رحلة بومبيو إلى الشرق الأوسط والوعد باجتراح المستحيل

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

قام وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بجولة شرق أوسطية من 8 -14 كانون الثاني (يناير) شملت الأردن والعراق ومصر ودول الخليج باستثناء الكويت. وكان هدف زيارة بومبيو للمنطقة محاولة تطمين الحلفاء العرب بشأن خطط الانسحاب الأمريكي من سوريا وموقف إدارة دونالد ترامب من مجمل قضايا المنطقة، ذلك أن السياسة الأمريكية المرتبكة أصلا زادت ارتباكا في هذه الإدارة. وكان الارتباك والتناقض واضحين بين ما يقوله المسؤولون الأمريكيون وما يكتبه الرئيس من تغريدات، وبطريقة دعت المسؤولين في المنطقة يتساءلون عن مواقف مبعوثي الرئيس وما إذا كانوا يمثلون أنفسهم أم أنهم يعبرون عن مواقف الرئيس.

إلا أن ما تكشف عنه الخطط الأمريكية في المنطقة وزيارة كل من بومبيو وقبله مستشار الأمن القومي جون بولتون عن ظهور سياسة خارجية أمريكية أكثر تشددا و”صقورية” مع أنها لم تتخلص من ارتباكها بعد. وهو ما عبرت عنه صحيفة “فايننشال تايمز” (15/1/2019) في افتتاحيتها عندما وجدت العذر للرئيس التركي رجب طيب اردوغان لشعوره بالارتباك. فبعد أن وعده ترامب بالخروج من سوريا هدده بتغريدة بأنه سيمطر “الدمار الاقتصادي” على بلاده حالة نفذ وعيده وهاجم حلفاء أمريكا في سوريا وهم الأكراد. وترى الصحيفة أن التشوش ليس حالة جديدة في السياسة الأمريكية، مشيرة لتخبط جورج دبليو بوش وعجز باراك أوباما عن فرض خطه الأحمر حالة استخدم نظام بشار الأسد السلاح الكيماوي ضد شعبه. وقبل ذلك مراوحته بين دعم انتفاضات الربيع العربي والقبول بحكام ديكتاتوريين على شاكلة السيسي لاحقا.

سياسة خارجية

وضمن هذا السياق يمكن قراءة زيارة بومبيو، فهي وإن عبرت عن أحلام الوزير وما يمكن أن يحققه إلا أنها لن تقضي على التشوش الذي يطبع إدارة ترامب في سياستها تجاه الشرق الأوسط بفارق وحيد وهو أن ترامب كان واضحا منذ البداية بل ومنذ عقود في موقفه من حروب أمريكا في الخارج ومعاهداتها الدولية وشكه بل واحتقاره للتعاملات الدولية المتعددة الأطراف. وبدا هذا واضحا في مواقفه من اتفاقيات التجارة الحرة وهجومه على حلف الناتو وتقديمه دول وسط وشرق أوروبا على دول أوروبا الغربية، خاصة ألمانيا. ويمكن النظر لما قاله بومبيو بشأن علاقة أمريكا بالمنطقة ضمن أكثر من سياق. فكما جاء في خطابه في القاهرة يوم 10 كانون الثاني (يناير) حيث وصف أمريكا بـ “قوة الخير” وأنها لا تتخلى عن أصدقائها وأنها ستظل في سوريا ولكنها ستسحب قواتها. وفوق كل هذا أكد على أن إيران هي العدو الحقيقي للعرب وإسرائيل ولدى أمريكا نية مساعدة الحلفاء للحد من تأثيرها ودورها التخريبي في المنطقة.

وفي سياق آخر جاء خطابه كرؤية معكوسة وشاجبة لخطاب أوباما قبل عقد تقريبا في المدينة نفسها والذي اقترح فيه علاقة جديدة مع العالم الإسلامي وشجب فيه حروب سلفه. ومن وجهة أخرى يعكس الخطاب ومجمل الزيارة السياسة الخارجية الأمريكية في وضعها بعد عامين من تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة. فحسب توماس رايت مدير مركز أمريكا وأوروبا فالتخبط في سياسة ترامب الذي بدا في السنوات الأولى لم ينبع من مواقف ترامب الواضحة منذ عقود ولكن في صراعه ومستشاريه السياسيين من جهة ومؤسسة الأمن القومي من جهة أخرى. وظل المعسكران حتى وقت قريب يتنافسان على سياسة القرار الأمريكي الخارجي. وجاء في مقال رايت بـ “فورين أفيرز” (18/1/2019) أن الرئيس بات يتسيد القرار رغم أنه لم ينتصر بشكل واضح. وبات من السهل تحديد سياسة خارجية واضحة لإدارته. وتتمحور هذه السياسة على علاقات تعاقدية ضيقة مع الدول الأخرى ودعم للحكومات الشمولية وليس نشر الديمقراطية ومدخل تجاري للسياسة الاقتصادية الدولية وعدم احترام لحقوق الإنسان وحكم القانون ودعم القومية والتفرد بالقرار على حساب التعددية الدولية. ويرى رايت أن ترامب عندما فاز لم يكن لا هو أو أي من فريقه مستعدين للحكم ولهذا استعان بالجنرالات المتقاعدين ومدراء الصناعة السابقين مثل جيمس ماتيس في الدفاع وريكس تيلرسون في الخارجية وغاري كوهين كمدير للمجلس الاقتصادي القومي وبعد ذلك عين أتش أر ماكمستر مستشارا للأمن القومي. ومارس هؤلاء نوعا من الضبط على سياسات ترامب الخارجية خاصة المتعلقة بالناتو والتجارة الحرب والاتفاقية النووية مع  إيران ووضع القوات الأمريكية في ميادين الحرب. ولكنه بدأ لاحقا بالدفع ضد مستشاريه. ففي منتصف تموز (يوليو) 2017 تذمر من تجديده الإعفاءات المتعلقة بالاتفاقية النووية. لكنه في نهاية ذلك العام أخذ يتحرك لتنفيذ ما يريد مهما كانت مواقف مستشاريه كما بدا في اعترافه بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقله سفارة الولايات المتحدة إليها. ثم بدأ يفرض التعرفات الجمركية على الأصدقاء والأعداء. وقرر لقاء زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ- أون وكذا وافق على لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي. ولم يكن في استطاعته عمل هذا بدون تغيير في طاقمه حيث بدأ عام 2018 بعزل تيلرسون  وماكمستر وكوهين. وجلب إلى الإدارة بومبيو وجون بولتون ولاري كودلو. وما يجمع الثلاثة هو الولاء المطلق لترامب. واستمرت الموجة برحيل السفيرة في الأمم المتحدة نيكي هيلي وانتهت باستقالة ماتيس بعد قرار الخروج من سوريا. وكان حضور بولتون مهما لأنه منح الرئيس السلطة التي كان يحن لها والتحكم في سياسات الأمن القومي. ولدى الرئيس الآن فريق لا يحاول الحد من قراراته بل وتضخيمها. وضمن هذا السياق بات للرئيس سياسة خارجية موحدة تتكيف من خلالها الإدارة مع نزعات الرئيس وتعمل على تطبيقها. وفي هذه السياسة لم يعد هناك أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون. فهي تقدم التعاقدات التجارية مع كل الدول بدون الاهتمام بالصلات التاريخية. وتهتم بالضرورة بالمنافع المباشرة التي تتراوح من بيع السلاح والدعم الدبلوماسي. وبدت هذه السياسة واضحة في موقف ترامب من السعودية حيث دعم ولي العهد محمد بن سلمان في أعقاب مقتل خاشقجي متذرعا بصفقات السلاح التي تقدر بالمليارات. وفي المقابل لم ينجح رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في الحصول على الدعم بعد قرار الرئيس مقابلة الزعيم الكوري الشمالي.  ولم تلتفت إدارة ترامب لمسألة حقوق الإنسان أو الديمقراطية التي لم يذكرها بومبيو في خطابه سوى مرة واحدة. وإذا أرادت الإدارة الحديث عن حقوق إنسان ففي سياق إيران وكوبا وفنزويلا. وتظل الخلافات واضحة بين الرئيس وفريقه خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط. وكان هذا واضحا في زيارة بولتون وبومبيو، ففي الوقت الذي يتفق فيه ترامب وفريقه على موقف متشدد من إيران إلا أن الرئيس متردد في تكريس جهود ومصادر للحد من تأثير إيران في سوريا ويرغب في مغادرة المنطقة. ويعتقد أن دور أمريكا يجب أن يقتصر على دعم حلفائها في المنطقة مثل فرض العقوبات والخروج من المعاهدة النووية. وبسيادة ترامب للسياسة الخارجية بمعالمها الجديدة فستكون أمريكا قد أضعفت من علاقاتها مع النظام الدولي ومهمة حماية حقوق الإنسان. وما تبقى هو أثر هذه السياسة الموحدة على العالم، وهي مرحلة ترامب الثالثة حتى نهاية ولايته الأولى  وبعيدا عن حيوية المبررات التي تطرحها إدارة ترامب حول كلفة الانخراط في العالم وضرورة التركيز على الأعداء الكبار مثل الصين وروسيا اللتين تفوقتا من ناحية الإبداع العسكري على أمريكا بشكل دفع ترامب للإعلان عن سباق تسلح جديد إلا أن الشرق الأوسط قد لا يسمح لأمريكا بالخروج، فعندما أمر أوباما القوات الأمريكية بالخروج عام 2011 اضطر للعودة بعد عامين لمواجهة تنظيم “الدولة”، وذكّر هجوم منبج يوم الأربعاء وقتل فيه أربعة امريكيين بكلفة الخروج بدون تخطيط.

تباينات

وكما يقول وولتر راسل ميد في “وول ستريت جورنال” (14/1/2019) لا تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد على دول متفرقة ومتنافسة في المنطقة لمواجهة إيران. واكتشف بومبيو الواقع بنفسه عندما اعترف أن ليس بقدرته دفع دول الخليج لإنهاء الخلاف مع قطر. وبدا واضحا من المواجهة الكلامية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اردوغان ورفض الأخير مقابلة بولتون بسبب طلبه ضمانات تركية بحماية الأكراد في سوريا. وبالنظر لرحلة “العصف الدماغي” في المنطقة يبدو أن بومبيو لم يحقق أي تقدم على جبهة توحيد الحلفاء ضد التهديد الأعظم الذي تمثله إيران، لأنه حسب “نيويورك تايمز” (15/1/2019) لم يقدم أي توضيح حول كيفية التصدي لإيران سوى إشارته إلى أن الجمهورية الإسلامية تسيطر على خمس عواصم في المنطقة، في سوريا ولبنان واليمن والعراق وإيران نفسها، حيث تريد واشنطن تمكين الإيرانيين من السيطرة على مصيرهم. وشككت الصحيفة بإمكانية “ناتو عربي” نظرا لتباين أجندات دول المنطقة وحتى علاقات هذه الدول مع إيران. وعلى العموم فخطاب بومبيو في زيارته للمنطقة لم يختلف عن أي خطاب يلقيه مسؤول أمام حزبه. وبدا متناقضا مع نفسه عندما شيطن وخطأ باراك أوباما وهو يتحدث في الوقت نفسه عن تكرار أخطاء الإدارة السابقة لأوباما.

دروس من كيسنجر

وكان على بومبيو تجنب تقديم الوعود وإخراج “آخر جندي إيراني من سوريا”، وهو وعد له استحقاقاته تجنبه هنري كيسنجر الذي زار في تشرين الثاني (نوفمبر) 1973 عندما زار مصر بعد نهاية حرب أكتوبر/تشرين الأول ولقاء الرئيس أنور السادات. وكانت الولايات المتحدة تحضر للخروج من فيتنام، وكان وزير الخارجية الجديد راغب بإخفاء الضعف الأمريكي من خلال دبلوماسية قوية في الشرق الأوسط. وحتى يبني مصداقية مع السادات قال له “لن أعدك بشيء لا أستطيع تحقيقه”. وعلق مارتن إنديك بمقال له في مجلة “ذا أتلانتك” (15/1/2019) قائلا إن بومبيو مثل كيسنجر يحاول استخدام الدبلوماسية وإظهار أن أمريكا “لا تزال قوة خير”، والمشكلة هي أن الدبلوماسية تحتاج لورقة نفوذ. وعندما قرر الرئيس سحب القوات من سوريا لم يعد لدى أمريكا الفرصة للمساهمة في تشكيل مستقبل البلد. ويعتقد إنديك أن كيسنجر فهم سريعا وضعية أمريكا وعمل بجهد لإقناع غولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية الانسحاب من قناة السويس إلى صحراء سيناء وأن انسحابا كهذا هو مصلحة إسرائيلية. وكان على بومبيو عمل هذا مع محمد بن سلمان في اليمن. لو انتهز فرصة ضعف بن سلمان بعد مقتل خاشقجي وشدد عليه تغيير المسار في الحرب. وبدلا من ذلك اكتفى بالكلام وترك المهمة للمبعوث الدولي. والأمر نفسه يقال عن الناتو العربي، الذي تواجهه عقبة حصار قطر. فلو فعل كما فعل كيسنجر واستخدم لغة الضغط واللطف من أجل وقف النفط بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول، وبدلا من استخدام النفوذ لحل الأزمة مع قطر استقال الجنرال المتقاعد أنطوني زيني من مهمة الوساطة. وفي المقام نفسه تجنب بومبيو النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني ولم يتحدث عن قرار الرئيس نقل السفارة إلى القدس إلا لكونه وفاء بوعد انتخابي.  كان على وزير الخارجية وقبله أوباما تجنب الخطابات التي خلفت الخيبة للعرب واتباع مثال كيسنجر الذي لم يلق خطابات في العالم العربي وفضل أن تتحدث إنجازاته الدبلوماسية عن نفسها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية