الموت يُغيّب ثلاثة مبدعين عن الساحة الثقافية والفنية الأردنية منذ ‘ثورة 25 يوليو’عمان ‘القدس العربي’ من سميرة عوض: فقدت الساحة الثقافية والفنية الأردنية ثلاثة مبدعين، آخرهم الراحل الشاعر إبراهيم الخطيب إثر مرض عضال لازمه لأكثر من ثلاث سنوات كان فيها طريح الفراش، وقبلها رحيل واحد من الأدباء الذين ساهموا عام 1974 في تأسيس رابطة الكتاب الأردنيين المبدع سالم النحاس في أحد مستشفيات عمان، وكان الأول رحيل الفنان إسحاق نحلة، أحد مؤسسي الحركة التشكيلية الأردنية إثر نوبة قلبية عشية ‘ثورة 25 يوليو’، التي ألقت بظلالها على الحراك الثقافي الأردني وعلى مبدعيه. الشاعر إبراهيم الخطيب: ألوذ بالحجرنعت رابطة الكتاب الأردنيين الدكتور الشاعر الخطيب الذي غيبه الموت في مدينة إربد، مساء الخامس من شباط ‘فبراير’ الجاري عن عمر (73) عاما بعد صراعه مع مرض عضال لازمه لأكثر من ثلاث سنوات كان فيها طريح الفراش.
والخطيب مواليد قرية قومية/ فلسطين عام 1938، يحمل شهادة البكالوريوس في الطب البشري من جامعة دمشق عام 1973، وشهادة البورد الأمريكي عام 1981، وكان يعمل مدرسا لمدة تسع سنوات في السعودية، قبل أن يعمل طبيبا اختصاصيا في أمراض النساء والولادة، وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، كما عمل أميناً للشؤون الخارجية للرابطة ويحمل عضوية اتحاد الكتاب العرب وجمعية الأطباء الشعراء ونقابة الأطباء. وللراحل مجموعة كبيرة من دواوين الشعر صدرت في أكثر من مدينة وعاصمة عربية، لاقت اهتماما كبيرا من النقاد الأردنيين والعرب، ومنها: غنى لي غدي/ 1984، قناديل للنهار المطفأ/1985، عز الدين القسام 1986، حظيرة الرياح 1987، ألوذ بالحجر 1989، وجها لوجه 1990، سنابل الأرجوان 1991، دم حنظلة 1992، أرى قوافي قد أينعت/ 2002، قاب دم وانتظار/ 2006، وغيرها من الأعمال الشعرية.
ترجمت بعض أشعاره إلى اكثر من لغة أجنبية، شارك في الكثير من المهرجانات الشعرية المحلية والعربية ومنها: مهرجان جرش، ومهرجان المربد، كما نال الشاعر الراحل الجائزة الأولى لأفضل نص مغنى في مهرجان الأغنية العربية عام 2002، وكتب للإذاعة والتلفزيون العديد من الأعمال الدرامية وشارك في فعاليات ومناسبات وملتقيات شعرية أردنية وعربية، ورغم ذلك فأن الوسط الثقافي لم يف الخطيب حقه عندما كان طريح الفراش لثلاثة أعوام، ولم نسمع حتى بإقامة حفل تكريم واحد لأجله، نأمل في أن يتم تكريمه بعد مماته.
وكان الدكتور الشاعر الراحل قد جعل عيادته قبل أن يقعده المرض فضاء للإبداع وملتقى لزملائه من الكتاب والمثقفين في مدينة اربد، وفي أكثر من مناسبة أشار إلى وجهة نظره تجاه المشهد الشعري عربيا ووصفه بأنه آخر خندق يتمترس فيه العرب بعد هذا الشتات السياسي القطري، منوها انه أخذت تطغى على المشهد قصائد لا تحمل رسالة ما كتبت بلغة تهويمية لا يجمعها معنى ولا طعم لها أو رائحة وأغلبيتها كلام خالٍ من الموسيقا والعاطفة، وان هناك من الشعراء العرب يكتبون قصيدة النثر التي قطعت العلاقة بين الشاعر والجمهور وساهمت في القطيعة الماثلة بين الشاعر والمتلقي. وطالما دعا الشاعر الراحل إلى ضرورة أن تهتم مؤسسات الدولة في القطاعين العام والخاص بحقول الثقافة المتنوعة مبينا ان الشعر الأنيق البليغ الكلمة ليس ترفا وهو إلى جوار سائر حقول الإبداع الأخرى يسهم على نحو ايجابي وفعال من النهوض الاجتماعي والحضاري للأمة.
ويضيء الشاعر عمر أبو الهيجاء، صديق الفقيد الأقرب، الذي أصيب بالصدمة لفقدانه، جانبا من شخصية الخطيب ‘في غيابك يا صديقي يبكيك الأصدقاء وتبكيك القصيدة، نم بسلام.. عليك السلام.. في غيابك.. تذكرك شوارع اربد وحاراتها.. يذكرك منزل الشاعر خالد أبو حمدية حين كنا نلتقي والصديق الروائي محمود عيسى موسى، يذكرك أطفالي ومنزلنا الذي احتضن ضحكاتك وأشعارك، يذكرك مقهى التيميتو… كان شاعراً مسكوناً بالوجع والخيبات الكثيرة التي عاصرها خلال حياته، خيبات الرحيل والمنافي والانكسارات، شاعراً أنشد للمتعبين وللوطن وللمرأة، وكان شاعرا أنيقا وجميلا يفضي روحه على كل أمسية يحضرها، رحيل الصديق الشاعر إبراهيم الخطيب أصابني بالصدمة، والكلمات الآن في داخلي مصابة بالاختناق، إبراهيم كان إنسانا وشاعرا يحمل في ثناياه معنى الحب والإنسانية، وناضل في سبيل ذلك، (أبو طارق) وأنا لم نفترق يوما منذ عرفته قبل أكثر من عشرين عاما، كان يهاتفني يوميا، وأنا عائد إلى اربد من عمان بعد انتهاء عملي في جريدة ‘الدستور’، يقول لي أكيد بالباص ما زلت، عندما تصل مر عندي على العيادة’. ويستذكر أبو الهيجاء، ‘قبل ثلاث سنوات عندما أصيب بجلطة دماغية مساء أحد الأيام لم يتصل بي، وكان الجو صقيعا، قلت في نفسي ربما غادر إلى المنزل، ليأتي الخبر في اليوم التالي بأنه أصيب بجلطة دماغية وهو في العيادة مساء ليبقى حتى الصباح يعاني دون أن يعلم به أحد’. الأديب سالم النحاس: وأنت يا مادباكتابة سالم النحاس هي من ذلك النوع الذي نتذكره في زمن الثورات والانتفاضات الجماهيرية، وهذا لا يقلل من شأنها، بل يشهد على أهميتها وضرورتها في مواجهة نوع آخر يغوص في الأعماق ويصور الترددات الفائقة للذات الفردية الباحثة عن خلاصها الشخصي، كما يقول الناقد فخري صالح، الذي يصفه بقوله: ‘سالم النحاس المثقف العضوي’، هكذا يصفه الكاتب فخري صالح، مضيفا ‘يصعب تصور المشهد الثقافي بعامة، والمشهد الثقافي النقابي في رابطة الكتاب الأردنيين في غياب الصديق القاص والروائي، بل الكاتب المتعدد، سالم النحاس: فهو على مدار ما يزيد على خمسة وثلاثين عاما كان حاضرا في المشهد الثقافي، مقاتلا من أجل ما اعتقده ضروريا في العمل الثقافي النقابي. كان يرى أن رابطة الكتاب، التي كان عضوا في هيئتها التأسيسية عام 1974، هي البيت الديمقراطي الذي يضم المثقفين والكتاب الأردنيين. وبغض النظر عن طبيعة التحالفات التي نشأت في إطار العمل الرابطي، وتغير هذه التحالفات عبر السنوات، فإن سالم كان مدهشا في دوام حضوره وإصراره على العمل العام. لم يمنعه انشغاله في العمل السياسي، ولم يقعده المرض عن الاهتمام بالرابطة وشؤون المثقفين الأردنيين يوما من الأيام. كان بالفعل رجلا مثيرا للإعجاب يعز أمثاله في زمان يلهث فيه مثقفون كثر خلف أعطيات السلطات والجهات المانحة والمانعة، التي توظف المثقفين لغايات بعينها، كما ينزوي فيه آخرون محبطون مما آل إليه حال العرب في سنوات الانهيار والخراب. إنه من نوع المثقفين المتفائلين الذين يعتقدون أن العمل ضروري وممكن وقادر على تغيير الصورة مهما كانت قاتمة ومهما كانت الآفاق مسدودة أمام التغيير والتقدم’. وكان الموت غيب القاص والروائي سالم النحاس عن 65 عاماً، في 29 كانون الثاني ‘يوليو’، بعد معاناة طويلة مع المرض، تعرض إلى أكثر من أزمة مرضية أقعدته في الفراش طيلة العشر سنوات الماضية، والنحاس المولود في مادبا عام 1940 الواقعة جنوب العاصمة عمان، واحد من الناشطين الثقافيين المعروفين بمزاوجتهم بين العمل السياسي والكتابة الأدبية، عرف بنضاله السياسي في صفوف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وأميناً عاماً لحزب الشعب الأردني (حشد) ورئيساً لتحرير صحيفة ‘الأهالي’، من مؤسسي رابطة الكتاب الأردنيين في العام 1974، ورغم انغماسه في العمل السياسي السري والعلني والنضال النقابي، فقد أنجز عدداً من الأعمال الإبداعية اللافتة منها: أصدر النحاس روايتي ‘أوراق عاقر’ 1968 و’الساحات’ 1987، ومجموعتين قصصيتين: ‘وأنت يا مادبا’ 1979، و’تلك الأعوام’ 1981، ومسرحية ‘الانتخابات’ 1981، ومجموعة شعرية: ‘أنت بالذات’ 2001. يعد الراحل سالم النحاس.. متفرغاً للإبداع الثقافي بعد رحيله، إذ فاز، بمشروع التفرغ الإبداعي في حقل الرواية للعام 2010 عن رواية بعنوان ‘يا حوت خل قمرنا’، وبحسب مشرف مشروع التفرغ الإبداعي في وزارة الثقافة الروائي هزاع البراري أنه ‘يبقى التفرغ الإبداعي باسم الفائز به حسب قانون التفرغ الإبداعي الذي ينص على: (في حال وفاة المتفرغ أثناء مدة التفرغ تؤول مستحقاته المالية عن هذا المشروع إلى ورثته، سواء استكمل مشروعه الإبداعي أو لم يستكمل). ونوه البراري بأنه ‘تم إعلام ذوي الراحل سالم النحاس شفويا بذلك، أي انه بعد القيام بعملية حصر الإرث لدى المحاكم الخاصة، وتفويض احد المقربين من الراحل، ستقوم الوزارة بتسليم باقي مبلغ التفرغ’. وبين البراري: ‘أن وزارة الثقافة علمت أن الراحل سالم النحاس أنهى مشروعه الإبداعي حسب احد المقربين، في هذه الحالة ستعمل الوزارة على الاطلاع على ما أنجزه الراحل والتحقق من اكتماله، وبالتالي طباعته ونشره كما هو معمول به’. الفنان إسحاق نحلة: أعماله ستبقى وكانت الأسرة التشكيلية الأردنية فقدت الفنان إسحاق نحلة، اثر جلطة دماغية مفاجئة، وشيعه ذووه وعدد كبير من المثقفين والفنانين الأردنيين إلى مثواه الأخير في مقبرة طبربور، عن عمر 64 عاما، أسس خلالها لحراك تشكيلي محلي، أسهم بتأسيس، رابطة التشكيليين الأردنيين والتي ترأسها لثلاث دورات، كما شارك بأكثر من مئة معرض عربي ودولي، وأقام العديد من المعارض الشخصية.
وفي لقاء صحفي مع الفنان الراحل يقول: ‘عشت الفن بالفطرة ولم أكن أهدف إلى أن أكون فنانا وقد اكتشف موهبتي بعض الأقارب والأقران وقد تأثرت بفنان شعبي كان يرسم على جدران بيوت المخيم الطينية وكان يستعمل أصباغ الأحذية وأصباغا شبيهة بالتمبرا مع الشيد وكانت رسومه زخارف تزيينية وخيولا وملاحم وقصصا شعبية كما تأثرت في المرحلة الإعدادية بمدرس الرسم الأستاذ هاني عرفات الذي علمني المنظور الهندسي والمنظور الطبيعي ولعل ذهابي إلى المدرسة الرشيدية في القدس ومن بعدها المدرسة الإبراهيمية قد طور من قدراتي الفنية حيث وفرت لي المدرستان الألوان المائية والفرش والأدوات الضرورية للرسم كما أن بيئة القدس وفرت لي مزيدا من الوعي والرؤية وكل هذا أتاح لي إقامة معارض فنية شخصية كطالب في المدارس المذكورة وتوجت هذه المعارض في معرضي المقام بمدرسة عقبة جبر الثانوية والذي أعطاني النجومية آنذاك’. بعد عودته من العمل في السعودية، مباشرة أسس مركز لتعليم الفنون الجميلة بشارع وادي السير في عمان البلد، وعملت رساما للكاريكاتير في الرأي -لفترة محدودة-تعرف وقتها على كثير من التشكيليين من خلال المركز، ودعا للاجتماع التأسيسي لتشكيل رابطة الفنانين التشكيليين عام 1988 واتفق المجتمعون على تأسيس الرابطة، وقد جمعت الرابطة عددا من الفنانين المتمرسين الذين يمسكون بمفاتيح المؤسسات والثقافة وعدداً كبيراً من الفنانين الشباب الطموحين، وكان نحلة أقرب إلى الجيل الثاني الذين دفعوه لتمثيلهم.
ويلفت صديق الراحل الفنان محمد أبو زريق إلى ‘أن نحلة من الفنانين الإيجابيين وذوي البصمات المهمة في مسيرة الفن التشكيلي الأردني فهو من مؤسسي الحركة التشكيلية الأردنية وأسس عام 1990 جماعة الفنانين الشباب، فضلا عن امتلاكه لأسلوب فني مميز أهله للمشاركة في معارض وملتقيات فنية عربية وعالمية، ولكم نأسف لغياب الراحل عن الساحة التشكيلية خلال العشر سنوات الماضية وذلك بسبب مرض ألم به، لكن أعماله ستبقى نموذجاً حياً لروحه التي ملأها دوما بجمال ترانيمه اللونية على سطوح فاضت بالحس الفني الإبداعي’. ويعد الراحل نحلة واحدا من ابرز المبدعين في حقل التشكيل العربي عموما، والأردني خصوصا، بدأ بممارسة فن الرسم في مرحلة مبكرة، توجه إلى ألمانيا بهدف التعرف على المدارس الفنية فيها. كما أسس مدرسة فنية مصغرة لتعليم الفنون الجميلة في عمان، عمل رساما للكاريكاتير في صحيفة (الرأي) لفترة قصيرة، تنوع أسلوبه في الرسم بادئا بالرسم التشخيصي الواقعي، إلى فن الرسم التجريدي، إلى استعمال خامات مختلفة.