غزة -“القدس العربي”: أمام بسطة خشبية تملؤها الخضار الطازجة، تقف البائعة هويدة أبو القمبز (55 عاما) بين الرجال لا تكف عن ترتيب ثمار الباذنجان والليمون التي سرعان ما يقلبها الزبون رأسا على عقب. وعلى بسطة لا تبعد كثيرا تجلس أختها أم سامح (57 عاما) تراقب المارة لحين قدوم مُشتر جديد.
تقضي الأختان الأرملتان يومهما حتى الغروب في زحمة السوق وضوضائه دون أن يشعران بالملل، فذلك رزقهما وتلك حياتُهما. تقول هويدة لـ”القدس العربي”: “الهدوء لا يناسبني، فالهدوء هو الموت، أما العمل فرزقٌ وحياة، وأنا منذ عمر العاشرة أعمل وأساعد والدي”.
منذ طفولتِها كانت تعمل هويدة كالنساء، عملت بجد في تجميع الثمار وتعبئتها، ثم في الخياطة، وبعدها في تقشير الفستق واللوز والجوز، إلى أن تزوجت في عمر الثامنة عشرة وانطلقت بعدها للعمل بائعة في الأسواق وفق حديثها.
تصل أبو القمبز الرابعة فجرا لعملِها، لتكون من أوائل من يصل السوق من الكادحين والباحثين عن الرزق، تروي: “هذا السوق الذي اعتدت عليه لم يعُد موحِشا حتى في عتمته، آتي إليه بحب فأنظف المكان وأجهز البسطة استعدادا لاستقبال الخضار الطازجة من ابني”.
إنهما يتشاركان العمل في سوق حي الشجاعية شرقا، ذلك الحي الذي ارتكب فيه الاحتلال الإسرائيلي عام 2014 “مجزرة الفجر” التي لن تُمحَى من عقل أصحاب الحي، تستذكر قليلا: “قضينا ليلة دموية وسط القصف البري والجوي، ومع بزوغ الفجر هربنا، وكنا حينها نقفز فوق الأشلاء المتناثرة وجثث الشهداء”.
وتكمل: “لكن الحياة لا تتوقف عند الحرب والموت، إنها تسير رغم كل الظروف، فأولادي التسعة وجميعهم متزوجون ذكورا وإناثا ويسكنون في بيتي، كلهم عاطلون عن العمل ودائمو البحث عنه، فتارة ينجحون وأخرى يفشلون، لعدم توفر فرص العمل، فنتشارك قوتنا بما أقدمه لهم من تلك البسطة التي لا أفكر يوما في تركِها”.
أما أم سامح التي أمضت على بسطتها ثلاثين عاما فتقول لـ”القدس العربي”: “الرزق لا يأتيك وأنت في بيتِك، ومهما ساء الحال لابد أن تجد رزقا طالما كنتَ كادحا باحثا عنه، ومهما كان يسيرا فهو أفضل من مد اليد للناس”.
وتضيف: “آلام كثيرة أعاني منها في ظهري وساقي بسبب الجِلسة على هذا الكرسي الخشبي غير الصحي أمام بسطتي القصيرة، وها هي أسناني تقع واحدا تلو الآخر لأن المال الذي أجنيه بالكاد يكفي لسد قوت يومنا أنا وأولادي وأحفادي الصغار”.
بداية أم سامح في البيع تختلف عن بداية أختِها هويدة، فقد كانت في العشرينات حين بدأت البيع، حين ضاقت بها الدنيا، فاقترحت عليها جارتها البيع معها وهي المتمرسة فيه.
تصف: “كنت حرِجة جدا، فلم أعتد على مواجهة الناس ومُفاصلتهم في أمور البيع والشراء لكن الأمر تغير للأفضل حين وجدتُ نفسي أبيع بسرعة، ويومها جعلت مربحي لحماتي هدية، فقد كانت معي حنونة ودودة، ثم انطلقتُ فيما بعد وحتى اليوم”.
واستمرت حياة أم سامح على النهج نفسه، تصاحبها “البسطةُ” طول يومِها، تستيقظ فجرا ثم تنطلق للسوق ولسانها لا يتوقف عن ترديد آيات الذكر والاستغفار، تشتري البضاعة ثم تفرشها على “البسطة” بتنظيم لتجذب الزبون.
تعود أم سامح لبيتِها تحمل أكياسا يطرب لخشخشتِها أحفادُها فيركضون ليستقبلوها وقد اشترت لوازم البيت وبعض الحلوى، فيحتضنوها بسعادة، تعلق: “هذا المنظر يزيد من عزيمتي للبقاء، إنهم في حاجة لمن يسندهم”.
هويدة وأم سامح امرأتان من بين الكثير من نساء غزة، لا تدريان كيف مضى هذا العمر سريعا في معمعة السوق والزحام كمشوار قصير جدا.