نساء فلسطينيات في الانتفاضة (2)
عريس عائد بشهادة عليا وينتظر زفافه تختطفه من الحياة قنبلة.. وأم تنظر للبحر كلما تذكرت ابنها الشهيدخنساء تقول لابنها لا ترتعد أمام العدو ولا تهدر الرصاص.. وبطل حقق امنيات امه قبل ان يغادر للعمليةنساء فلسطينيات في الانتفاضة (2)غسان دوعرلقد رفع رأسي إلي السماء:والدة الشهيد عماد سليمان محمود أبواسنينة، سألتْها إحدي الصحافيات: كيف جاءتك المقدرة لتزغردي عندما رأيت جثمان ابنك الشهيد في المستشفي؟ فقالت بنظرة حزينة: نحن لا نفرح بموت أبنائنا وبعدهم عنا ولا نحب أن يفارقونا، وأنا لم أزغرد لأنني فرحة باستشهاد ابني، بل إنني فخورة به ومعتزة بتاريخه، لقد زغردت لكي أرد كيد العملاء والخائنين . وتضيف: إن ابني يونس تزوج قبل استشهاد عماد بأربعة أيام فقط، ولم أزغرد للعريس. وقد تممنا زواجه علي عجل، لأني كنت علي يقين بأن عماد سيستشهد، وبررت سبب العجلة بقولي: إن عماد يضع قدمه الأولي في القبر والثانية في الدنيا. فقد كان يشارك بفعاليات الانتفاضة منذ أن كان عمره 9 سنوات، وتدرج بالعمل العسكري، حيث بدأ بإلقاء الحجارة في الانتفاضة الأولي، ثم إشعال إطارات السيارات، ثم إلقاء الزجاجات الحارقة، ثم حمل الرشاش مع بداية انتفاضة الأقصي حيث لم يكن يفارقه أثناء نومه. واستشهد دون أن يملك من حطام الدنيا إلا شيكلاً واحداً، وبندقيته وملابسه التي يرتديها .الحمد لله، أنا فخورة به، لقد رفع رأسي إلي السماء .فواز الدهشانالاستشهادي فؤاد مصطفي الدهشان، الذي استشهد أثناء اقتحام مستوطنة دوغيت بتاريخ 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2001، يكتب في وصيته موجهاً الحديث لوالدته: وأنت يا أماه: أقف صامتاً أمامك، ثم أقول: يا أماه اصبري واحتسبي عند الله شهيداً، وافتخري أن ابنك شهيد، وارفعي رأسك شامخاً لأن الله أخرج من بين يديك مجاهداً مدافعاً عن المسجد الأقصي وفلسطين، ينوب عن المسلمين لرفع الظلم عن المظلومين، ثم إني أوصيك بأن تكثري من الدعاء لي، وادفعي بإخوتي إلي المسجد ليتأدبوا بآداب الإسلام ويتخلقوا بأخلاق القرآن.لقد قلت لك يا أماه: إنني سأذهب إلي رحلة، نعم أمي، رحلة إلي الجنان لألقي الأحبة: محمداً وصحبة .وهذا الطريق الذي سار عليه فؤاد وإخوانه الشهداء والاستشهاديون، لا يسير فيه إلا الرجال ذوو الهمم العالية والقدرات والطاقات الإيمانية، طريق الباحثين عن الشهادة وجنة عرضها السماوات والأرض، حري به أن يكون من ورائه أمهات لا يصعقهن خبر استشهاد أبنائهن، لأنهن كن متوقعات استشهادهم في أي لحظة. فيتقبلن النبأ، مثل والدة الشهيد مروان أحمد حمتو النجار، بالفرح والزغاريد وتوزيع الحلوي وحمد الله، ويحتسبن شهيدهن عند الله علي أن اختار ابنهن شهيداً في سبيله. ومن هنا، لم يكن مستغرباً أن ترفض والدة الشهيد علاء محمود عودة الشكري، الذي استشهد في جريمة اغتيال الدكتور إبراهيم المقادمة، تقبل التعازي، وتقول لمن يسلم عليها: إنها تتلقي التهاني لاستشهاد ابنها وليس التعازي.وأما في بلدة كفر راعي، مسقط رأس الشهيد القائد إياد أحمد صوالحة، فقد استجابت العائلة أيضاً لوصية الشهيد، ورفضت فتح بيت عزاء، وإنما فتح بيت لاستقبال المهنئين، وصوت أمه يقول: وقفت معه دوماً وقلبي يدعو الله أن يحميه ويحقق أمنيته. وبعد استشهاده، لست نادمة، فقد أنجبت وربيت بطلاً حمل روحه علي عاتقه وهز الكيان اليهودي بكافة أركانه؛ بل إنني فخورة بولدي، وأتمني لو أنجبت عشرة أبطال مثل إياد؛ إياد حي لن يموت، فكلنا إياد وسنمضي علي دربه .وجسدت والدة الاستشهادي عبد الباسط، صورة الخنساء الفلسطينية، حين وقفت في عرس شهيدها، لتقول: لقد كنت فخورة به وبما عمل، رغم أنني ككل الأمهات فجعت به، لكوني لم أرهُ منذ ثمانية شهور، وكنت أجهز لعرس عبد الباسط الذي كان مزمعاً إجراؤه في شهر تموز (يوليو)، ولكن فازت به الحور العين، فهنيئاً له الجنة، وربنا يجمعني معه يوم القيامة؛ الله يرضي عنه ويجمعني معه يوم القيامة، وأتمني من كل شاب فلسطيني أن يفعل ما فعله عبد .ام يوسف تستقبلفي مخيم جباليا، استقبلت أم يوسف جثمان ابنها الشهيد وسام فايز يوسف حسن، الذي استشهد فجر يوم الأحد الموافق 26 كانون الثاني (يناير) 2003م، أثناء تصديه للاجتياح الغاشم علي حي الزيتون بمدينة غزة بكلماتها التي تبث الحماس والقوة في النفوس، حيث قالت: نم قرير العين يا وسام، فبعدك أخوك وسيم سيكمل المشوار، إنني فخورة باستشهاده، وإنني أشد علي يد أخيه التوأم وسيم لسلك درب أخيه في سبيل الله، واحتسب فراقه عند الله سبحانه وتعالي .وتكاد كلمات أمهات الشهداء محمد زياد الخليلي ورامز جمال أبوغالي وراوي حسن أبوكميل متطابقة رغم اختلاف الأماكن والأزمنة. فقد تحاملت والدة الاستشهادي محمد الخليلي علي أمراضها المزمنة، وقالت للمهنئين باستشهاد ابنها: الحمد لله، نال ما تمناه دائماً، والحمد لله علي الشهادة . وأما والدة الشهيد رامز أبوغالي، فقالت: الحمد لله علي استشهاده، فهو شفيع لي ولأبيه ولأهله يوم القيامة بإذنه؛ ورامز لم يمت، فاز بجنة عرضها السماوات والأرض، والحمد لله .أتمني الشهادة لألحق بابنيأم محمد هي أم لثمانية من البنين، الأكبر قضي 13 عاماً في سجون الاحتلال، والثاني كان مطارداً وما زال مطلوباً لسلطات الاحتلال، حيث غادر عن طريق مصر إلي ليبيا ثم السودان. وأما الابن الثالث، ياسر، فقد أصيب في بداية انتفاضة الأقصي المبارك برصاصة اخترقت جدار قلبه، الأمر الذي استدعي أن ينتقل إلي ألمانيا للعلاج. واعتقل عماد لمدة أربع سنوات في سجون الاحتلال الصهيوني. ويكتمل لقب أم الأبطال كما أطلق عليها أهل مخيم الشاطئ، لأنها أصبحت أم الشهيد والسجين والمطارد والجريح، حين مضي فلذة كبدها حمدي إلي ربه شهيداً. فالبطل الذي اعتقل عام 1991م لمدة شهرين، وبتر إصبعان من يده اليمني أثناء محاولته إلقاء قنبلة يدوية تجاه دورية عسكرية إسرائيلية، وأصيب برصاصة في فكه أثناء المواجهات، وقاد مجموعة الطيبة التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام، ولكنها اكتشفت قبل تنفيذ مهمتها، فاستشهد زملاؤه الأربعة في الاشتباك مع جنود العدو، وتمكن حمدي من الإفلات والوصول إلي نابلس، حيث اعتقل هناك من قبل جهاز الأمن الوقائي، ثم نقل إلي السجن في غزة. ولم يخرج حمدي من السجن إلا في 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2000، إثر قصف طائرات الاحتلال لمركز الأمن الفلسطيني، فحاولوا اعتقاله مرة أخري، لكنه تواري عن الأنظار، وكأنما أراد أن يلتحق بإخوانه الذين كانوا معه في الطيبة ولم تكتب له الشهادة معهم.وكان حمدي علي موعد مع الشهادة في عرض البحر، فبعد أن مكث في المنزل عند تحرره من المعتقل ساعة واحدة، خرج وهو يقبل والدته قائلاً: يا أمي لن أعود إلي السجن، لقد صممت علي الشهادة . ومضي حمدي إلي ربه شهيداً في عملية غير مسبوقة، حيث فجر نفسه في قارب مليء بالمتفجرات، استهدف زورق دورية للبحرية الإسرائيلية قبالة شواطئ رفح يوم الاثنين الموافق 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2000.تلك حكاية حمدي عرفات خليل أنصيو (29 عاماً). بيد أن لأمه حكايتها أيضاً، فهي مدرسة في ذاتها، رغم أنها لا تعرف القراءة والكتابة ولا تعرف المعاني السياسية، ولكنها تفهم ألف باء المقاومة.ريح البيارةولم يكن هذا الموقف غريباً، فهي التي هُجِرت طفلة مع أهلها من بيارة كانوا يملكونها قرب يافا لتسكن خيمة في مخيم الشاطئ، فبيت لا يقي من المطر أو الحر، لتربي أبناءها علي معني واحد، وهو الحياة بكرامة أو الموت بشهادة.ورغم أنها لم تتمكن من وداعه حياً أو إلقاء نظرة الوداع عليه شهيداً، فإن أم الشهيد تؤكد أن صورة حمدي مرسومة في قلبها، وتسمع صوته كلما تحرك موج البحر الذي لا يبعد عن منزلها سوي أمتار، لأنه يحمل إلي أنفها رائحة ابنها الذي تبعثرت أشلاؤه في المياه اثر العملية الاستشهادية. وتحدثت أم محمد، وهي تستقبل المهنئات باستشهاد حمدي قائلة: سأنظر إلي البحر كلما اشتقت إليه وأدعو له، إني سامحته رحمه الله؛ لقد تمني الشهادة فنالها، ابني مثل كل الشهداء يرفع رأسي في السماء، وما يصبرني أنه حبيب ربه والحمد لله، شهادته في البحر، وشهادة البحر بشهادتين .لحمدي أن يكون شهيد البحر الأول في انتفاضة الأقصي المبارك، وله أن يهدي لأمه شفاعات كثيرة، لا شفاعة واحدة، يوم ينادي علي الشهداء جنباً إلي جنب مع الأنبياء والصديقين. وأم الشهيد ليست وحيدة، فهي نموذج آخر من نماذج الصبر والعطاء.زفة الشهيد للحور العينقبل أيام من زفافه، يأبي إلا أن يزف إلي الجنان حيث تنتظره هناك الحور العين، ذلك أن الشهداء ينظرون بمنظار غير الذي ينظر به بقية البشر، فهم ينتقلون من عالم الأموات إلي عالم الأحياء. ولئن كان مثل هذا العريس الشهيد حالة جهادية قائمة بذاتها، فإن والدته أيضاً تمثل حالة مماثلة بعد انضمامها لقافلة خنساوات فلسطين. وبكل قوة وإيمان، تجدد والدة الشهيد محمود العمواسي، الذي استشهد في اشتباك مسلح في بلدة بيتونيا القريبة من مدينة رام الله، مشهد خنساء العرب، فقد فاجأت السيدة مريم إسماعيل خليل الجميع، حين رقصت يوم سمعت بخبر استشهاد ابنها، وكانت تقول وهي تستقبل المهنئين بالشهيد: لم أرقص في زفة عرسه، ولكنني رقصت في زفة استشهاده؛ كان عريساً جديداً، استشهد في اليوم الرابع من زفافه . واستأنفت أم إسماعيل حديثها قائلة: إحساسي كأم كان صادقاً، لأن إحساس الأم لا يخيب، فقد كنت أحس بأنه سوف يستشهد. وقلبي كان مقبوضاً، فلم أسعد كأي أم عريس، ولقد حاولت جارتي أن تلبسني الفستان الذي كنت قد خيطته وجهزته لعرس ابني رغماً عني. وحين أصرت علي ذلك، مزقت الفستان دون وعي، ولم أكن أشعر بأية سعادة يوم عرسه، فلم أرقص ولم آخذ الصور التذكارية، وكنت فقط أشعر بحزن وانقباض عميقين .خالد محمود الزهارخالد محمود الزهار، شاب يبلغ من العمر 23 عاماً، يحمل شهادة الماجستير في تمويل الشركات الكبري من بريطانيا. وقد عاد في شهر رمضان المبارك إلي قطاع غزة ليعمل محاضراً في الجامعة الإسلامية، وكان علي وشك الزواج، حيث تقدم لخطبة فتاة وتمت الموافقة وتحديد موعد العرس في يوم الجمعة الموافق 12 أيلول (سبتمبر) 2003. ولكن، في صبيحة يوم الأربعاء 10 أيلول (سبتمبر) 2003، بينما كانت السيدة سمية الآغا (أم خالد) وابنتها ريم في المطبخ تعدان الإفطار للعريس الذي كان قد حضر لتوه من الجامعة بعد إلقائه محاضرته، وجلس هو وأبوه القائد الدكتور محمود الزهار يناقشان أمور الخطبة والتجهيزات لها، ألقت طائرة (أف ـ 16) صهيونية قنبلة بزنة 650 كيلو غراماً، لتحول فرحة العائلة بخطبة ابنها إلي مأساة، وضاعت الأحلام تحت الركام، فقد استشهد الابن العريس، وأصيب الوالد والابنة بكسور، وكانت اصابة أم خالد خطيرة في العمود الفقري، ودمر البيت وأصبح أثراً بعد عين. وفي مستشفي الشفاء في غزة، رقدت الأم الصابرة هي وابنتها علي سريرين متجاورين. ولم تتأكد الأم من استشهاد ابنها إلا في اليوم الرابع من الحادث، عندما حضر الطبيب إليها وأخبرها، وتصف أم خالد تلك اللحظة قائلة: حينها فقدت أعصابي، ولم أعلم بحالي ولم أستطع التحمل، ولكنني صبرت بعد ذلك؛ كنت سعيدة بأن خالد سيتزوج ويصبح لديه عائلة وأنا سأصبح جدة، وكان في غاية من الفرح لأنه سيتم دينه بالزواج. ومثل كل أم هنا في فلسطين، قمت باختيار العروس له، كانت العائلة سعيدة. وكم كنت أتمني أن أزف ابني إلي عروسه بيدي، لكن حور الجنة سبقتني بلقائه وأخذته إلي الجنة التي ستكون من نصيبه إن شاء تعالي . وبإيمانها الشديد بقدر الله تعالي، وجهت أم خالد خطابها إلي الأم الفلسطينية أن عليها أن تربي أبناءها تربية حسنة تدفعهم إلي عمل الخير، وأن تكون مثل الخنساء تقدم أبناءها للشهادة من أجل الوطن، فتقول: إن الأم الفلسطينية وجدت نفسها من أجل الآخرين، حملت ولدها إما جريحاً أو شهيداً أو معتقلاً، تزغرد له وتبكيه. ولكنها صامدة وصابرة من أجل الوطن والقدس والمقدسات .أم الشهيدين تستحث أولادها علي الشهادةكل النساء تحلم بولد يضيء لها دنياها إن عز الضياء، إلا هي كانت أعظم من كل النساء، تحلم بولد تضيء به للدنيا من حولها. فمن عصر أسماء أتت تردد وصيتها: يا بني ضربة سيف في عز خير من ضربة سوط في ذل ، إلي عصر أم محمود العابد تعطيه بندقية مختالة بساعده الأسمر، توصيه الثبات عند اللقاء، وتودعه بابتسامةِ أجمل الأمهات: بني أنت شعاع الروح والروح فدواك، ولو أصابك مكروه في غير ساحات الوغي لأقسمت عيني ألا توقف العويل حتي تلامس باطن الأرض، ولكن كل حبة من ثري وطنك اليوم ترجوك الوصال، لا ترتعد أمام العدو ولا تهدر الرصاص . خلال انتفاضة الأقصي المبارك، ثكلت آلاف العائلات الفلسطينية برحيل أبنائها وبناتها، منها عائلات عديدة قدمت اثنين من أبنائها، بل من بين حالات الاستشهاد تلك ترجل من الشهداء شقيقان في حادثة واحدة، شيعتهما العائلة في لحظة واحدة كذلك. واستناداً إلي توثيق فعاليات انتفاضة الأقصي المباركة، فإن عدد العائلات الفلسطينية التي فقدت أكثر من شهيد منذ بدء الانتفاضة بلغ أكثر من (70) حالة استشهاد أشقاء اثنين فأكثر، سواء في واقعة واحدة أو في وقائع متفرقة، خمس وعشرون منها فقدت الابنين بيوم واحد في حوادث مختلفة نفذها جنود الاحتلال، أما باقي العائلات التي فقدت شهيدين أخوين فقد فقدتهما في حوادث استشهاد منفصلة خلال أعمال القصف أو إطلاق النار من قبل قوات الاحتلال أو العمليات الفدائية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية. وقصة عثمان تختزل جهاد عائلة الرزاينة بكاملها، فحياة عثمان لم تكن حياة طبيعية، وزواجه لم يكن زواجاً طبيعياً، وعلاقته الأسرية لم تكن علاقات طبيعية، عثمان عاش مقاتلاً، وتزوج مجاهداً ومات شهيداً، أمه أم الشهيدين، وزوجه زوجة الشهيدين، صبرٌ ما بعده صبر. الطريق الذي اختاره الشهيد عثمان الرزاينة ترك أثراً بالغاً علي أمه وزوجته، بل العائلة بأكملها، فلم يكن موقف الزوجة والوالدة بأقل مما ارتضاه عثمان من حياة الجهاد واشتياقه للشهادة، ويكفي فخراً أن تكون تلك العائلة، رغم الألم وأنواع العذاب التي تذوقتها، مثالاً ناصعاً للأسرة المسلمة في التضحية والفداء. أم أيمن، الأم الصابرة، تقول: كلما كان يذهب إلي عملية، كان يجيء لي ويودعني ويقول لي: إدعي لي يمة بالشهادة، أقول له: الله ينولك إياها يمة. وقبل شهر قال لي: أنا بدي استشهد في رمضان، قلت له: خير يمة رمضان شهر مبارك، الله ينصرك علي اليهود يا رب، فقال لي: إدعي لي أجتمع مع أيمن في الجنة ونشفع لكم، بنصير شهيدين… قلت له: إن شاء الله يمة وعصرت علي قلبي وقلت في عقلي: الله يرضي عليه، نفسه يستشهد، الله ينوله إياها، وما رضيت أبكي قدامه علشان يروح فرحان ويجاهد فرحان؛ كان دايماً يحفظني من القرآن ويقول لي: بتنفع يوم القيامة يمة . وتكمل أم أيمن قائلة: جاءني بعد ما أكل مع زوجته وأولاده وأولاد أخيه وقال لي: يمة أربطي لي بيت المسدس علي رجلي، فقلت له: خير يمة ما أنت بتضعه علي جنبك، قال: لا أنا بدي أقتحم مستوطنة وباخاف يقع، قلت له: يعني ما بدك ترجع؟ خلص يمة؟ قال لي: خلص يمة الجنة بتنادي. فلم أحتمل وبكيت، وما قدرت أربط حزام المسدس علي رجله، فذهب وجاء لي بزجاجة عصير مانجة لأني أحبها، واشتري لي بندق وأعطاني نقوداً لأشتري لأبيه ما يريد، وقال: ادعي لي يمة بالشهادة والجنة، قلت له: يا رب الجنة إلك ولأخوك أيمن. اشفع لنا يمة، قال: إن شاء الله، وغادر البيت . أبارك لنفسي حصولهما علي الشهادة السماويةاليأس والبؤس والفقر هي العناوين التي تقدم لتحليل العنف الفلسطيني ، ولعل الحكاية التي نتوقف عندها ترد بقوة علي هذه الطروحات السطحية التي تجعل الجهاد عنواناً لليأس. فالوالد منصور محمد حسن الحضيري وأصله من مدينة يافا المحتلة عام 1948، ولد في طولكرم عام 1949م من بيت عز وجاه. ومع أن قلة من الناس كانوا يكملون دراستهم العليا نهاية الستينات، إلا أن منصوراً واصل جده واجتهاده حتي حصل علي شهادة الماجستير في هندسة التربة والمياه مما أهله ليصبح نائباً لعميد كلية طولكرم التقنية (معهد خضوري) للشؤون الأكاديمية. وأما من جهة الوالدة، السيدة مها سليمان عبد الرحمن ناصيف، فهي أيضاً مربية فاضلة ذات ثقافة عالية، وتعمل مدرسة في بلدة شويكة، أثبتت الأيام أنها وزوجها من خيرة المربين الذين قلما يجود الزمان بمثلهم، فهما أفضل من يربي ولديهما الوحيدين ليكونا شهيدين. وفر منصور الحضيري لعائلته الصغيرة (ولدين وثلاث بنات) مستوي راقياً من المعيشة، ولم يبخل عليهم بشيء، بيد أن ذلك لم يدفعهم نحو مسارات الترف، فقد حملتهم الأم الرائعة والأب الفاضل إلي بيئة الخير والفضيلة من خلال المسجد. وفي سجل حياة الولدين: علي وعامر القصيرة محطات جهادية وتضحية شاركت فيها عائلة منصور الحضيري برمتها. فالأكبر علي كان في الفصل الأخير من الدراسة حين كان علي رأس مجموعة من مقاتلي كتائب القسام يتصدون لوحدة من القوات الخاصة الإسرائيلية داهمت المنطقة التي كانوا يتحصنون فيها يوم الجمعة الموافق 3 أيار (مايو) 2002م. وهنا، طلب علي من إخوانه الانسحاب إلي موقع آخر، فيما تكفل هو بتأمين الغطاء لعملية الانسحاب، فخاض معركة بطولية مع الوحدة الإسرائيلية كانت حصيلتها مقتل قائدها ونائبه وإصابة عدد آخر من الجنود وفق ما اعترفت به سلطات الاحتلال الصهيوني وقتها. وكان شقيقه الأصغر عامر علي موعد مع الشهادة قبله بشهور. إذ كان عامر من أنشط الشبان منذ نعومة أظفاره، فقد اعتقل وهو بالصف الأول الثانوي بعد أربعين يوماً من اعتقال شقيقه، ثم أكمل الثانوية بعد ذلك والتحق بجامعة الخليل لدراسة الإدارة والتمويل. وبعد سنة اعتقلته سلطات الاحتلال واحتجزته في معتقل الجلمة لمدة شهر كامل تعرض خلالها لتعذيب بشع فقد بسببه سمعه وبصره لفترة من الوقت. وإثر خروجه من المعتقل، انتقل للدراسة في جامعة القدس المفتوحة في طولكرم وعاود نشاطه العسكري، إلي أن اغتيل بثلاثة صواريخ أطلقتها طائرة أباتشي علي سيارته بتاريخ 5 آب (أغسطس) 2001م، وكان في السنة الأخيرة من الدراسة كما كان شقيقه. بمقاييس البشر العادية، المصيبة كانت عظيمة علي عائلة منصور الحضيري، وعلي وجه التحديد أم علي التي فقدت ولديها الوحيدين وأصبحت العائلة تتكون من ثلاث فتيات والوالدين، إلا أن رباطة الجأش التي تميزت بها العائلة فاقت كل التصورات، وأثبتت للجميع أن الشعب الفلسطيني أقوي من آلة الحرب الصهيونية. وككل الحكايا التي تكتبها دماء الشهداء في أسفار الخلود، كان لدماء آل الحضيري قصة وحكاية صاغها الوجع المتمرد علي ظلم القيد، لتحاكي روعة دمائهما وشرف بطولاتهما بلون الدم وريح المسك وعنفوان الشباب المشتعل حماساً لساعة اللقاء. فمن أين أتي هذا الصبر، وكيف كان شعور الوالدين بعد فقد ولديهما، وهل الأولاد أفضل في نظرهما أم البنات؟ وكيف استقبلت الأم خبر الشهادة؟ لم تكن أم علي تعلم أن ولدها الذي يلح عليها أن تدعو له بالشهادة هو هدف طائرات الأباتشي الصهيونية الملتصقة بسماء المدينة وهو تحت مرمي القناصة. ففي يوم الأحد الموافق 5/8/2001، حضر عامر إلي البيت ليخطف لقاءً بأسرته اعتادته منه لانشغاله الميداني ومهماته الجهادية، وأخذ يطلب من أمه أن تدعو له بالشهادة محاولاً اقناع قلب الأم بمنزلتها العظيمة ومكانتها الرفيعة في الجنة أن ينال ابنها الشهادة. وأخيراً، وتحت إلحاحه الشديد دعت الوالدة أن يتقبل الله ابنها شهيداً عنده، فقبل رأسها وخرج، وما هي إلا لحظات قليلة حتي دوت ثلاثة انفجارات كانت كافية لجعل الأم تدرك أن باب السماء كان مفتوحاً عند دعائها.لقد كانت الأم تعلم أن فتاها الوردي يحب الأرض ويعشق الشهادة، وكم أخبرها أنه رغم حبه لها ولوالده فإنه يتوق إلي الفراق والرحيل إلي مقام أسمي ومكان أعلي، إلي السادة الكبار مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، حدثها طويلاً أنه قد اشتاق لرفاقه الراحلين: فواز بدران وأحمد عليان ومحمود مرمش ونبيل خاطر، ثم فاجأها عندما قامت لصلاة الظهر ليقول لها وهي علي المصلي: ادعي لي أن يرزقني الله بالشهادة، فدعت له بذلك، وأن يزوجني باثنتين وسبعين من الحور العين، فدعت له بذلك أيضاً. وفي بيت هذه العائلة الشامخ في قلب الساحل الفلسطيني، جلست أم علي ككل الأمهات الفلسطينيات تتحدث عن شهيديها الرائعين، فتقول: اعتقل ولدي الأكبر علي وهو في السابعة عشرة من عمره، وبعد أيام تبعه عامر ابن الصف العاشر في ذلك الحين، حيث مكثا في المعتقل ما يقارب العام. وحين كنت أذهب لزيارة ولدي داخل السجن، كنت أتطلع للتخفيف من آلامهما فيفاجئاني بالصبر والتجلد رغم أنهما كانا طفلين في ذلك الحين، أما اليوم وقد رحلا إلي الجنة فلا يصبرني علي فراقهما إلا الإيمان بأنهما قد قضيا شهيدين وبأن لقائي بهما قريب في الجنة إن شاء الله. وأقول دائماً: اللهم أحينا سعداء وأمتنا شهداء واجمعنا بالصالحين. عندما قال الناس: كيف دعوت لابنك بالشهادة؟ قلت: هذا ما أراده، وأحببت أن أرضيه وأنفذ رغبته. وما يخفف من ألم الفراق هو نيل الشهادة بشرف، فقد كانا مجاهدين في سبيل الله. وقد عزز حبهما للشهادة انتماؤهما للجناح العسكري لحركة حماس، والحمد الله رب العالمين.عندما قال لي عامر: ارفعي يديك يا أمي وادعي لي بالشهادة. كان ذلك قبل استشهاده بساعتين. فقلت له: الله يرضي عليك، ويجعلك مع النبيين والصديقين والشهداء؛ من كثرة ما ألح علي، لكنني في الحقيقة كنت خائفة عليه، ولكني كنت أريد أن أرضيه من كثرة الإلحاح، ولم يكن يطاوعني قلبي علي فراقه. وعندما قلت له هذه الكلمات أغمض عينيه وكأنه رضي عن الدعاء، وقال لي: إذا استشهدت لا تبكي علي، فقلت له: لا يمكن أن نستغني عن الدموع، فقال: حسناً، يمكنك أن تبكي، وبعد ذلك جهز نفسه، ولبس ثيابه وكان مستعجلاً، وقال لنا: بسرعة، أريد أن استشهد اليوم. وقبل أن يخرج قال: أمي، إرضي علي، كان ذلك بعد صلاة العصر، وخرج. وبعد ثوان أحسست أني أريد أن أحتضنه فناديته، ولكنه كان قد غادر، وبعد خمس دقائق، وأثناء وضوئي سمعت انفجاراً، فصرخت: عامر! وارتبكنا في البيت، ولكنا صرخنا: عامر… فقد كان هو المطلوب الوحيد، وإحساسي أنه هو، ولكن كنت أدعو: يا رب ألا يكون قد استشهد، ولكن بعد لحظات جاء الخبر اليقين، وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها.أما علي، فقد صلينا الصبح جماعة، ولم أعرف أن أنام في تلك الليلة، وقرأت القرآن. واتصل في الساعة السادسة إلا ربعاً صباحاً بالهاتف ـ وكنا متشوقين لسماع صوته ـ فقال لأخته: هناك حشودات للجيش واشتباكات، وقال: ادعوا لي. وقال لي: أنا في معركة، يا أمي أنا في معركة، حان وقت الشهادة، اسمعي يا أمي، ادعي لي وارضي عني، لقد قتلت جنديين الآن، وجرحت العشرات، والمعركة مستمرة. ولا تحزنوا علي، لحظات وأكون في الجنة.لقد رفع معنوياتنا، فقلت له: الله يرضي عليك، الله يقويك. وشعرت برضا بقضاء الله وقدره، وأصبحت أدعو وأقرأ القرآن… كل من في البيت كان يدعو، وسمعناه علي التليفون يقول: يا رب، وهو يطلق النار. وكنا ندعو أن يكون الرصاص علي المحتلين من سجيل، وسمعنا باستشهاده بعد الظهر، حيث لم نعرف ماذا حصل بعد ذلك. وقد تقبلنا الأمر بشكل عادي. فقضاء الله وقدره نحن راضون به، فقد كنا نعرف أنه مطارد، وزرناه بعد استشهاد أخيه، أي قبل استشهاده بأشهر (حوالي ستة شهور تقريباً)، وقال لنا: إنه سيؤجل الفصل، فلما سألناه لماذا؟ قال: إنه مطارد ومطلوب لليهود، وسمعنا منه هذا الكلام وجهاً لوجه، وأدركنا أن هذا هو الطريق الذي اختاره لنفسه. وعندما علمنا أنه مطارد شجعناه، وقلنا له: علي بركة الله، وسألنا الله له الشهادة، وسألنا الله أن يكون معه، ولم نأبه لتأجيل الدراسة، لأن الدراسة يمكن أن تكون في المستقبل، وقلنا له: الله معك الله يحميك، وتقبلنا الأمر بشكل عادي. وهذه المرة الوحيدة التي رأيناه بعد استشهاد أخيه، ولم يكن يستطيع الحضور إلي طولكرم، لكنه كان يتصل بنا، ويطمئننا عليه.أعتقد لو أن كل أم شجعت ابنها علي الجهاد لما بقيت إسرائيل علي وجه الأرض، ولمحيت تماماً من الوجود. وأتمني أن تشجع كل أم ابنها علي الجهاد، وأن تربيه تربية إسلامية، وتشجعه حتي يحب الجهاد في سبيل الله، وحتي ينغرس في أعماقه ذلك الحب، فعندها لن تقوم لإسرائيل قائمة . 7