الّلوْحَة

حجم الخط
0

كان ينوي عرض لوحته الكبيرة في أحد الأسواق الشعبية الشهيرة، حيث استلهم تفاصيلها. لم يتبق على الموعد المحدد سوى أيام قليلة، وعليه أن يطمئن إلى كافة التفاصيل، فهو يعتبر الأمر حدثاً محورياً في تاريخ الفن. فمن رسم لوحة تتخطى مساحتها العشرين متراً من قبل؟ بحث في تاريخ الفن فلم يجد، وقلّب في موسوعة الأرقام القياسية، فلم يعثر على شيء. ابتهج وهو يفكر أن حدثاً كهذا يمكنه أن يضع اسمه بالفعل بين الأسماء التي تحتويها هذه الموسوعة.. ولم لا؟ فهو صاحب أصغر لوحة، وها هي أكبر لوحة، وربما يفكر مستقبلاً في رسم «أتخن» لوحة.
رتب للأمر جيداً، واتفق مع عدد من الأشخاص النافذين في السوق المزدحم بكل أنواع البضائع التي تخطر على البال، جهز في السوق مكاناً لائقاً يبرز جمال اللوحة الكبيرة، ووضع خطة مُحكمة ليوم العرض. اتصل أولاً- وقبل كل شيء- بوسائل الإعلام والصحافيين، فقد كان حريصاً على تسجيل الحدث وتسليط الضوء عليه كي لا يمر مرور الكرام، وحتى يكون ملهماً أيضاً ـ وهو الأهم- لغيره من الفنانين الآخرين.

آمن الدكتور طاهر دائماً أن الفن مكانه الطبيعي في الشوارع والميادين، ورأى في عرض لوحته الكبيرة وسط هذا السوق الشعبي تجسيداً مثالياً لهذه القناعة التي يؤمن بها.

آمن الدكتور طاهر دائماً أن الفن مكانه الطبيعي في الشوارع والميادين، ورأى في عرض لوحته الكبيرة وسط هذا السوق الشعبي تجسيداً مثالياً لهذه القناعة التي يؤمن بها. إنها خطوة سيتذكرها الناس بلا شك، وستُكتب في تاريخ الفن بأحرف من نور.. هكذا كان يقول لنفسه وهو يتطلع بإعجاب في ذلك اليوم إلى لوحته، كأنه يراها لأول مرة، أو أن أحداً غيره قد رسمها. أيام قليلة فقط ويكشف لجمهوره عن ذلك العمل الاستثنائي، كما وصفه في الكلمة التي جهزها ليوم العرض. قضى ليلته في ترتيب الملفات وأوراق الصحف التي تناولت أعماله من قبل، مستمعاً إلى صوت أم كلثوم. الاستماع إلى صوت الست هو أحد طقوسه الليلية التي لا يستطيع التخلي عنها. دائما ما يستمع إلى صوت أم كلثوم مع فنجان قهوة كبير، وغالباً ما يأتيه الإلهام في لحظات التجلي هذه.
في وقت متأخر من الليل، وبينما كان على وشك النعاس، باغته جرس الباب.. صوت متكرر ومتوتر لطائر الكناريا، أعقبه طرق متواصل.. تعثر في حذائه وكاد يسقط أرضاً وهو يهرول من سريره.. قال في نفسه متأففاً: لابد أنه البواب الملعون.. ولكن لماذا يطرق الباب هكذا، وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ نظر من العدسة فوجد البواب كما توقع، لكنه لم يكن بمفرده، كان يقف زائغ العينين بين رجلين آخرين، ففتح الباب متوجساً. أحد الرجلين كان طويل القامة، بوجه عريض وملامح حادة، والآخر أقصر منه على نحو لافت، وله جسد ممتلئ بعض الشيء.
-انت الأستاذ طاهر؟ سأله الرجل الأول بصوت هادئ
– أيوه، أنا الدكتور طاهر
– معانا استدعاء لحضرتك
-استدعاء إيه؟
سلمه الرجل ورقة صغيرة فتطلع إليها الدكتور طاهر ثم أعاد النظر إليه في وجوم
-أمن الدولة! ليه؟
– ماعرفش والله، هاتبقى تعرف هناك حضرتك، ولازم تيجي معانا دلوقتي.. قالها الرجل الأقصر بصوت حاد ومتحشرج.
ازدرد الفنان ريقه بصعوبة، واستأذن في تبديل ملابسه وهو في شدة الاضطراب. في الدقائق القليلة التي بدل فيها ملابسه استعاد تاريخ حياته من وقت الرضاعة حتى هذه اللحظة المُربكة، منقباً عن السبب وراء هذا الاستدعاء، فلم يعثر على شيء. هو نموذج للمواطن المثالي، لم يسبق له أن اعترض أو تعرض لشيء يخص السياسة.. ما الذي حدث؟ هو إنسان مسالم بمعنى الكلمة، وودود إلى أبعد مدى.. أعادها مرة أخرى، أمن الدولة! ينهار أسود.
حاول أن يقنع نفسه أن ثمة خطأ ما، فهي أمور تحدث. بدّل ملابسه على عجل، ثم توجه مع الرجلين بدون أن يهتدي إلى تفسير مناسب. حين وصل إلى هناك طلب منه أحدهما أن ينتظر في إحدى الغرف بعض الوقت. لم يكن في الغرفة سوى أريكتين خشبيتين ونافذة مغلقة. حاول أن يشغل نفسه بتأمل الأشكال والخربشات على الجدران بفعل تآكل الطلاء، هو أمر لازمه منذ كان صغيراً، ويعينه على التأمل وقتل الوقت، لكنه لم ينجح هذه المرة في تهدئته، حين تمكن منه الملل أخيراً فتح الباب ليجد الرجل القصير جالساً قربه.
-هوه لسة قدامنا كتير؟
-ما تقلقش، شوية كده
– انا عندي مواعيد بكرة والله. ثم أردف: بس بكرة إيه بقى! ماحنا بقينا بكرة خلاص.. قالها وهو يتعمد رسم ابتسامة مصطنعة على وجهه كعلامة للمزاح، غير أن ملامح الرجل أمامه ظلت ثابتة ولم تتغير.
– قولت لحضرتك ما تقلقش، البيه عنده ناس، لما يخلّص هادخلك.. قالها الرجل بصرامة وحدة هذه المرة.
مرّ الوقت بطيئاً، وهو مايزال يفكر في سبب استدعائه، وفجأة لمعت في عينيه صورة اللوحة.. هل يمكن أن يكون هذا الاستدعاء متعلقاً بها؟ لم لا؟ فسوف يعرضها في قلب سوق كبير، ولابد أنهم رأوا أن الأمر في حاجة إلى نوع من التأمين.. نعم، ليس هناك شيء آخر.. إنهم يريدون توفير الحماية لهذا الحدث الكبير، فهم يرغبون بلا شك أن يُظهروا للرأي العام مدى حرصهم على أمور الثقافة، فالخبر منتشر في كافة الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، وهم يريدون استغلاله بلا شك. ارتاح أخيراً إلى هذا التفسير الذي اهتدى إليه، وانخرط في ترتيب أفكاره. قرر بينه وبين نفسه أن ينوه في الكلمة التي سيلقيها يوم الافتتاح بالدور الذي لعبه رجال الشرطة في إنجاح الحدث.. نعم، فلابد أن نعطيهم حقهم، ويكفيهم ما يلاقونه هذه الأيام، إذ لا يمر يوم إلا ونسمع فيه عن دعوة للتظاهر لسبب أو لآخر. بعض المتحمسين من الشباب لا يرون هذه التحديات التي يواجهها الوطن. ماذا لو انخرط كل منهم في عمله وأتقنه كما أفعل؟ فالأوضاع لا تحتمل، والحماسة الزائدة قد تضر أحياناً. وبينما هو مستغرق في أفكاره هكذا انتبه على صوت الباب وهو يُفتح.
حين اصطحبه الرجل القصير إلى حجرة أخرى، وجد نفسه أمام مكتب خشبي تتبعثر عليه بعض الأوراق والملفات. نظر إليه صاحب المكتب من دون أن يرفع رأسه عن الأوراق التي أمامه وأشار إليه بالجلوس، ثم سأله: انت الأستاذ طاهر؟
-أيوه، أنا الدكتور طاهر
– إيه بقى حكاية اللوحة اللي عايز تعرضها في السوق دي ياعم طاهر؟

اجتهد الدكتور طاهر بعدها ليمحو هذا اليوم من ذاكرته تماماً.. لم يعد يرسم لوحات كبيرة كما كان، وهو اليوم يؤمن أن الفن مكانه الطبيعي داخل القاعات المغلقة.

تنفس الفنان في هدوء واطمأنت نفسه قليلاً، فالأمر يبدو كما توقع، إن إحساسه لا يكذب أبداً. أسند ظهره إلى الكرسي، وبدأ في التعامل بشكل أكثر أريحية، كأنه يتحدث أمام الكاميرا. أخذ يُسهب في شرح طبيعة العمل، ورغبته في رأب الصدع بين الفنان والمتلقي، وكيف أنه استلهم موضوع لوحته من السوق للتعبير عن الكادحين الذين يمثلون روح الوطن. وقبل أن يسترسل في حديثه قاطعه صاحب المكتب بصوت يخرج عادة من أعماق الحنجرة، ليضع حداً ثقيلاً من الصمت لم يدم سوى ثوان معدودة، بدا خلالها صاحبنا كأن برميلاً من المياه الباردة قد سقط بغتة فوق رأسه.
– إنس الموضوع ده نهائي.. انت فاهم؟ قالها الرجل في حسم وهو يضرب بيده على طرف المكتب أمامه.
أخرج الفنان بضع كلمات مرتبكة ومتلعثمة وبلا معنى تقريباً، قبل أن يقاطعه الرجل مرة أخرى محذراً، انت سمعت أنا قولت إيه؟ قالها بحدة ثم أردف: لو قربت ناحية السوق بـ«الخرية» بتاعتك دي هانولعلك فيها.. فاهم؟
سمع الدكتور طاهر هذا الكلام فكاد يسقط من وقع الصدمة، وقد تسمر في مكانه، وتبدلت ملامحه، وأصبح كفأر حاصرته قطة جائعة وشرسة. بحث في قاموسه عن كلمات مناسبة، فتاهت الحروف بين شفتيه المرتعشتين، وظل فاغراً فاه ومحدقاً في الفراغ الفاصل بينه وبين محدثه كأن به مس.. غير أن الرجل أنهى الموقف قائلاً: اتفضل حضرتك.. مشيراً إلى الباب.
خرج الدكتور طاهر وهو في شدة الارتباك، لا يستطيع التفكير في شيء محدد. لم يدر يومها كيف قطع المسافة إلى مرسمه سيراً على الأقدام. كل ما يذكره أن الكلمة التي وصف بها الرجل لوحته ظلت تتردد في أذنيه طوال الطريق، وحاصره صداها لبضعة أيام. حين وصل إلى مرسمه في ذلك الصباح تجنب النظر إلى اللوحة قدر الإمكان، قبل أن يتوجه إلى سريره ويغط في نوم عميق. اجتهد الدكتور طاهر بعدها ليمحو هذا اليوم من ذاكرته تماماً.. لم يعد يرسم لوحات كبيرة كما كان، وهو اليوم يؤمن أن الفن مكانه الطبيعي داخل القاعات المغلقة.

٭ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية