ليس ثمّة أجندات غير معلنة لجولة وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو إلى الشرق الأوسط. هو غرّد على “تويتر” بأن الهدف بحث الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وخطط واشنطن مع حلفائها وشركائها لزيادة الضغط على إيران. الآن ستتوجه الأنظار إلى “قمة بولندا” التي أعلن المسؤول الأمريكي أنها ستعقد في الثالث عشر والرابع عشر من شباط/فبراير المقبل.
القمّة من شأنها أن تضع آليات الاستراتيجية التي تضع في مقدمة أهدافها كيفية الوصول إلى تهيئة المناخات الآيلة إلى إنجاح “الخطة الأمريكية للسلام” توصلاً إلى حل نهائي لملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتالياً الإسرائيلي العربي. وهي خطة يضعها الرئيس الأمريكي في سلّم أولوياته الشرق أوسطية، وستكون على الطاولة في غضون أشهر قليلة، وقد جرى صوغ مضامينها الأوّلية، المفتوحة على التعديل بما يجعلها قابلة للحياة، وفق متابعين في واشنطن.
من المبكر الجزم بمآلات “خطة السلام” وما إذا كان من نتائجها الإطاحة كلياً برؤية “حل الدولتين”، المنطلق من تعايش سلمي بين دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية ضمن حدود 1967 تكون عاصمتها القدس الشرقية. غير أنه بعد إعلان الرئيس الأمريكي اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفي ظل التشتّت العربي، ليس هناك وهمٌ بأن ما كان مطروحاً سابقاً بضمانات دولية لا يزال ممكناً اليوم.
على أن الاقتناع السائد لدى دوائر القرار الأمريكي، أن فتح الطريق أمام “عملية السلام الشاملة في الشرق الأوسط” لا يمكن أن يتحقق من دون وضع حد لنفوذ إيران في المنطقة. ومن هذا الباب يكتسب العنوان الإيراني أهميته القصوى، لجهة مواجهة تمدّد طهران عبر أذرعها العسكرية الفاعلة في غير دولة، من اليمن إلى العراق فسوريا ولبنان وصولاً إلى غزة التي تسيطر عليها حركة “حماس” التي شكّلت، مع التنظيمات المتشدّدة الأخرى، رأس الحربة في مواجهة السلطة الفلسطينية المعترف بها رسمياً، والمنخرطة في الحلول السلمية، ما آل إلى مزيد من إضعافها.
في قمة بولندا، سيكون حلفاء واشنطن العرب، ولا سيما الخليجيون ومصر والأردن حاضرين. فهؤلاء مدعوون إلى إنشاء تحالف “الشرق الأوسط الاستراتيجي” بينهم وبين الولايات المتحدة، من أجل ضمان أمن المنطقة وليكونوا ذراعاً أمريكية فيها، ولا سيما بعدما دخل الروس إلى هذه المنطقة من بوابة الحرب السورية، وليشكلوا قوة في وجه “الثورة الإيرانية” وفق التوصيف الذي يعتمده المسؤولون الأمريكيون في تصريحاتهم في زمن ترامب.
لا يعني إنشاء التحالف حرباً محتمة مع إيران. فترامب يعتمد بقوة على المواجهة الاقتصادية والتجارية كسلاح فعال بدل المواجهة العسكرية. سلاح العقوبات يعطي مفعوله وهو من خلال العقوبات وتشديدها، دفع الجميع من حلفاء لصيقين به ومن حلفاء بعيدين وحتى الخصوم إلى الالتزام بالتطبيق. فرهانه على “تدجين” إيران، من خلال الضغط عليها في الداخل، عبر شل اقتصادها وضربه، وتأليب الشارع الإيراني ضد السلطة الحاكمة وإشغالها، وصولاً إلى تهديد مستقبلها. هذه الضغوط عليها، فضلاً عن سياسة إضعاف أذرعها العسكرية الخارجية من شأنه أن يدفعها إلى التخلي عن مشروعها التوسعي وإلى الجلوس إلى الطاولة من أجل تسوية شاملة في مقدمها مع الولايات المتحدة التي حددت شروطها لإعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني وبدء صفحة جديدة معها ومع المجتمع الدولي.
لا شك أن في واشنطن، من بين صقور الإدارة، من يريد سقوط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويدفع في هذا الاتجاه مدعوماً من “اللوبي الإيراني” في أمريكا الذي يطمح إلى عودة الوجه المدني والعلماني إلى بلده الأم. و”صقور الإدارة” على غرار مستشار الأمن القومي جون بولتون يرون الأفق المستقبلية لبلادهم مع إيران جديدة، تعيد دفء العلاقة القديمة إلى ما كانت عليه قبل الثورة الإيرانية التي أطاحت بحليفهم الشاه، لكن هذه الطموحات تبقى رهن تطورات قدرة الشعب الإيراني على إحداث تحوّلات داخلية، وما إذا كان المرشد الأعلى علي خامنئي عازم على تجرع الكأس المرّة كما فعل سلفه الإمام الخميني سابقاً أيام الحرب الإيرانية العراقية.
الأمريكيون في قمة بولندا، يريدون حشداً دولياً. هم من وراء “وارسو” أرادوا توجيه رسالة إلى أكثر من جهة، إلى الاتحاد الأوروبي، وإلى روسيا في آن. فهذا البلد الذي كان في عداد حلف وارسو السابق ضمن دول الاتحاد السوفياتي هو اليوم حليف لصيق لواشنطن التي أبرمت معه صفقة عسكرية ضخمة وتتعهد بحمايته، ومنه أعلن ترامب أبرز خطاباته حول السياسة الخارجية. وبناء على نتائج المشاركة والحضور والقرارات سيكون ممكناً تقييم مدى نجاح واشنطن في استراتيجيتها، سواء في ما خص الشرق الأوسط أو مواجهة إيران.