رصدت مراكز التحليل السياسي في موسكو أن وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، الذي اختتم مؤخرا جولة في منطقة الشرق الأوسط، وضع في أولويات مباحثاته في العواصم العربية التي زارها التوصل إلى إجماع دول المنطقة للوقوف في صف واحد لمواجهة إيران، فضلا عن توضيح خلفيات سياسة الرئيس ترامب بشأن سحب القوات الأمريكية من سوريا واحتمالات تداعياتها الأمنية، وكان الموقف من سياسة تركيا حيال الأكراد، أيضا واحدا من أهداف الجولة.
وتزامنا مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكية خلال جولته الشرق أوسطية وتناوله آفاق الوجود الأمريكي في سوريا والمنطقة عموما قالت الناطقة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في 11 يناير/كانون الثاني “إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن في نهاية 2018 عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. ونعتقد أن تنفيذ النوايا التي أعلنتها واشنطن سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح”. وتنطلق موسكو من أن الوحدات العسكرية الأمريكية والأجنبية الأخرى المتواجدة في سوريا، “بشكل غير قانوني”، يجب أن تغادر البلاد في نهاية المطاف. وترى أن من المهم إن تنتقل الأراضي التي سيتم إخلاؤها، بعد انسحاب الأمريكيين، إلى سيطرة الحكومة السورية. وتقول إن تنظيم حوار بين الأكراد ودمشق، يكتسب أهمية خاصة، فالأكراد جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري. وأضافت: “أن عودة سيطرة السلطات الرسمية على المناطق التي يسكنها الأكراد يجب أن تحتوي المخاطر الأمنية على جيران سوريا”.
وعلى الرغم من أن بومبيو لم يستهدف روسيا بصورة مباشرة في تصريحاته المعلنة لكن موسكو، التي تابعت زيارته عن كثب، لم تغب عن باله، فالنوايا والاتجاهات التي أفصح عنها خلال تصريحاته وبياناته، تتعارض بشدة مع استراتيجيات روسيا وعقيدتها السياسية في المنطقة، وعلى وجه الخصوص في سوريا، وتجاه إيران التي لا ترى موسكو ضرورة تخليها عن مواقعها أو قطع الجسور بحلفائها الإقليميين، وإنما بالسعي إلى حوار إقليمي واسع يسفر عن طريق الحلول الوسط عن تعزيز الثقة وضمان أمن كل دولة ومصالحها في إطار العمل الجماعي، وكذلك بشأن مستقبل الأكراد.
وقلل الباحث السياسي جيورجي استرتريان من “جامعة العلوم الإنسانية الروسية الحكومية” من أهمية وبلاغة خطاب بومبيو في جامعة القاهرة. وقال إن خطاب وزير الخارجية الأمريكية كان بمثابة رد على خطاب الرئيس السابق باراك أوباما في الجامعة المصرية نفسها. وحسب تقييمه فإنه شتان ما الخطابين ومضمونهما واستقبال العالم الإسلامي لهما. فالأول، كما يرى، كان غنيا بكل المعايير ومتفهما لهموم العالم الإسلامي وتطلعاته، بينما جاء الثاني فضفاضا من دون مضمون. ولكن استرتريان يعترف بأن “أمريكا تبقى وكالسابق صاحبة أكبر نفوذ وتأثير، ولاعبا مرغوبا فيه في العالم الإسلامي” وأضاف “على الأقل بين نخب الشرق”.
ولفتت المراقبون في روسيا إلى أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي التي أطلقها ضد إيران منذ بدايته جولته الثلاثاء الموافق 8 يناير/كانون الثاني “كانت شديدة اللهجة”، واستحوذت على اهتمام وسائل الإعلام العالمية. ويرون أن بومبيو سعى خلال زيارته إلى رسم صورة عن إيران جعلها تبدو كعامل من عوامل زعزعة الاستقرار في المنطقة، وأن واشنطن عامل لتوحيد الصفوف. وبهذا الصدد أعلن عن التحضير لعقد مؤتمر دولي مناوئ لإيران في 24 و25 من مارس/آذار المقبل في بولندا.
وفي رأيهم فإن خطاب بومبيو يعكس خطط إدارة ترامب للإطاحة بالنظام الإيراني الحالي على الأرجح بالطرق السلمية، وإن التصدي لحراك طهران في المنطقة كان أحد الموضوعات التي تناولتها مباحثاته مع زعماء وكبار المسؤولين. ولفتوا إلى أشارته في حديثه لقناة فوكس نيوز أن “مؤتمر وارسو سيعقد من أجل رفع مستوى الاستقرار والأمن والحرية في غرب آسيا بهدف الحد من تأثير إيران الإقليمي”. ويرى بعض المراقبين في موسكو أن جولة بومبيو في الشرق الأوسط استهدفت التنسيق بين الدول التي ستشارك في المؤتمر، وحثها على الحضور في اللقاء. وعلى وفق تقدير هؤلاء المراقبين فإن بعض الدول العربية وإسرائيل ستلعب الدور الرئيسي في عقد المؤتمر المذكور. وعلى حد تقييمهم: هؤلاء هم اللاعبون المهتمون في تشديد العقوبات على إيران وفي سياسة عزل طهران.
وعلى حد مختلف جاءت تقارير وسائل الإعلام الروسية، فإلى جانب الموضوعات المشار إليها فإن جولة بومبيو في الشرق الأوسط استهدفت توضيح سياسة الرئيس ترامب في المنطقة، وخاصة في ضوء سحب القوات الأمريكية من سوريا. وعلى أساس سياسة الخروج التدريجي سيغادر سوريا أكثر من 2000 عسكري أمريكي منتشرين هناك في غضون 60 ـ 100 يوم.
وبعد قرار ترامب عبرت بعض الدول الحليفة في المنطقة عن القلق لهذا السبب. وتعتقد بعض الدول العربية في المنطقة، التي استقبلت بومبيو، أن الفراغ الذي سينشأ بعد رحيل القوات الأمريكية سيمهد الأرض لتعزيز نفوذ إيران وحلفائها. وأشير إلى أنه ولهذا السبب فحتى الحزب الجمهوري انتقد قرار ترامب بصدد خروج القوات من سوريا. ويستنتجون أن هذا يعني أن الولايات المتحدة تتجاهل مستقبل حلفائها.
وفي رأي الجانب الروسي فإن الغموض يكتنف الخطط الأمريكية وآفاقها في سوريا. وقالت الخارجية الروسية، على لسان الناطقة الرسمية باسمها ماريا زاخاروفا، “يوضح المسؤولون الأمريكيون أن انسحاب القوات العسكرية من سوريا لا يعني وقف أنشطة التحالف الدولي” الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم “الدولة”. ولا توجد بيانات واضحة لدى المسؤولين الأمريكيين بشأن الاستراتيجية الخاصة بهم، هناك فقط تلميحات وعبارات غامضة. ويمكننا أن نستنتج من هذا كأن الكلام يدور عن الانتقال إلى المرحلة التالية من حملة مكافحة الإرهاب. فهل ينبغي أن نستنتج من ذلك أن بمقدور الأمريكيين الاستمرار في شن غارات جوية، والقيام بعمليات عسكرية برية محدودة في الأراضي السورية، بالاعتماد على نقاط مرابطة خارج سوريا؟ من المدهش إننا نتحدث عن دولة تضع في مقدمة الأولويات حرية الكلمة واحترام الرأي العام والصحافيين، يعلنون أن نشر المعطيات يتم من دون عائق. في الوقت نفسه لا نرى وضوحا في الموقف والتقييمات والاستراتيجية في أكثر القضايا أهمية على الأجندة الدولية وحول الوضع في سوريا. والكلام لا يدور عن أراضي الولايات المتحدة وإنما عن أراضي دولة ذات سيادة. وبالنظر إلى أن الإجراءات المعلن عنها، تغير استراتيجية الولايات المتحدة، فإنني أود أن افهم عن أي شيء يدور الكلام بالتحديد”.
وأضافت “السؤال المبدئي الذي يطرح نفسه: إلى من سيجري نقل السيطرة على الأراضي التي سيتركها الأمريكيون؟ من الواضح يجب أن تكون للحكومة السورية، ولكن حتى الآن ليس لدينا معلومات عن أي اتصالات بين واشنطن ودمشق حول هذا الموضوع”. وأوضحت أن “موسكو تنطلق من أن أي تغيرات إيجابية على الأرض في سوريا يمكن أن تعطي تأثيرا إيجابيا طويل الأمد فقط في حال إذا جرى تعزيزها بتقدم كبير على مسار التسوية السياسية القائمة على احترام وحدة سوريا ووحدة أراضيها وسيادتها”.
ويعتقد الخبراء في مجال السياسة الخارجية أن ترامب تبنى مثل هذا القرار في ضوء مواقفه التي تستهدف الحصول على المنافع، لذلك فإن وزير الخارجية الأمريكي، الذي يضفي أهمية أكبر من ترامب على العلاقة بالحلفاء في الشرق الأوسط، سعى إلى إقناع الأصدقاء كي يمارسوا الضغط على إيران وإلى تهدئة المحور العربي.