نحيي هذا الأسبوع عقداً على انتهاء حملة «الرصاص المصبوب» في غزة، وإلى جانب القتال العسكري، من الصعب أن ننسى كيف أمسك القتال القانوني والنقد غير المسنود على خرق حقوق الإنسان بدولة إسرائيل، وبالجيش الإسرائيلي على نحو خاص، بلا رد مناسب. فالتقارير المتحيزة في وسائل الإعلام الأجنبية والدعاية المنسقة من المنظمات التي تدعي العمل على حقوق الإنسان، أدت بالأمم المتحدة إلى نشر تقرير غولدستون. لم تكن هذه خطوة أخرى بلا أسنان من جانب الأمم المتحدة، مثلما في جنين أو في لبنان، بل هي تهديد حقيقي لإشراك محكمة الجنايات الدولية ومجلس الأمن في الأمم المتحدة. اليوم أيضاً، قبيل نشر نتائج لجنة تحقيق الأمم المتحدة في شهر آذار القريب القادم عن أحداث الجدار في غزة، يثور الانطباع بأن أصحاب القرار في إسرائيل لم يجدوا بعد السبيل إلى المواجهة الناجعة في هذا النمط من القتال السياسي.
لقد قام تقرير غولدستون في العام 2009 أساساً على اتهامات كاذبة من جانب منظمات حقوق الإنسان، كان هدفها الأساس هو إفساد رائحة دولة إسرائيل. فمنظمة «امنستي إنترناشيونال» قدمت لرئيس اللجنة، القاضي ريتشارد غولدستون، قائمة من 36 حالة أشارت ظاهراً إلى جرائم حرب للجيش الإسرائيلي، دون تناول حماس. وعرضت منظمة «هيومان رايتس ووتش» على اللجنة صيغة أصلية ولكن مشوهة من القانون الدولي، وبموجبها كل النشاطات الإسرائيلية للدفاع ضد الإرهاب هي «جرائم حرب». أما المنظمات الإسرائيلية «بتسيلم»، و«نحطم الصمت»، و«عدالة» وغيرها، فقد عرضت المعطيات والادعاءات وفقاً لجدول أعمالها السياسية.
القاضي غولدستون، الذي هو عديم كل علم عسكري أو أمني، ضللته المنظمات. بعد 18 شهراً من نشر التقرير، وبعد أن تعرض لانتقاد لاذع، اعترف غولدستون بأن معظم الادعاءات في التقرير كان عديم الأساس. ولكن هذا كان قليلاً جداً ومتأخراً جداً. فالضرر السياسي لإسرائيل كان قد وقع.
لم يمنع قصور غولدستون مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من أن يشكل لجنة تحقيق مشابهة حتى بعد حملة «الجرف الصامد» في صيف 2014، لفحص ادعاءات بجرائم حرب نفذتها إسرائيل ظاهراً في أثناء الحملة في غزة. كان تقرير اللجنة أقل عداء لإسرائيل من سابقه، ولكنه تميز بغير قليل من المشاكل، بما في ذلك الاستناد إلى الاتهامات السياسية من جانب المنظمات.
عشر سنوات منذ تقرير غولدستون، وليس لحكومة إسرائيل سياسة مرتبة في مواجهة الحرب السياسية في الأمم المتحدة وضد المنظمات التي تقودها. في أيار الماضي، في أعقاب أحداث الجدار في غزة، أعلن مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عن إقامة لجنة تحقيق دولية أخرى. ومثلما في حالات سابقة، من شأن نتائجه أن تنشر في شهر آذار القادم، ولا بد أنه سيقتبس كلمة بكلمة تقارير منظمات حقوق الإنسان التي ستشدد على الطابع غير العنيف للتظاهرات وتخفي المشاركة المباشرة لمنظمات الإرهاب في حماس، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية.
إن معهد البحوث NGO Monitor، الذي له مكانة مستشار خاص للجنة الاجتماعية ـ الاقتصادية للأمم المتحدة، هو أحد المنظمات الوحيدة الذي نقل إلى اللجنة حقائق تشدد الطابع العنيف للمظاهرات ومشاركة منظمات الإرهاب. هذا لا يكفي. فبلا تفكير شامل عن الشكل الذي نتصدى فيه للظاهرة، فإن هذه التقارير العابثة ستبقى تنشر في كل مرة من جديد. حكومة إسرائيل والجيش الإسرائيلي، على قواته المقاتلة والقانونية، ملزمون بأن يفهموا بأن التهديد سياسي ويتم في ملعب «القوة الرقيقة». على أساس هذا الفهم يجب تطوير استراتيجية تعرف كيف تحبط مثل هذه الهجمات قبل الأوان.
جيرالد شتاينبرغ
إسرائيل اليوم 22/1/2019