السياسيون عبيد للكراهية

حجم الخط
0

إسرائيل كما يبدو هي الدولة الوحيدة في العالم التي فيها كل 2 من بين 3 رؤساء وزراء في الحاضر والماضي يكره بعضهم بعضاً أكثر من كراهيتهم لأكثر كارهي الدولة التي خدموا فيها. سياسة إسرائيل القذرة تعاني من الكراهية السامة، بحيث تخرج الإنسان عن أطواره. بشكل عام كراهية تكلفنا الكثير. منذ زمن ونعرف أنه من ناحية كبار الساسة الإسرائيليين فإن مصالح الجمهور أمر ثانوي بالنسبة للمصالح الشخصية الصغيرة، ولكن يتبين أنه لصالح الكراهية هم مستعدون للتنازل حتى عن مصالح شخصية كبيرة.
عندما يقوم آفي غباي بتنفيذ إعدام لنائبته في ميدان المدينة الإعلامية فهو لا يريد أن يحقق بذلك رأسمال انتخابي، أو تعزيز مكانته في الحزب، فهو يعلم أن هذا الأمر سيكلفه أصوات الناخبين وشتائم الأعضاء. ولكن الكراهية أقوى من المنطق. عندما تنضم شيلي يحيموفيتش إلى صورة انتصاره بعد أن نفذ الفعل المدان بزميلتها في الحزب، هي تعرف أنها ستخسر جزءاً كبيراً من دعم النساء الذي تحظى به، لكن الكراهية أقوى من المنطق.
وعندما يحذر دافيد أمسالم بأن تقديم لائحة اتهام ضد بيبي ستخرج ملايين المشاغبين إلى الشوارع، فهو لا يفكر بجدية بأن يخيف أي أحد، وهو يعرف أنه بهذا يساهم في ترسيخ صورة الأزعر العنيف الذي حاول إصلاحه ـ لكن الكراهية أقوى من المنطق. عندما يترك اهود باراك عد الملايين من أجل التقاط صورة أمام عدسة الفيديو التي وضعها في مطبخ بيته مع ديكور لعلم إسرائيل مجعد، فهذا يعتبر فصلاً آخر في مسلسل «بيبي، لقد أكلتها» ـ هو يعرف أنه لا وجود لشخص يصدق بأن فعلته هذه كانت من أجل إنقاذ الدولة، وهو يعرف أن الكثيرين لا يثقون حقاً بأنه هو من يجلس هناك في الحقيقة، أو أنه عيران زرخوفيتش في «أرض رائعة»، لكن الكراهية أقوى من المنطق.
السياسي الإسرائيلي يكره ويتأسف على الكراهية. من خلال الانقضاض بقسوة لا حدود لها على خصمه، تراه يعد بوضع حد للكراهية في أوساط الشعب، وهذا سيحدث، هكذا يوضح، فقط عندما سيتم اجتثاث خصمه (الشخص الذي يكرهه بالفعل) من عالم السياسة. لأن هذا (خصمه) هو الذي يؤجج الكراهية في أوساط الشعب. ولكن الحقيقة هي أنه لا توجد كراهية في أوساط الشعب، وأنه ليس هناك أي حاجة لأحزاب تدعو للمحبة. أنا لست بحاجة إلى زعماء سياسيين يدافعون عني أمام جارتي السيدة يوآري التي تؤيد يئير لبيد، أو يوسي الذي يتولى حسابي البنكي ويصوت لبيبي منذ 1996. أعتقد أنهما على خطأ. ولكني لا أكرههما، وأعرف أنهما لا يكرهانني.
السياسة الإسرائيلية مشبعة بالكراهية، لأن أبطالها قاموا بملاءمتها على قياساتهم من خلال الافتراض بأنهم يحتاجونها من أجل أن يحظوا بتأييد الجمهور. عندما نطلب محبة الشعب ونعرف أنه مطلوب منا أن نكره شخص آخر من أجل ذلك، فسننجح في ذلك بسهولة أكبر، وليس بصورة وهمية، بل بصورة حقيقية ومن أعماق القلب، والكراهية في هذه الأوضاع شعور منطقي. وبالنسبة لعدد من كبار الساسة فإن الكراهية ضرورة وجودية، مثل التي طورها المتجالدون الذين أرسلوا إلى ساحة الكلوسيوم. المتجالد الفرد الذي يتنازل عن الكراهية يبيده خصمه، وإذا قرر المتجالدان التنازل عن الكراهية ويتركا السلاح، فكلاهما سيقضي عليه الجمهور المتحمس الذي يشاهد العرض.
في ساحة الانتخابات الحالية تجد الكراهية مكاناً خاصاً لها من الاحترام، لأن أبطالها فقدوا كل اهتمام وكل قدرة على أن يحظوا بتأييد الجمهور بطرق أخرى.
ليس في هذه الساحة موضوع موضوعي واحد يجري حوله نقاش جدي، لا المجتمع ولا الاقتصاد ولا الأمن، حتى فرق كرة القدم في البلاد لها توجه أيديولوجي أكثر من الأحزاب التي توجد فيها. هذه ساحة فارغة المضمون، رجالها يختلفون الواحد عن الآخر، ليس في مؤهلاتهم أو مواقفهم، بل في مستوى التستورون لديهم.
كما قلنا، مصدر الكراهية في السياسة الإسرائيلية هو في الافتراض الخاطئ للسياسيين بأن الجمهور يحب الكراهية، لكن الحقيقة هي أن الجمهور يحتقرها. الجمهور الإسرائيلي الذي يجلس على مدرجات الكلوسيوم منذ زمن صرف نظره باشمئزاز عن مشاهدة العرض الذي يجري في أسفل الحلبة. وإلا كيف يمكن تفسير حقيقة أنه في بحر الأفواه التي تقطر بالكراهية، فإن السياسة الأكثر شعبية هي التي ترفض فتح فمها.
نحن نمقت الكراهية السياسية لأنها تهيننا كجمهور. أعطوا أنفسكم لحظة لمشاهدة مقطع في «يوتيوب» يوثق شجاراً عاماً في البرلمان في اوكرانيا، وفي تركيا أو في الأردن، ولاحظوا كيف تثور مشاعر الاشمئزاز الآنية التي لديكم غير موجهة على الإطلاق للمتشاجرين أنفسهم، بل موجهة للثقافة التي سمحت بذلك، وللشعب الذي اختار نواباً كهؤلاء.
ويثور السؤال: لماذا لا يشكل ذلك دافعاً كافياً للسياسيين من أجل التوقف عن الكراهية؟ الجواب هو أن الكراهية مثل مشاعر أخرى، يمكن السيطرة عليها وهي ما تزال في مهدها. ولكن عندما تندلع يكون من الصعب قمعها، حتى لو تسببت بالضرر الكبير لنا. هذه هي الميزة الكبرى للسياسي الذي يغلق فمه، ولأنه متجالد جديد في حلبة الكراهية يستطيع السيطرة عليها.
التعرفة الكاملة للعبور في نفق الكراهية سندفعه جميعنا عندما سنصل إلى الضوء في نهاية النفق في 9 نيسان. عندها، وعندما سيتم إخراج المتجالدين من الحلبة، ويتم فرض العمل عليهم معاً من أجل إصلاح أعمدة الكلوسيوم المتهاوية، نأمل بأن لا تسقط هذه الأعمدة على رؤوسنا.

ايال فنتر
هآرتس 21/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية