بعد سياسة خنقها… لا خيار لغزة سوى أخذ الأموال القطرية

حجم الخط
0

لقد طُلب مني القيام بما فعلته هداس شتايف، عدم البحث في الهاتف المحمول، لكن اقتحام أسوار محصنة من الصمت، ليس من أجل كشف مخالفة، بل المساعدة بصورة غير مباشرة في ارتكاب مخالفة.
المحررون طلبوا مني أن أفحص صحة المعلومات التي نشرت أول أمس في «صوت الجيش» والتي قالت إن إسرائيل صادقت لقطر على أن تحول لقطاع غزة 15 مليون دولار أخرى، وهكذا، أن تسحب القطاع قليلاً فوق المياه التي تغرقه بسياسة الإغلاق الإسرائيلية بمساعدة النزاع القبلي بين حماس وفتح. افيغدور ليبرمان سارع إلى إدانة المصادقة الإسرائيلية على تحويل الأموال.
النبأ في «صوت الجيش» انتشر في القطاع مثل انتشار النار في الهشيم. كان هناك من استنتجوا أن ليبرمان يقوم بتسريب المعلومة، ويجب عدم الشك في مؤامرة. ولكن مسموح التخمين أن للمسرب المجهول ثمة هدف، وهو تسويد وجه نتنياهو، وترك القطاع يغرق أكثر قليلاً في الوحل. وسائل الإعلام الفلسطينية تحدثت عن مظاهرة متوقعة لسكان غلاف غزة ضد تحويل الأموال. ليس من الصعب تخيل السيناريو: مركز الليكود مذعور، والبيت اليهودي يستخف بالانهزامية، وحقائب الدولارات تبقى في الدوحة. لو أن الأمير تميم بن حمد قد صادق لي على أن مبعوثه سيهبط في إسرائيل في ساعة معينة لكنت في معضلة: عدم الكشف عن ذلك وخيانة وظيفتي الصحافية، أو الإبلاغ عن ذلك وتغذية شعلة التحريض، وجهل وشر المجتمع الإسرائيلي الذي يستمتع من غرق القطاع في أزمته، أي أن أساعد في ارتكاب مخالفة.
في وكالة «رويترز» نشروا أن سفير قطر، محمد العمادي، أكد مجيئه هذا الأسبوع، وهكذا تخلصت من الورطة. إذا كان التحريض سيوقف التحويل، فإن المسؤولية لن تقع علي. المتعة المدانة من التسبب بالمزيد من المعاناة للفلسطينيين هي مرض إسرائيلي بحاجة إلى علاج طبي وليس صحافياً. في المقابل، تقليص الجهل هو مهمة الصحافة. هيا نحاول إذاً.
التفكير الثنائي لليبرمان ودعاية حماس بإدخال الأموال هو تعبير عن ضعف إسرائيل. العكس هو الصحيح، إسرائيل هي المسؤولة عن المستنقع الموحل، لكنها تتلقى المباركة لأنها تسمح بإدخال المجارف في محاولة لإزالة المستنقع. إسرائيل تسمح لانتقاد حماس بأن يتسرب عميقاً: هنا يتبين أن مسيرات العودة الأسبوعية التي نتج عنها 183 قتيلاً بنار الجيش الإسرائيلي وأكثر من 23 ألف مصاب، من بينهم معاقون، هي قابلة للتفاوض والتداول بالأموال. شعار العودة للمسيرات امتزج بالمطالبة برفع الحصار، وعندما لا يخف الحصار يعرضون الأموال على موظفي حماس، والمنظمة الفخورة مستعدة للعمل من أجل تقليص المظاهرات. الأموال أيضاً تعمق الانقسام الفلسطيني الداخلي. محمود عباس يعتقد أنه يمكنه إخضاع حماس بواسطة التخلي عن الشعب الفلسطيني في القطاع، ويرى في عدد ساعات كهرباء أخرى تعطى للجيب المعذب ـ أو الحوانيت التي يوجد فيها زبائن ـ تهديداً لاستراتيجيته ومكانته. وإسرائيل هي التي تخرج الجيدة والمرتبة.
وبالأساس، ببادرة حسن نية سخية لا ندفع ثمنها، ننجح في ليّ سكين الإهانة التي غرسناها في ظهر الغزيين مرة أخرى، بأن الاعتماد على المنح من أجل أن يكون هناك ضوء في الحمام هو إهانة. الفلسطينيون في غزة معظمهم لاجئون، هم رجال عمل وإبداع أعانوا أنفسهم عشرات السنين. الشرط الأساسي والضروري لذلك كان حرية الحركة. وحرية الحركة هذه سلبتها إسرائيل منهم، وإن سياسة خنقها لهم دهورت الوضع جداً، بحيث لا يوجد أي خيار سوى التنازل عن الكرامة وأخذ الأموال القطرية. لأن سحب المجاري والمدرسة التي تعمل هي أهم من الكرامة. في حين أن إسرائيل السجانة تظهر في العالم كمحسنة ومرنة جداً.

عميره هاس
هآرتس 22/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية