آه يا أمي، ما أحوجني إليك
آه يا أمي، ما أحوجني إليك كنت الصدر الحنون الذي يحتضنني كلما اشتدت علي الخطوب وشعرت بالتوتر، كنت القلب الكبير الذي يغمرني بالحب والحنان كلما شعرت أن الناس ظلموني وهجروني، كنت البسمة التي تخفف من جروحي، والكف الذي يربت علي أسي ويهدئ من أعصابي عندما اشعر بالغضب، كنت البداية يا أمي لكل شيء صواب فعلته، ولك الفضل في كل نجاح حققته، دعواتك لي كانت الهادي والمعين والحامي من الزلل، والمخفف من الألم.أذكرك في كل حين، عندما كنت تودعيني كل صباح وأنا ذاهب للعمل وكلماتك الدافئة ما زالت ترن في أذني (روح يما الله يوفقك وينجحك ويسخرلك أولاد الحلال ليساعدوك علي مرادك)، وعندما كنت تجلسين علي الشباك لترقبي عودتي حتي ولو كانت لأوقات متأخرة من الليل لتقولي لي (جيت يما الله يعطيك العافية).في عيدك يا أمي أذكرك حتي وأنت في القبر، واقرأ الفاتحة علي قبرك، واجلس هناك لاتأمل كم كنت عظيمة صابرة، لاجئة فلاحة ذاقت المر وعاشت الفقر عقودا من السنين، عاشت الجوع وعانت من الظلم مرتين مرة لأنها من الوسط الفقير، ومرة أخري لأنها امرأة، من عيشة الخيام تنقلت إلي غرف الطين وحتي غرف المخيم. إلي أن تحسنت الحياة بعض الشيء، وأصبح لك ولأبي غرفة، ولنا أولادك وبناتك غرفة، كنت تصحين مع أذان الفجر لتعجني وتحملي العجين إلي الفرن، وتعودي لتجهزي الشاي لنا الذي كان فطورنا الأساسي مع كسرة خبز وفي أحسن الأحوال مع قليل من الزعتر، ثم تبدأين بنقل الماء علي رأسك من الحنفيات العامة لتملئي البرميل، أبي كان سياسيا مطاردا، كان رجلا شرقيا وكنت المسؤولة عن تدبير المنزل واقتصاده، وببضع ليرات كنت تقتصدين حتي لا نموت من الجوع، كنت آخر من يتكلم عن احتياجاته، وآخر من يفكر بصحته، تهتمين بنا أبناءك التسعة، وفي آخر الليل تنامين مرهقة مهدودة الحيل، تئنين بصمت وهدوء، لكن دون أن تفصحي عن أوجاعك، صبرت علي الفقر، وصبرت علي زوج سياسي لا تعرف حياته الاستقرار، لم تهرمي باكرا لان عودك كان صلبا فأنت ابنة تلك القرية الجبلية أم الزينات، زيناتية كنت بفستانك وحطة رأسك، صلبة لا تنكسر، قلبك كان ابيض لا يعرف الحقد والغل والكراهية، متسامحة لأبعد الحدود، مسالمة تصفحين بعد ثوان عن من يكون قد أساء إليك.علمتيني أن أحب الناس كل الناس، أن أحب الفقراء المساكين والضعفاء، وكنت تقولين لي أنهم مثلنا مظلومين بعيشهم، فلا تكن أنت والزمن عليهم، كنت تقولين دوما الأمل بوجه الله قريب فلا تيأس يا بني وتوقع الفرج في كل حين، لم تحبي العنف ولم تحبي القسوة، وكنت تكرهين القال والقيل وطول اللسان، وتكرهين الكيد للآخرين، وترددين دائما يد الله مع الجماعة.أحببتني واحببتي إخوتي وكنت مثالا للمرأة الشرقية التي تقبل بمصيرها وتعيش الأسي رغما عنها وتتفاني في إنكار ذاتها حتي تسعد الآخرين مسالمة لأبعد الحدود مرنة ومستعدة للتضحية بنصيبها وحقوقها إن كان في ذلك حل لمشكلة أو إسعاد لآخرين محتاجين، أذكرك وكنت لا تأكلين إلا بعد أن ينتهي أبي من طعامه، وبعد أن نشبع جميعا، وبعدها تتناولين ما تبقي من الطعام، وتسهرين الليل لترقعي لنا ملابسنا وأحيانا لتكوي ملابس أبي علي البابور لان أبي كان يقابل اناسا مهمين. صبرك يا أمي، بساطتك ، طيبتك تسامحك، عطاؤك تفانيك، طبعتنا جميعا نحن أبناؤك، وهي زادنا الذي تكامل مع ارث أبي السياسي ومعاناته، اليوم أذكرك ويذكرك كل إخوتي، لا ويذكرك أهل الحي لأنك كنت مثال التضحية ونموذج التحمل لعظائم الأمور.احببتي واحببتي أبنائي أكثر مني، وكنت تنهريني كلما أقسو علي واحد منهم، علمتينا أن نحب بعضنا، وان نزرع في قلوب أبنائنا لا حب إخوتهم فقط بل وحب الناس أجمعين، والانتماء إلي الناس أجمعين، ومساعدة المحتاجين، كنت عالما جميلا قل نظيره هذه الأيام، عالما خاليا من الخبث والدهاء، عالما يعطي بلا حساب ودون انتظار الجواب، عالم يتحدي الصعاب ويصر علي البقاء علي أمل التغيير.خالد منصورمخيم الفارعة6