشام بمهاجمة المعارضة المعتدلة.
أما في ما يخص مدينة منبج شمال البلاد، فأكدت أنقرة عبر المتحدث باسم الخارجية، موقفها الحازم في مسألة تطبيق «اتفاق منبج»، والانتقال إلى شرق الفرات، بوجوب عدم السماح للنظام السوري بالقيام بأي «استفزازات» تجاه المدينة، وكذلك شملت التصريحات التركية الوحدات الكردية «ب ي د- ي ب ك»، إذ رفضت تركيا أي مساعٍ للوحدات بإدخال قوات النظام إلى منبج، قائلاً: «على الجميع ألا يحاول استغلال الوضع».
وأردف أن «تطهير منبج من عناصر ب ي د / ي ب ك مسألة أمن قومي بالنسبة إلينا، ووقع هجوم إرهابي في منبج، وهذا أظهر أهمية تطبيق اتفاق خريطة طريق منبج بشكل كامل، وتطهير المنطقة من التنظيمات الإرهابية، موضحاً أنه لا ينبغي إغفال أن الانسحاب الأمريكي من سوريا الأجندة يشجع الحركات الانفصالية لتنظيم «ب ي د / ي ب ك، ويجب ألا يحدث فرض أمر واقع على الأرض، ولقد أبلغنا هذا (لنظرائنا) بشكل حازم».
المنطقة الآمنة
ويبدو أن انقرة لا ترغب بأن يملأ النظامان السوري والايراني فراغ القوات الامريكية في مدينة منبج وذلك لعدة اسباب تحدث عنها الباحث السياسي فراس فحام لـ «القدس العربي» أبرزها إطلاع أنقرة ومعرفتها بحجم التنسيق والتعاون بين النظام وطهران وقيادة العمال الكردستاني في قنديل وقيادة ميليشيات الحماية، وكيف قام النظام سابقاً بتسليم هذه التنظيمات مدناً حدودية مهمة مثل القامشلي والحسكة ودعمها بالسلاح للضغط على تركيا، كما أن التنسيق يعود إلى تسعينات القرن الماضي عندما تعاون حافظ الأسد مع عبد الله أوجلان ضد أنقرة. ويضاف لذلك أن تركيا حسمت خياراتها منذ زمن بعيد، فهي لا تريد طرد ميليشيات الحماية من الشريط الحدودي فحسب وإنما زيادة ثقلها في الملف السوري من خلال تعزيز التواجد العسكري الذي سيمكنها من زيادة المساهمة في صياغة حل نهائي في سوريا.
وقال فحام لـ«القدس العربي»: «إن مستقبل منبج مرتبط بشكل أساسي بالتفاهم الذي ستتوصل إليه تركيا وأمريكا حول المنطقة ككل، عندما تم التوصل لخريطة طريق منبج حيث أشار الجانبان إلى أن التفاهم سيشمل شرق الفرات. أما اليوم، فالمطروح على الطاولة يتمحور حول فكرة المنطقة الآمنة التي لا تزال بحاجة لإطار تنفيذي لتظهر معالمها بعد ذلك وتتبين هوية الطرف الذي سيتولى إقامتها، وهل ستنسحب منها ميليشيات الحماية الكردية، وبالتالي بناء عليه سيتحدد مصير المنطقة، لكن على المدى المنظور لا أعتقد أن فكرة العمليات العسكرية التركية مطروحة في ظل استمرار المفاوضات مع واشنطن وإبداء الأخيرة مرونة مستمرة».
وعلى صعيد الحراك الدولي التركي حول المنطقة الآمنة وخارطة منبج، فمن المقرر أن يتوجه نائب وزير الخارجية التركية «سدات أونال» إلى واشنطن في الخامس من شهر شباط / فبراير المقبل، لإجراء مباحثات مع واشنطن حول مستقبل المنطقة، في حين أن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، سيشارك في 6 فبراير باجتماع وزراء خارجية التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، ولفت المتحدث باسم الخارجية التركية إلى قيام السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام الى إجراء مباحثات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، ووزير الدفاع خلوصي أكار، ورئيس المخابرات هاكان فيدان، بخصوص سوريا.
تفرد تركي
من جانبه، قال الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي لـ«القدس العربي»: إن الرفض التركي لدخول قوات النظام السوري إلى منبج، يدل على أن أنقرة حريصة على عدم إفساح المجال أمام أي طرف سواها بدخول منبج. وبالتالي يُمكن القول إن تركيا لا تتوانى عن اعتراض أيّة خطوة يقوم بها النظام السوري في حال حاول الدخول إلى منبج بالاتفاق مع حزب الاتحاد الديمقراطي، مثلما فعلت إزاء محاولته دخول عفرين أثناء عملية غصن الزيتون. لكن اللافت، وفق «عاصي» أن الناطق باسم الخارجية التركية استخدم لغة سياسية لا تحمل تهديداً مباشراً أو إعلاناً عن موقفها، إنما كانت الصياغة بمثابة رسالة إلى الأطراف الدولية الداعمة للنظام السوري، لاتخاذ إجراءات تضع حدّاً لمساعي هذا الأخير الذي يحاول استغلال الوضع.
وليس بالضرورة أن يبدي النظام السوري التزاماً إزاء الخط الأحمر الذي أشارت إليه تركيا، وهذا ما يُدلل عليه سلوكه السابق، لكن مثل ذلك الأمر قد يدفع تركيا لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة عسكرياً على الأرض وحتى سياسياً عبر التواصل مع روسيا وإيران.