الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون برفقة قيادات عسكرية لدى زيارة قاعدة سلاح الجو بالقرب من تولوز، جنوب فرنسا، الخميس
باريس-“القدس العربي”:
بعد رحيل القوات الأمريكية من سوريا المعلن، تخشى فرنسا من عدم القدرة على التأثير على الحل السياسي للصراع في هذا البلد.
قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن فرنسا خسرت تدريجياً، منذ بداية الحرب السورية،أدوات النفوذ التي تتمتع بها منذ فترة طويلة في هذا البلد. والانسحاب المزمع للجيش الأمريكي، الذي أعلن عنه دونالد ترامب في ديسمبر/ كانون الاول المنصرم، ستكون له “عواقب ميدانية” على باريس وحلفائها في حالة تم تنفيذه، وفق الصحيفة.
ونقلت “لوفيغارو”عن مسؤول فرنسي قوله: “إذا غادرت القوات الأمريكية الأراضي السورية ، ستضطر قواتنا البرية إلى أن تحذو حذوها. وبالتالي فإن الغربيين يواجهون خطر خسارة ورقة الشمال السوري، التي لا تعد الورقة الوحيدة التي لايزالون يملكونها”.
ومن دون أي شك فإن الحليف الفرنسي هو من يدفع الفاتورة الأعلى لهذا الانسحاب الأمريكي من سوريا، تقول “لوفيغارو”، معتبرةً أنه في حال حدوث هجوم تركي ضد الأكراد، فإن الحرب قد تصل إلى المناطق التي يتم فيها احتجاز عائلات الجهاديين الفرنسيين الذين قد يجدون أنفسهم متناثرين في الطبيعة.
كما أن تحالف القوات الكردية مع النظام السوري بعد تخلي الحليف الأمريكي عنهم، من شأنه أن يسمح لقوات النظام السوري بالانتقال إلى الحدود التركية. في هذه الحالة ماهو المصير الذي ينتظر الجهاديين الفرنسيين المسجونين في المنطقة؟ هل يميلون إلى إطلاق سراحهم؟ أو الاستيلاء عليهم لابتزاز باريس؟؛ تتساءل صحيفة “لوفيغارو”.
لكن الدبلوماسية الفرنسية لا تنوي الاستسلام، حيث ضاعفت جهودها لإقناع دونالد ترامب بالتخلي عن قرار الانسحاب من سوريا أو على الأقل تأخير تنفيذه. وحججها عديدة: لا تزال المخاطر الكيميائية، لا يمكننا التخلي عن الحلفاء الأكراد الذين شاركوا في الحرب ضد الجهاديين، فمن التناقض تصنف إيران كعدو ثم تنسحب من سوريا حيث تعزز وجودها. قبل كل شيء، الحرب ضد تنظيم “الدولة ” لم تنته بعد. “لم يتم بعد الانتصار بعد على التنظيم، ولا تزال هناك جيوب للجهاديين في سوريا والعراق”، يحذر دبلوماسي فرنسي كبير.
الدبلوماسي الفرنسي، عبر عن قناعته بأن الرئيس إيمانويل ماكرون ، الذي لا يزال يحافظ على حوار منتظم مع دونالد ترامب ، قد ساهم في اتخاذ القرار بإبطاء انسحاب القوات الأمريكية. وكان وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان، قد زار العراق الأسبوع الماضي، بعد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وذلك لإعادة تأكيد دعمه للبلاد التي يواصل فيها التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة بقيادة الولايات المتحدة عمله. وقد أعطى هذا الانسحاب الأمريكي المُعلن من سوريا أهمية جديدة ، في نظر باريس ، للعراق ، الذي أصبح محورًا إقليميًا.
وبالرغم من الجهود التي تبذلها باريس، لكن “لوفيغارو” رأت الحلول المتاحة لفرنسا مازلت محدودة للغاية ولم تتغير أهدافها في سوريا. ويتعلق الأمر بمحاربة الإرهاب والمساعدة في إيجاد “حل سياسي شامل” -خاصة فيما يتعلق بالطائفة السّنية – التي من دونها سيكون من الوهم التفكير في استئصال تنظيم “الدولة” والجماعات الجهادية، كما تحذر باريس.
قوة إزعاج
ونقلت “لوفيغارو” عن مصدر رفيع المستوى قوله إن “انتصار بشار الأسد والروس لن يعيد التوازن الجيو-استراتيجي والسلام بين المجتمعات. فالبلاد بحاجة إلى انتخابات ودستور جديد”. لكن هذا المصدر الفرنسي
يُقرّ قائلا: “يجب ملاحظة حقيقة أن هناك أشياء لا يمكن لفرنسا القيام بها بعد الآن وأن تأثيرها قد تآكل. فمع انسحاب الأمريكيين من سوريا ، ستصبح قدرتنا على السيطرة على تطور السياسة الداخلية السورية محدودة للغاية”.
ومع ذلك، أوضحت “لوفيغارو” أن فرنسا لا تزال قادرة على العمل بفضل مقعدها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي ، الذي سيصادق على السلام السوري عندما يحن وقته. كما أن هناك في الآونة الأخيرة محاولة تقارب معها من قبل روسيا التي فشلت لوحدها في تحويل انتصارها العسكري في سوريا إلى نجاح سياسي. فالمحادثات التي جرت بين إيمانويل ماكرون وفلاديمير بوتين بم تسفر عن الآن عن أي إجراء ملموس. لكن باريس ترحب، كما يقول أحد الدبلوماسيين: “أن يكون لديها قوة إزعاج ”. كما أن فرنسا هي أيضا واحدة من الدول القليلة، مع روسيا، التي تتحدث إلى الجميع في المنطقة.
وخلصت “لوفيغارو” تقريرها بالقول إنه في الوقت الحالي، التوقعات المستقبلية ليست مثيرة للغاية. فتحركات الأمم المتحدة كانت مكبلة من قبل روسيا وإيران وتركيا. والثقة في الحليف الأمريكي قد اهتزت بشكل خطير. والحقيقة أن سياسة الولايات المتحدة في سوريا وإيران على حد سواء غير متناسقة ومتناقضة.